في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالضفة الغربية، اضطر عشرات العمال الفلسطينيين إلى الاختباء داخل شاحنة لنقل النفايات في محاولة للوصول إلى أماكن عملهم داخل ما يسمى “إسرائيل”، بعد أن فقدوا تصاريح العمل التي كانوا يعتمدون عليها لإعالة أسرهم منذ اندلاع الحرب على غزة.
وأصبحت محاولات العبور غير النظامية، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر الاعتقال أو إطلاق النار، خيارًا يلجأ إليه كثير من العمال مع استمرار القيود الإسرائيلية وتراجع فرص العمل داخل الضفة الغربية، في ظل ارتفاع معدلات البطالة واتساع رقعة الفقر.
رحلة داخل شاحنة نفايات
في شوال 1447هـ الموافق أبريل/نيسان 2026م، صعد نحو سبعين عاملًا فلسطينيًا إلى الجزء الخلفي من شاحنة مخصصة لنقل النفايات، على أمل تجاوز أحد الحواجز العسكرية والوصول إلى داخل كيان “إسرائيل” دون اكتشافهم.
لكن المحاولة انتهت سريعًا بعدما أوقفت القوات الإسرائيلية الشاحنة عند أحد حواجز الضفة الغربية، حيث بقي العمال مختبئين تحت أكياس النفايات لأكثر من ساعتين في درجات حرارة مرتفعة قبل إخراجهم واحتجازهم.
وكان من بين هؤلاء العامل، الذي عُرّف باسم مستعار “مجد”، وهو أب لطفلين من بلدة بيت فوريك جنوب نابلس، قال إن الخوف في البداية كان من السجن، لكنه تحول لاحقًا إلى خوف من الموت بسبب طول فترة بقائهم داخل الشاحنة.
فقدان تصاريح العمل
وتعود جذور الأزمة إلى الإجراءات التي اتخذتها سلطات الاحتلال عقب اندلاع الحرب على غزة في 7 ربيع الآخر 1445هـ الموافق 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023م، عندما ألغت نحو 150 ألف تصريح عمل كان يحملها فلسطينيون من الضفة الغربية للعمل داخل “إسرائيل”.
ومع نفاد مدخرات آلاف الأسر، وجد كثير من العمال أنفسهم أمام خيارات محدودة، في ظل تراجع فرص العمل المحلية وعدم قدرة الاقتصاد الفلسطيني على استيعاب الأعداد الكبيرة من العاطلين.
وقبل الحرب، كان مجد يعمل في قطاع البناء داخل منطقة تل أبيب منذ ست سنوات، ويتقاضى ما بين سبعة وثمانية آلاف شيكل شهريًا، وهو دخل مكّنه من إعالة أسرته والادخار. إلا أن إلغاء التصاريح أنهى مصدر رزقه، ودفعه لاحقًا إلى محاولة دخول “إسرائيل” بطرق غير نظامية.
اقتصاد يعتمد على سوق العمل الإسرائيلي
لا ترتبط الأزمة الحالية فقط بإلغاء التصاريح، بل تعكس أيضًا بنية اقتصادية تشكلت على مدى عقود.
فمنذ سنوات الاحتلال الأولى، أصبح جزء كبير من العمال الفلسطينيين يعتمد على سوق العمل داخل “إسرائيل” نتيجة القيود المفروضة على تطوير الزراعة والصناعة والاستثمار في الضفة الغربية، وهو ما جعل الاقتصاد الفلسطيني شديد الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي.
وبحسب تقارير دولية، كان نحو ثلث القوة العاملة الفلسطينية يعمل داخل “إسرائيل” خلال ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يتحول نظام التنقل تدريجيًا إلى نظام تصاريح فردية، ثم تزداد القيود مع بناء الجدار الفاصل وتشديد إجراءات الحركة.
ويرى محللون فلسطينيون أن هذه السياسات عززت قدرة “إسرائيل” على التحكم في حركة العمال والتجارة، وربطت النشاط الاقتصادي الفلسطيني بقرارات أمنية وسياسية متغيرة.
انهيار اقتصادي متسارع
بعد الحرب، لم تقتصر الإجراءات الإسرائيلية على إلغاء تصاريح العمل، بل شملت أيضًا حجز أجزاء من أموال المقاصة التي تشكل مصدرًا رئيسيًا لإيرادات السلطة الفلسطينية، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية.
ويشير باحثون اقتصاديون إلى أن فقدان دخول العمال، بالتزامن مع تراجع الإيرادات العامة، انعكس على مختلف القطاعات الاقتصادية، إذ انخفضت القدرة الشرائية للأسر، وتراجعت مبيعات الشركات المحلية، واتسعت دائرة الركود.
وتقدر مؤسسات اقتصادية فلسطينية أن الناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية انكمش بأكثر من 20%، فيما ارتفعت البطالة إلى نحو 30%، مقارنة بمعدلات أقل بكثير قبل الحرب، كما تضاعفت نسبة الفقر لتصل إلى نحو 28%.
مخاطر العبور غير النظامي
ومع استمرار إغلاق سوق العمل الإسرائيلي أمام معظم العمال، لجأ بعضهم إلى محاولات العبور دون تصاريح، سواء عبر تسلق الجدار الفاصل أو استخدام مركبات وشاحنات لإخفائهم.
لكن هذه المحاولات أصبحت أكثر خطورة خلال السنوات الأخيرة، إذ يتعرض العمال للاعتقال أو لإطلاق النار أثناء محاولات العبور، في وقت لا تزال فيه السلطات الإسرائيلية تمنح عددًا محدودًا من تصاريح العمل للقطاعات التي تعتبرها ضرورية، بينما يبقى غالبية العمال محرومين من العودة إلى أعمالهم.
مستقبل غامض
بالنسبة لمجد، لم تعد القضية مجرد البحث عن وظيفة، بل أصبحت تتعلق بقدرته على توفير احتياجات أطفاله. وبعد نفاد مدخراته، بات يعتمد على ما يستطيع والده توفيره من دخل محدود يعتمد على تربية الأغنام، بينما لا يزال مترددًا في تكرار محاولة العبور غير النظامية.
وتجسد قصته واقع آلاف العمال الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم بين بطالة متفاقمة داخل الضفة الغربية، ومخاطر كبيرة تحيط بأي محاولة للوصول إلى أماكن العمل التي كانوا يعتمدون عليها لسنوات، في ظل استمرار القيود المفروضة على الحركة والعمل، وتفاقم الأزمة الاقتصادية منذ اندلاع الحرب على غزة.






اترك تعليقاً