بمناسبة وقوف مجرم فرنسا شاتم النبي ﷺ متبجحًا في قلب العالم الإسلامي، ومعلنًا “إعادة إطلاق التعاون التربوي والعلمي والثقافي عبر إعادة فتح المعهد الفرنسي للشرق الأوسط في دمشق، وتسهيل عودة عمل المؤسسات الفرنسية والجامعات والمدارس” وتأكيده على “استعداد فرنسا للمساهمة في إعادة فتح المدارس المسيحية الفرنكوفونية”، وجب دق ناقوس الخطر تحذيرًا من الاستعمار الفرنسى الناعم المتمثل فى المدارس والمعاهد والجامعات الفرنسية فى بلادنا، والذى يجند المسلمين منذ الصغر ليكونوا عملاء ذوى هوية فرنسية، وإن كانوا يحملون أسماء إسلامية، وهو ما يندرج ضمن بنود مايسمى ب(الفرنكفونية) أو FRANCOPHONIE.
مصطلح الفرنكفونية وضع عام 1880، ويعنى (مجموع الأشخاص والبلدان التي تستعمل اللغة الفرنسية).
والأقرب لحقيقة اصطلاح (الفرنكفونية) هو كما عرَّفَه الكاتب والباحث السياسي اللبناني قاسم محمد عثمان: “أنها واقع معاش، ونمط تفكير، وسلوك حياة، قبل أن تكون انخراطاً في نموذج سياسي أو في كيان جغرافي. فهي كيان يتحرك فيه الإنسان ضمن تنوعه العرقي والوطني والديني… ولأجل ذلك كله، تعيش الفرنكفونية وتتطور وتترسخ ضمن التعددية، واحترام خصائص الآخر، وخصوصياته، واختياراته.”
وتضم منظمة الفرنكفونية 55 دولة عضوا كانت من مستعمرات فرنسا سابقا، وإلى جانب 13 دولة لها صفة مراقب.
وقد تأسست الفرنكفونية يوم 20 مارس 1970، لذلك صار هذا اليوم يوما عالميا للاحتفال بالفرانكوفونية.
وقد تم إحداث منصب الأمين العام للفرنكفونية عام 1997 وينتخب لمدة أربع سنوات وعين فيه بطرس بطرس غالي، وخلفه الرئيس السنغالي السابق عبدو ضيوف.
ولا يقتصر دور الفرنكوفونية على نشر اللغة فحسب، حيث تشارك من خلال مؤسساتها في المؤتمرات الدولية في كافة المجالات، وبخاصةً التنمية المستدامة، وتفعيل دور المرأة ومشاركتها في الحياة العملية والسياسية، وبخاصة في الدول الأفريقية.
هذا المصطلح لم يعرف انتشاره الحقيقي و الواسع؛ إلا مع الزعيم الإفريقي ” ليوبولد سنجور” الذي شغل منصب رئاسة السنغال مباشرة بعد خروج فرنسا؛ و هو خريج الأكاديمية الفرنسية؛ التي تعتبر البداية التأسيسية للمراكز الثقافية الفرنسية في المستعمرات الفرنسية السابقة.
ولعل المعنى الحقيقي للفرانكفونية ارتبط بفترة انسحاب فرنسا من مستعمراتها السابقة؛ ولذلك تبلور المصطلح من استعمار عسكري إلى استعمار ثقافي؛ يمر عبر الاختراق اللغوي؛ بتطبيق استراتيجية الخروج من الباب والدخول من النافذة.
فاللغة هي المدخل الرئيسي لتشكيل الهوية؛ ولذلك فإن فرنسا كانت تسعى إلى تكسير هويات المستعمرات؛ حتى تشل حركتها على المقاومة؛ لأن الجسد المقاوم هو فكر وروح متماسكين دينيا ولغويا وثقافيا.
لذلك توجهوا إلى إخضاع النفوس و العقول ثقافيا؛ للتمكن من إخضاع الأجساد؛ وحتى إذا توهمت الأجساد التحرر؛ تبقى العقول والنفوس مقيدة وتابعة، وذلك بفرض اللغة الفرنسية على المستعمرات؛ إما كلغة أولى (السنغال مثلا)؛ أو كلغة ثانية (نموذج دول المغرب العربي)؛ باعتبار اللغة الفرنسية لغة الحضارة ولغة الإنسان الأبيض؛ الذى هو مركز العالم.
وتم الاختراق الحقيقي الذي دشنته الفرانكفونية من داخل منظومة التعليم؛ حيث كانت اللغة الفرنسية بعد انسحاب فرنسا من مستعمراتها هي لغة التدريس، ومن داخل مؤسسات التعليم؛ حافظت اللغة الفرنسية على تواجدها القوي؛ داخل مستعمرات فرنسا السابقة؛ لأن ما يهم فرنسا أكثر هو تشكيل النخب السياسية والثقافية على مقاسها ثقافيا ولغويا؛ فيصيرون من خدامها الأوفياء من المستعمَرين (بفتح الميم) الذين سيحملون راية الفرانكفونية عاليا، ويتولون الدفاع عن قيم الحداثة؛ التي لا يمكنها أن تتجسد إلا عبر اللغة الفرنسية!!!
“إن الفرانكفونية في العالم العربي هي بالأساس مدرسية وجامعية” كما تؤكد أستاذة الأدب المعاصر بجامعة القديس يوسف (كاتيا حداد).
ألا يمكن الجزم بأن الفرانكفونية في العالم العربي -مشرقا ومغربا- هي من أخطر ما تواجهه الشعوب العربية؛ لتحقيق استقلالها التاريخي المنشود؟
هل حققت الشعوب العربية استقلالها –حقا- من خلال التضحية بملايين الشهداء؛ أم إن الخطر الاستعماري ما يزال جاثما؛ مستعدا للانقضاض في كل لحظة؟
و من هذا المنظور هل يمكننا –كشعوب مسلمة- أن نستسلم للواقع؛ أم يجب أن نظل في مقاومتنا التى تهدف إلى تجاوز إنهاء الاستعمار العسكري؛ إلى إنهاء الاستعمار الحضاري؛ الممارس علينا؛ اقتصاديا وسياسيا وثقافيا ولغويا؟
إن مسؤوليتنا؛ كجيل جديد هي في الحقيقة أخطر من تلك المسؤولية التي تحملها الجيل السابق؛ الذي ناضل بجميع الوسائل لطرد الاستعمار العسكري؛ ومسؤوليتنا الآن تتجلى في تحقيق استقلال تاريخي شامل؛ عبر تحقيق حلم وحدة الأمة الإسلامية مشرقا و مغربا؛ لا مجال فيه للخضوع لأية قوة كانت؛ فرانكفونية أو أنكلوساكسونية.
في المغرب يؤكد (بول مارتي) في كتابه: (مغرب الغد): “إن كل تعليم للعربية، وكل تدخل من الفقيه، وكل وجود إسلامي، سوف يتم إبعاده بكل قوة؛ وبذلك نجذب إلينا الأطفال عن طريق مدرستنا وحدها، ونبعد متعمدين كل مرحلة من مراحل نشر الإسلام”.
ولتنفيذ أهداف السياسة الاستعمارية الفرنسية(الحملة الفرنسية لبونابرت قديما – الفرنكفونية حاليا) فى ثوبها الجديد تقوم (هيئات ومؤسسات ومعاهد) تسهر على تنفيذ هذه الأهداف.
تابعونا
(المادة العلمية لهذا المقال مستقاة فى أغلبها من بحث قيم للباحث المغربى د.إدريس جندارى)
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=22718






اترك تعليقاً