وصل للأخبار |ترجمات | تركيا في عصر الحرب على إيران
كيف تحاول أنقرة الاستفادة من أزمة هرمز للحفاظ على مكانتها الإقليمية في مواجهة حدود نفوذها في واشنطن وتعاظم قوة “إسرائيل”.
مقدمة
تضع الحرب في إيران وأزمة هرمز تركيا أمام سلسلة من التحديات والفرص في الساحات الاقتصادية، السياسية، والأمنية.
تبحث هذه الوثيقة تداعيات الصراع الإقليمي من عدة زوايا متكاملة: آثار الحرب على الاقتصاد التركي ومحاولات أنقرة للاستفادة من الاضطرابات في الخليج لتعزيز ممرات تجارية جديدة، ومحدودية تأثير أنقرة على صنع القرار في واشنطن بالمنطقة في ظل تعزيز التعاون بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”، بالإضافة إلى جهودها لتأسيس أطر أمنية جديدة في العالم السني إلى جانب توثيق العلاقات مع الدول الأوروبية.
من خلال دراسة مجمل هذه الساحات، تسعى هذه الورقة إلى الوقوف على التحديات الرئيسية التي تواجه تركيا في ظل الديناميكيات الإقليمية المتفجرة، وتحليل الطريقة التي تصوغ بها أنقرة استراتيجيتها الخارجية كقوة إقليمية تطمح إلى الحفاظ على نفوذها بل وتوسيعة.
اقرأ أيضًا: الخليج وأزمة الصواريخ الاعتراضية.. هل تحرمها واشنطن؟
وبشكل محدد، تصف الورقة كيف تعمل تركيا على توظيف أهميتها الجغرافية والأمنية لضمان بقائها لاعبًا رئيسيًا في تشكيل النظام الإقليمي الناشئ، في مواجهة تغييرات تحدث إلى حد كبير خارج نطاق سيطرتها. كما تسلط الورقة الضوء على كيفية النظر إلى “إسرائيل” في أنقرة كتحدٍ متزايد لمصادر قوتها الرئيسية، مع التركيز على نقاط التنافس بين الدولتين في الساحات الأمنية، الاقتصادية-المرتبطة بالطاقة، والسياسية، وعلى تداعياتها على ميزان القوى الإقليمي.
آثار الحرب على الاقتصاد التركي
بالأرقام المطلقة، تُعد تركيا القوة الاقتصادية الرائدة في الشرق الأوسط. ففي عام 2025، بلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 1.6 تريليون دولار، وهي تتمتع بقاعدة صناعية متطورة ومتنوعة تشمل صناعات السيارات وقطع الغيار، والآلات والمعدات الميكانيكية، والأجهزة الكهربائية والإلكترونية، والمنسوجات والملابس، بالإضافة إلى الصناعات الدفاعية التي تشهد نموًا ملحوظًا. وتعمل أنقرة على تعزيز علاقاتها التجارية مع الدول الغربية، حيث بات الاتحاد الأوروبي اليوم وجهة التصدير الرئيسية لها.
اقرأ أيضًا: إعلام “سايكس بيكو” وصناعة التفاهة الممنهجة
مع ذلك، وراء هذه البيانات الاقتصادية الكلية المبهرة تكمن تحديات اقتصادية عميقة. تواجه تركيا منذ سنوات تضخمًا مرتفعًا ومستمرًا، مما أضر بشكل كبير بالقدرة الشرائية للمواطنين. وعلى الرغم من علامات التعافي التي ظهرت في السنوات الأخيرة بسبب السياسة النقدية الأكثر صرامة، يواجه أبناء الطبقة الوسطى صعوبة في شراء شقة في المدن الرئيسية، وانخفض معدل المواليد إلى أدنى مستوى تاريخي، ووفقًا لبيانات معهد الإحصاء التركي، كان ما يقرب من 21% من السكان في عام 2025 تحت خط الفقر الفردي (وفقًا لعتبة 60% من متوسط الدخل).
دعا الرئيس رجب طيب أردوغان على مدار سنوات إلى سياسة أسعار الفائدة المنخفضة، بما يتعارض مع النهج السائد بين الاقتصاديين التقليديين. بل إن أردوغان وصف سعر الفائدة بأنه “أم الشرور”، وأقال العديد من محافظي البنك المركزي الذين لم يتماشوا مع موقفه.
إلا أن هذه السياسة لم تصمد أمام اختبار الواقع. ومع تفاقم التضخم، اضطرت الحكومة إلى السماح بالانتقال إلى سياسة نقدية أكثر تشديدًا. وبدءًا من يونيو 2023، رُفعت أسعار الفائدة تدريجيًا، مما ساهم في استقرار الاقتصاد إلى حد ما وإبطاء وتيرة ارتفاع الأسعار. وبناءً على ذلك، في حين وصل التضخم في مايو 2024 إلى معدل تجاوز 75%، إلا أنه بعد عامين من ذلك، في مايو 2026، بلغ معدله 32.6%. وعشية الحرب على إيران، كان البنك المركزي يمر بالفعل في خضم عملية حذرة لخفض أسعار الفائدة.
أزمة تولد فرصة
أدت الحرب في إيران إلى تراجع تدريجي في الاقتصاد التركي، كما يتضح من بيانات الربع الأول من عام 2026. فمن جهة، استمر الناتج المحلي الإجمالي في النمو بمعدل 2.5%، وقفز استهلاك الأسر المعيشية بنسبة 4.8%، وزاد الإنفاق الحكومي بنسبة 2.1%. ومن جهة أخرى، شهد معدل النمو تباطؤاً مقارنةً بالربع السابق (نهاية عام 2025)، حيث انخفضت صادرات السلع والخدمات بنحو 12.7%، وانكمش القطاع الصناعي.
أدت المواجهة في الخليج إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية القائمة. وعلى الرغم من أن تركيا لم تشهد أزمة مباشرة في إمدادات الطاقة، لأن جزءًا كبيرًا من نفطها وغازها يأتي من روسيا وأذربيجان وإيران وكازاخستان عبر أنابيب برية لا تمر عبر مضيق هرمز، إلا أن الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة ساهم في زيادة أسعار الوقود وتكلفة المعيشة العامة. وفي الوقت نفسه، حدثت اضطرابات في سلاسل إمداد المواد الخام الحيوية للصناعة التركية، بما في ذلك الأسمدة، مما أثقل كاهل النشاط الاقتصادي.
إلى جانب الصعوبات الاقتصادية، تكشف أزمة هرمز أيضًا عن فرصة استراتيجية لأنقرة على المدى البعيد. إذ يجبر الإغلاق شركات الشحن والكيانات التجارية على البحث عن حلول بديلة وتشكيل “جسور برية” تسمح بنقل البضائع من دول الخليج إلى أوروبا مع تقليل الاعتماد على الممرات المائية التقليدية. وفي هذا السياق، تروج تركيا لـ “ممر الحجاز” – وهو محور نقل بري لنقل البضائع بين السعودية والأردن وسوريا وتركيا وأوروبا، والذي يرتكز في جوهره على مشروع إحياء خط السكك الحديدية التاريخي.
من وجهة نظر تركيا، لا تقتصر القضية على مجرد استجابة موضعية لاضطرابات التجارة، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على مكانتها كمركز جيواقتصادي رئيسي بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، وتعزيز دورها في سلاسل الإمداد الإقليمية.
وهناك إدراك في أنقرة بأن التغييرات في خريطة التجارة والطاقة الإقليمية قد تزعزع هذه المكانة. لذلك، فهي تعمل بنشاط على إعادة ترسيخ أهميتها من خلال الترويج لممرات النقل والتجارة التي تمر عبر أراضيها. وكلما ازدادت أهمية هذه الممرات، تعززت مكانة تركيا الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة، وتحديدًا في وقت تثير فيه حالة عدم الاستقرار في الخليج تساؤلات حول مرونة مسارات التجارة التقليدية.
بشكل عام، تُعتبر ممرات التجارة الإقليمية التي يتم تطويرها دون مشاركة تركية بمثابة تهديد لمكانتها الجيواستراتيجية. وفي هذا السياق، يبرز مشروع IMEC – وهو ممر اقتصادي لنقل البضائع والطاقة والاتصالات(كابلات بحرية وأرضية للبيانات والألياف الضوئية) من الهند والخليج وصولًا إلى أوروبا، حيث تشكل “إسرائيل” مركزًا رئيسياً فيه. وردًا على هذه المبادرة، تعمل تركيا على مشروع “طريق التنمية” – وهو ممر لنقل البضائع بين آسيا وأوروبا عبر ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق؛ حيث يُفترض أن يعمل الميناء كبوابة دخول بحرية، ومنه تُنقل الشحنات عبر مسار بري يمر بالعراق إلى تركيا ومنها إلى أوروبا.
هناك مبادرة أخرى تهدد تركيا وهي خطة إنشاء خط أنابيب “إيست ميد” (EastMed) المصمم لربط حقول الغاز الإسرائيلية بقبرص واليونان وأوروبا.
ومن الناحية العملية، كان من الممكن أن يكون المسار الذي يمر عبر تركيا أكثر كفاءة، إلا أن تدهور العلاقات بين الدولتين جعل هذا الخيار أقل واقعية. وفي ظل هذه الظروف، تحاول أنقرة إحباط تنفيذ المشروع، من بين أمور أخرى، عبر الطعن في ترتيبات الحدود البحرية في المنطقة، والقيام بعمليات تنقيب بحرية في المناطق المتنازع عليها، فضلًا عن التدخل في ليبيا.
وفي المقابل، تزايدت في “إسرائيل” الحاجة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني بين دول “التحالف الهيليني” لتشكل بذلك قوة موازنة للحزم التركي في حوض البحر الأبيض المتوسط. وتدرس هذه الدول إمكانية إنشاء قوة عسكرية مشتركة تعمل في شرق البحر المتوسط، يُخصص لها نحو 2,500 جندي وتوضع تحت تصرفها سفن وطائرات مقاتلة من أجل ترسيخ عمق استراتيجي في مواجهة المحاولات التركية لتوسيع وجودها في هذا الفضاء.
توضيح من المحرر: “التحالف الهيليني” مصطلح تاريخي قديم جدًا المقصود به حاليًا التحالف الثلاثي في شرق المتوسط: اليونان، قبرص، و”إسرائيل”
حدود النفوذ التركي
أظهرت الحرب على إيران لتركيا ليس فقط مدى هشاشتها الاقتصادية واللوجستية، بل وأيضًا حدود نفوذها في مواجهة واشنطن.
فقد عارضت أنقرة التدخل العسكري في إيران، وحاولت تعزيز حل دبلوماسي لمنع التصعيد، والعمل لاحقًا على وقفه.
وكان الدافع التركي الرئيسي هو منع أي تصعيد يؤدي إلى انهيار النظام في إيران، فبالنسبة لأنقرة، رغمًا من أن إيران تُعد منافسًا تقليديًا وأيديولوجيًا، إلا أن انهيارها قد يخلق سلسلة من التهديدات المباشرة للأمن التركي: مثل تقوية الأقليات الكردية، وتدفق موجة هجرة جماعية للاجئين نحو حدودها الشرقية، واحتمالية أن تشكل الانتفاضة الشعبية في إيران مصدر إلهام للمعارضة الداخلية. بالإضافة إلى ذلك، تخوفت تركيا من أن تؤدي الحرب التي تنتهي بتغيير النظام في إيران إلى نظام موالٍ للغرب إلى تعزيز مكانة “إسرائيل” في المنطقة بشكل أكبر.
اعتبرت أنقرة القرار الأمريكي بشن عملية عسكرية مكثفة في إيران بمثابة إشارة مقلقة.
فبينما حاولت تركيا التأثير على مجرى الأحداث ودون أن يتم قبول موقفها، حظيت “إسرائيل” بتنسيق عملياتي وسياسي علني ووثيق مع واشنطن.
ومع ذلك، قد تسجل أنقرة لصالحها إنجازًا بارزًا واحدًا في مواجهة “إسرائيل” فيما يتعلق بالملف الإيراني، وهو منع تحويل القضية الكردية إلى أداة رئيسية في الجهود الرامية لإسقاط النظام الإيراني. ففي بداية الحرب، كانت هناك توقعات في واشنطن والقدس بأن تفتح القوى الكردية الإيرانية جبهة ضد طهران، ولكن تلت ذلك رسائل متباينة حول هذا الموضوع، وبدا واضحًا أن الرئيس ترامب تراجع في نهاية المطاف عن هذه الفكرة – بضغط تركي على ما يبدو.
على الرغم من هذا الإنجاز، ورغم حقيقة أن ترامب يكنّ الاحترام للرئيس التركي، وأن لكلا الزعيمين علاقات عمل إيجابية ومصالح مشتركة في قضايا إقليمية معينة، إلا أن هذه العلاقات لا ترقى إلى مستوى شراكة توازي في مستواها وجودتها تلك القائمة بين واشنطن والقدس.
ومن هنا أيضًا ينبع قلق تركيا من صعود مكانة “إسرائيل” بعد الحرب، ومن سيناريو ترسخ فيه “إسرائيل” موقعها كقوة إقليمية قوية ورادعة في الشرق الأوسط بعد انتهاء الصراع.
بناءً على ذلك، تسعى تركيا إلى إظهار قوتها ونفوذها مجددًا، وترسيخ مكانتها كقائدة للمحور السني وكلاعب لا يمكن تجاوزه في تشكيل البنية الإقليمية المستقبلية.
وفي مارس، أفادت التقارير أن تركيا تجري اتصالات مع السعودية وباكستان ومصر بهدف إنشاء منصة أمنية إقليمية تعزز التنسيق السياسي والأمني بين هذه الدول وتوفر حلولًا للمشكلات الإقليمية.
ورغم أن هذا لا يعد “ناتو إسلاميًا” أو حلف دفاع كلاسيكي، إلا أن المبادرة تعكس رغبة أنقرة في تأسيس منصة نفوذ سنية يمكن أن تعمل كقوة موازنة للتحولات الإقليمية التي تلت الحرب، مع التركيز على موازنة القوة الإسرائيلية التي تجلت بشكل بارز في عمليتي “الأسد الصاعد” و”زئير الأسد”.
تأتي هذه الخطوة في إطار جهود أخرى لتعزيز التعاون الأمني مع السعودية وباكستان، بما في ذلك إبداء تركيا اهتمامها باتفاقية الدفاع الموقعة بين الرياض وإسلام آباد في سبتمبر 2025، والتي لم تتلقَّ ردًا إيجابيًا حتى الآن. ومن وجهة نظر أنقرة، يهدف تعزيز المحور السني إلى ضمان بقاء تركيا لاعبًا محوريًا في المنطقة، وعدم تهميشها في ظل هيمنة “إسرائيل” والولايات المتحدة على مجريات الأحداث.
بين النقد والتبعية: تصاعد أهمية تركيا في أوروبا.
إلى جانب ترسيخ مكانة “إسرائيل” كحليف موثوق وقوي لواشنطن، كشفت الحرب على إيران عن ضعف الشراكة بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ولا سيما بريطانيا التي تجمعها بالولايات المتحدة علاقات خاصة. وقد بدأت التوترات في العلاقات مع أوروبا حتى قبل الحرب على خلفية تصريحات ترامب بشأن غرينلاند، وتفاقمت في ظل رفض دول مثل بريطانيا وإسبانيا السماح باستخدام قواعدها لتنفيذ ضربات، فضلًا عن رفضها إرسال قوات لتأمين مضيق هرمز بعد أن أغلقته إيران.
ونتيجة لذلك، أعرب الرئيس ترامب عن خيبة أمله العميقة من الدول التي رفضت مساعدة الولايات المتحدة خلال الحرب ضد إيران، ولم يعد خروج الولايات المتحدة من حلف الناتو، حتى لو لم يكن على المدى القريب، سيناريو مستبعدًا اليوم.
وفي هذه المرحلة، يُتوقع أن تخفض الولايات المتحدة دعمها للمنظمة بشكل كبير، تماشيًا مع التقارير حول نية ترامب اشتراط مشاركة الدول الأعضاء في عمليات صنع القرار بمطالبتها بزيادة الاستثمار في الدفاع – من 2% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وعلى خلفية تهديدات ترامب، وفتور العلاقات، واحتمالية إخلاء قواعد عسكرية من ألمانيا وإسبانيا، بدأ حلف الناتو في صياغة خطة طوارئ بهدف الحفاظ على الردع في مواجهة روسيا، فضلًا عن ضمان الموثوقية النووية.
وتتضمن خطة الدعم التي يقودها الأمين العام للمنظمة، الهولندي مارك روته، إصلاحات مخصصة للتطبيق على المدى الطويل، ومنها تخصيص قوات أكبر من جيوش الدول الأعضاء، وتعيين قادة من الدول الأوروبية في الهيكل القيادي للمنظمة، بل وفرض التجنيد الإلزامي كاستعداد لسيناريو غزو روسي واندلاع مواجهة شاملة معها.
بقدر ما تتزايد المخاوف في أوروبا من احتمال تقليص الالتزام الأمريكي بأمن القارة، بقدر ما تعزز مكانة تركيا كلاعب حيوي في الحلف. وقد أشار وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، بالفعل إلى الحاجة لتطوير بنية أمنية أوروبية أكثر استقلالية، إلى جانب الناتو، على خلفية التغير في الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة.
ومن وجهة نظر أنقرة، فإن خطوة كهذه من شأنها أن تعزز مكانة تركيا وتحولها إلى أحد مراكز القوة الرئيسية في المنظومة الأمنية الأوروبية.
علاوة على امتلاكها ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، تحولت أوروبا إلى وجهة تصدير رئيسية للصناعات الدفاعية التركية، ولا سيما الطائرات المسيرة والمركبات المدرعة، حيث لا تقتصر أنقرة على كونها مورّدًا فحسب، بل يتم دمجها تدريجيًا في القاعدة الصناعية الدفاعية للقارة، وتحديدًا من خلال أنشطتها في إيطاليا ودول أخرى.
ويمتلك الأتراك أوراق ضغط إضافية: السيطرة على طرق الوصول إلى البحر الأسود، وموقع أنقرة كوسيط بين روسيا وأوكرانيا، فضلًا عن كونها جسرًا يربط مصادر الطاقة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وروسيا بأوروبا.
ويضاف إلى ذلك قدرتها على ضبط تدفقات الهجرة إلى القارة –وهي ورقة استخدمتها أكثر من مرة لفرض تغييرات في السياسات.
إن الأهمية الاستراتيجية لتركيا في مختلف الجوانب لا تلغي القلق الأوروبي من سياسة أردوغان الخارجية العدوانية، لا سيما في حوض البحر الأبيض المتوسط، ومن التدخل التركي في الصراعات الإقليمية، واللعب على الحبلين بين روسيا والغرب، فضلًا عن انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد.
وفي واقع الأمر، فإن التآكل المستمر للديمقراطية في تركيا، والذي يتجلى في التركيز المتزايد للسلطات بيد الرئيس، وقمع المعارضة، والمساعي لإخضاع الأنظمة القضائية والعسكرية والإعلامية لسيطرته، كان من بين العوامل الرئيسية لتجميد عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، إلى جانب الانتقادات، وفي ظل التهديد الروسي وتراجع الدعم الأمريكي، فإن الأهمية الأمنية ومجالي الطاقة والاقتصاد لتركيا تجعل منها شريكًا حيويًا تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى توثيق العلاقات معها.
وحتى عام 2025، شكلت حصة الصادرات إلى دول الاتحاد ما يقرب من 43% من إجمالي الصادرات التركية. وفي بداية العام، سُجل تقدم في المحادثات بين أنقرة وبروكسل بشأن تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي. وهكذا، وعلى الرغم من التوترات السياسية والقيمية المستمرة، فإن المصالح الاستراتيجية المشتركة تدفع الأطراف إلى توسيع التعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة والأمن.
ملخص
خلقت الحرب على إيران وأزمة هرمز واقعًا معقدًا لتركيا يمزج بين المخاطر والفرص. فمن ناحية، أدت المواجهة إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية القائمة وزيادة تكلفة المعيشة؛ ومن ناحية أخرى، عجلت بعمليات قد تعزز مكانة أنقرة الإقليمية على المدى الطويل.
وتعمل تركيا بالتوازي على عدة مسارات لضمان بقائها لاعبًا رئيسيًا في تشكيل النظام الإقليمي الناشئ.
على الصعيد الاقتصادي، تسعى أنقرة إلى استغلال الاضطرابات في مسارات التجارة التقليدية للترويج لممرات نقل وطاقة جديدة تمر عبر أراضيها، تعزيزًا لمكانتها كجسر رئيسي بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.
وتهدف هذه الجهود أيضاً إلى مواجهة المبادرات الإقليمية المنافسة، بما في ذلك المشاريع التي يتم تطويرها بالتعاون مع “إسرائيل”، والتي تُعتبر في تركيا تهديدًا لأهميتها الجيواستراتيجية.
على الصعيدين السياسي والاستراتيجي، أظهرت الحرب حدود قدرة تركيا على التأثير في صنع القرار بواشنطن – ولا سيما من خلال التقارب الشخصي بين ترامب وأردوغان – في مقابل الشراكة الاستراتيجية والمؤسسية والأعمق بكثير التي تجمع واشنطن بالقدس.
وفي ظل صعود مكانة “إسرائيل” في سياق العملية التي بلغت ذروتها في “زئير الأسد”، تعمل أنقرة على توسيع نفوذها من خلال تعميق التعاون مع دول سنية رئيسية – بما في ذلك الترويج لمنصات أمنية إقليمية جديدة من شأنها تعزيز مكانتها كقوة رائدة في الشرق الأوسط.
على الساحة الأوروبية، تزيد حالة عدم اليقين المحيطة بمستقبل الالتزام الأمريكي تجاه حلف الناتو من أهمية تركيا بالنسبة لأوروبا.
إذ يمنح المزيج بين القوة العسكرية، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والتأثير على أمن الطاقة، والسيطرة على مسارات الهجرة، يمنح أنقرة أوراق ضغط ونفوذ هام، حتى في الوقت الذي تواصل فيه أوروبا تحفظها على سياسات أردوغان وحالة الديمقراطية في البلاد. ونتيجة لذلك، تبرز مشاريع وتوجهات واضحة لتوثيق العلاقات بين تركيا وأوروبا على أساس المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة.
التقدير السائد اليوم هو أن نحو 100 قنبلة أمريكية من طراز B61 منتشرة في 5 دول أوروبية في إطار ترتيبات التشارك النووي لحلف الناتو. وتظل هذه القنابل مملوكة وخاضعة للسيطرة الأمريكية في وقت السلم، كما أن استخدامها يتطلب موافقة أمريكية. وعلاوة على ذلك، فإنه باستثناء الولايات المتحدة، تمتلك فرنسا وبريطانيا فقط أسلحة نووية مستقلة من بين الدول الأعضاء في حلف الناتو.
بقلم : الباحثة نوا لازيمي
نُشر في معهد مسغاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية
بتاريخ: 23 حزيران/ يونيو 2026
ترجمة موقع وصل للأخبار
مصدر نمو الناتج المحلي وانخفاض الصادرات:





اترك تعليقاً