قمة الناتو في أنقرة.. كيف أعادت الحرب مع إيران رسم أولويات الحلف وفتحت الباب أمام مزيد من التقارب الأمريكي التركي؟

Trump Ankara 980x653 1

تحولت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي استضافتها العاصمة التركية أنقرة في 22 محرم 1448هـ الموافق 7 يوليو/تموز 2026م، من اجتماع مخصص لمناقشة قضايا الدفاع الجماعي والإنفاق العسكري إلى منصة لإعادة ترتيب التحالفات في ظل التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وإعلان سلسلة قرارات أمريكية تجاه تركيا قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة.

وجاءت القمة في وقت تشهد فيه منطقة الخليج توترًا غير مسبوق عقب اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين واشنطن وطهران، ما جعل الملف الإيراني حاضرًا بقوة في اللقاءات الثنائية وعلى هامش اجتماعات قادة الحلف، إلى جانب ملفات الأمن الأوروبي، والحرب في أوكرانيا، ومستقبل الصناعات الدفاعية داخل الناتو.

لقاء ترامب وأردوغان يتصدر القمة

استهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مشاركته في القمة بلقاء مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان داخل المجمع الرئاسي في أنقرة، في اجتماع حمل رسائل سياسية وعسكرية لافتة، إذ أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستعمل على رفع العقوبات المفروضة على تركيا منذ عام 2020، والتي فُرضت بسبب شراء أنقرة منظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-400”.

وقال ترامب إن إدارته “سترفع العقوبات”، في إشارة إلى العقوبات التي فرضت بموجب قانون مكافحة خصوم الولايات المتحدة من خلال العقوبات (CAATSA)، وهو ما يمثل تحولًا واضحًا في السياسة الأمريكية تجاه أنقرة بعد سنوات من التوتر.

ولم يقتصر التقارب على ملف العقوبات، بل كشف ترامب أنه “سينظر بكل تأكيد” في إعادة بيع مقاتلات F-35 لتركيا، وهو الملف الذي ظل مجمدًا منذ استبعاد أنقرة من البرنامج بسبب صفقة “إس-400”.

وأضاف أن العلاقات مع تركيا أصبحت أفضل، معتبرًا أنها أظهرت قدرًا من “الولاء” يفوق بعض حلفاء واشنطن الآخرين داخل الناتو، في تصريحات عُدت إشارة إلى رغبة أمريكية في إعادة دمج تركيا ضمن المنظومة الدفاعية الغربية.

الحرب مع إيران تخيم على الاجتماعات

ورغم أن جدول أعمال القمة ركز رسميًا على تعزيز القدرات الدفاعية للحلف، فإن التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران فرض نفسه على المناقشات.

وأشاد ترامب بالموقف التركي خلال الأزمة، مؤكدًا أن أنقرة، رغم امتلاكها جيشًا قويًا وعلاقات متوترة مع إسرائيل، امتنعت عن الانخراط في الحرب إلى جانب إيران.

وقال إن تركيا “كان بإمكانها الدخول في القتال، لكنها لم تفعل”، معتبرًا أن هذا الموقف ساهم في منع اتساع دائرة الصراع داخل المنطقة.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تسعى فيه واشنطن إلى حشد دعم حلفائها الغربيين والإقليميين بعد بدء الضربات الأمريكية ضد إيران، بينما فضلت تركيا الحفاظ على موقف يوازن بين عضويتها في الناتو وعلاقاتها الإقليمية، مع استمرار انتقاداتها للسياسات الإسرائيلية.

اعتراض إسرائيلي على صفقة المقاتلات

وأعاد إعلان ترامب بشأن احتمال بيع مقاتلات F-35 إلى تركيا الجدل داخل إسرائيل، إذ أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن رفضه لهذه الخطوة، محذرًا من أنها قد تؤثر في التفوق العسكري الإسرائيلي في الشرق الأوسط.

وقال نتنياهو إن تزويد تركيا بالمقاتلات أو بمحركاتها سيخلّ بتوازن القوى الذي يعتمد – بحسب تعبيره – على التفوق الجوي الإسرائيلي والدور العسكري الأمريكي في المنطقة.

وتعكس هذه التصريحات حجم الحساسية التي يثيرها أي تحول في العلاقات العسكرية بين واشنطن وأنقرة، خاصة في ظل التوتر المستمر بين تركيا وإسرائيل، والحديث المتزايد داخل الأوساط الإسرائيلية عن احتمال مواجهة مستقبلية مع أنقرة.

أبرز مخرجات القمة

وعلى الرغم من أن البيان الختامي للقمة ركز على ملفات الحلف التقليدية، فإن أبرز التطورات التي خرجت بها الاجتماعات تمثلت في:

  • إعلان الولايات المتحدة عزمها رفع العقوبات المفروضة على تركيا، بما يفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية.
  • تأكيد واشنطن دراسة إعادة إدراج تركيا في برنامج مقاتلات F-35، وهو تحول قد يعيد تشكيل التعاون العسكري بين البلدين.
  • بروز الأزمة الإيرانية بوصفها الملف الأكثر تأثيرًا في اللقاءات الثنائية بين قادة الحلف، رغم أنها لم تكن البند الرئيسي المعلن على جدول الأعمال.
  • تأكيد استمرار التنسيق داخل الناتو لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة، مع التركيز على تعزيز القدرات الدفاعية للدول الأعضاء.
  • إبراز الدور التركي بوصفه شريكًا إقليميًا يسعى الحلف إلى الحفاظ على تعاونه معه في ظل التحولات الأمنية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.

قمة تجاوزت ملفات الناتو التقليدية

أظهرت قمة أنقرة أن جدول أعمال الناتو لم يعد يقتصر على الأمن الأوروبي أو الحرب في أوكرانيا، بل بات يتأثر بصورة مباشرة بالأزمات المتسارعة في الشرق الأوسط. وبينما فتحت واشنطن بابًا جديدًا للتقارب مع تركيا عبر رفع العقوبات وإحياء الحديث عن صفقة مقاتلات F-35، كشفت القمة أيضًا أن الحرب مع إيران أصبحت عنصرًا رئيسيًا في حسابات الحلف، وأن مواقف الدول الأعضاء من هذا الصراع ستلعب دورًا متزايدًا في رسم شكل التحالفات خلال المرحلة المقبلة.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *