دجال الأناضول أردوغان

غلاف مقال رأي بعنوان: دجال الأناضول أردوغان

وصل للأخبار | مقال رأي يعبر عن كاتبه: بعنوان: دجال الأناضول أردوغان

في عالم السياسة ، نادرًا ما تجد ظاهرة تتجلى فيها السريالية والميكافيلية كما تتجلى في شخصية رئيس النظام التركي، رجب طيب أردوغان، الرجل الذي أتقن على مدار عقود فن اللعب بالمتناقضات، مستغلًا عواطف الملايين من الشعوب المسلمة والعربية، ومقدمًا نفسه كـ “سلطان العصر” والمدافع الأول عن قضايا الأمة، في حين تكشف الممارسة الفعلية على الأرض عن وجه آخر تمامًا، وجه “دجال الأناضول” الذي يبيع الوهم الإعلامي في العلن، بينما يوقع الصفقات خلف الكواليس.

ظاهرة صوتية بامتياز: صناعة البروباغندا واستدرار العواطف

منذ مسرحية “دقيقة واحدة” الشهيرة في منتدى دافوس 2009، نجح أردوغان في تشييد إمبراطورية من الدعاية الزائفة. تعتمد هذه الإمبراطورية على خطابات نارية تفيض بالتهديد والوعيد، تزلزل المنابر وتلهب حماس الشارع العربي والإسلامي. تخرج المنصات الإعلامية التابعة للنظام التركي لتصوّر أي تصريح يصدر عنه وكأنه إعلان حرب أو خطوة حاسمة لتحرير المقدسات.

لكن الحقيقة المرة التي يتغاضى عنها مريدوه هي أن هذا الخطاب الحماسي ليس سوى “بضاعة انتخابية” محلية وإقليمية. يُستدعى هذا الخطاب بدقة في مواسم الانتخابات التركية لشد عصب القاعدة الشعبية المحافظة، أو لغسل الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تضرب الداخل التركي من تضخم متسارع وانهيار مستمر لليرة. إنه استثمار رخيص في معاناة ومشاعر الشعوب، يتم عبره تحويل القضايا المصيرية إلى مجرد أدوات بروباغندا لخدمة بقاء الرجل في السلطة.

شريان التبادل التجاري: الأرقام التي تفضح الادعاءات

ففي الوقت الذي يهاجم فيه أردوغان “إسرائيل” من على المنابر، ظلّت التجارة بين أنقرة وتل أبيب تتدفق دون انقطاع حتى خلال أشد فترات التوتر السياسي. السفن لم تتوقف، والاستثمارات لم تنهَر، والمصالح الاقتصادية بقيت محصنة ضد العواصف الإعلامية.

فالحديد والإسمنت والمواد الغذائية والمنسوجات والمنتجات الصناعية التركية واصلت طريقها إلى الأسواق الإسرائيلية، بما يعكس أن المصالح الاستراتيجية بقيت أقوى من لغة التصعيد. بل إن الصادرات التركية إلى “إسرائيل” بلغت، وفق البيانات الرسمية، نحو 176.1 مليون دولار خلال الشهرين الأولين من عام 2026، رغم إعلان أنقرة أن هذه البضائع خُصصت لمستوردين فلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.

قد يختلف البعض حول تفسير هذه الأرقام، لكن من الصعب إنكار أنها تكشف فجوة واسعة بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي.

مساومة الحلفاء والانقلاب على الشعارات

فبعد سنوات من الهجوم الشخصي على القادة الإسرائيليين، عادت أنقرة لاستقبال الرئيس الإسرائيلي عام 2022، ثم وزير الخارجية الإسرائيلي عام 2023، في إطار إعادة تطبيع العلاقات، بعدما فرضت الاعتبارات الاقتصادية والجيوسياسية واقعًا جديدًا.

اقرأ أيضًا: تركيا في عصر الحرب على إيران: تحديات، فرص، وصراعات نفوذ

ولم يقتصر الأمر على العلاقات الرسمية، بل امتد إلى التعاطي مع الفصائل الفلسطينية الموجودة على الأراضي التركية، حيث بدا واضحًا أن مساحة حركتها ظلت خاضعة لحسابات الدولة التركية، لا للشعارات التي تُرفع في الخطب الجماهيرية. وعندما تعارضت تلك الحسابات مع مصالح أنقرة، كانت البراغماتية هي المنتصر دائمًا.

دجال الأناضول أردوغان
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ والرئيس التركي رجب طيب أردوغان

خاتمة: سقوط قناع الزعامة الزائفة

إن قراءة المسيرة السياسية لأردوغان في هذا الملف تكشف عن ازدواجية معايير صارخة ونفاق سياسي غير مسبوق. لقد سقط قناع “الزعيم الإسلامي الغيور” تحت وطأة الأرقام والاتفاقيات الأمنية والاقتصادية المستمرة تحت الطاولة.

لم يكن أردوغان يومًا عدوًا للمشروع الإسرائيلي، بل كان -وما يزال- مستثمرًا بارعًا في القضية، يبيع الشعارات البراقة للشعوب التواقة للنصر، قابضًا ثمنها نفوذًا وبقاءً في السلطة، ليظل وصف “دجال الأناضول” هو التجسيد الأدق لسياسي يتقن المتاجرة بالوهم، ويعيش على التناقض بين صخب القول وبراغماتية الفعل. إذ إن العلاقات المؤسساتية والتنسيق الأمني والعسكري بين دولة الاحتلال وتركيا أعمق وأكبر من أن يتأثرا بالتهديدات والجعجعة الإعلامية المتبادلة.

دجال الأناضول أردوغان
وزير الدفاع الإسرائيلي السابق بيني غانتس ووزير الدفاع التركي السابق خلوصي أكار عام 2022

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *