- ارتفاع حاد في الاعتداءات: شهدت ألمانيا وفرنسا، على وجه الخصوص، زيادة غير مسبوقة في حوادث الإسلاموفوبيا خلال عامي 2024 و2025، مع تسجيل آلاف الاعتداءات.
- تغلغل التمييز في السياسات: تحولت الإسلاموفوبيا من ظاهرة فردية إلى مكون يتغلغل في الخطاب السياسي والتشريعات في عدة دول أوروبية، مما يعكس تحولًا نحو التمييز المؤسسي.
- النساء المسلمات الأكثر استهدافًا: تشير التقارير إلى أن النساء المسلمات يمثلن النسبة الأكبر من ضحايا الإسلاموفوبيا.

تقرير حقوقي يرصد تصاعدًا مقلقًا للاعتداءات ضد المسلمين في ألمانيا خلال 2025
تاريخ الاعتداءات على المسلمين في أوروبا هو قصة طويلة ومعقدة تمتد عبر القرون، وتتراوح بين الصراعات التاريخية القديمة وموجات الكراهية والتمييز الحديثة. في العقود الأخيرة، وخاصة مع تزايد أعداد الجاليات المسلمة في القارة، شهدت ظاهرة الإسلاموفوبيا تصاعدًا ملحوظًا، لتصبح جزءًا لا يتجزأ من المشهد الاجتماعي والسياسي في العديد من الدول الأوروبية.
حتى عام 2026، تتواصل التقارير والإحصاءات التي توثق هذه الاعتداءات، مما يرسم صورة مقلقة لتفاقم التمييز والكراهية ضد المسلمين.
كشفت الشبكة المعنية بمناهضة العداء للإسلام والمسلمين في ألمانيا (CLAIM)، خلال الساعات الماضية، عن ارتفاع كبير في حوادث الكراهية والتمييز ضد المسلمين خلال عام 2025، محذرة من أن الأرقام الموثقة لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة، في ظل وجود عدد كبير من الوقائع التي لا يتم الإبلاغ عنها، فضلاً عن تنامي ما وصفته بـ”التطبيع التدريجي” مع مظاهر الإسلاموفوبيا داخل المجتمع الألماني.
جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقدته الشبكة في برلين بالتزامن مع إصدار تقريرها السنوي، الذي استند إلى بيانات جمعتها مراكز استشارية ومبادرات مدنية في 15 ولاية ألمانية، إضافة إلى إحصاءات الجرائم ذات الدوافع السياسية، وتقارير الشرطة، وما نشرته وسائل الإعلام المحلية.
أكثر من أربعة آلاف حادثة خلال عام واحد
ووفقًا للتقرير، بلغ عدد الوقائع الموثقة المرتبطة بالعداء للمسلمين خلال عام 2025 نحو 4096 حالة، شملت طيفًا واسعًا من الانتهاكات، من الإهانات اللفظية والتمييز في الحياة اليومية، وصولًا إلى الاعتداءات الجسدية والجرائم الخطيرة.
وأوضحت الشبكة أن من بين هذه الحوادث 224 اعتداءً جسديًا، مؤكدة أن هذه الإحصاءات تعكس فقط الحالات التي أمكن توثيقها، بينما تبقى أعداد أخرى خارج السجلات الرسمية بسبب إحجام كثير من الضحايا عن تقديم بلاغات.
حالات غير مُبلّغ عنها
وأكدت الشبكة أن ظاهرة عدم الإبلاغ تشكل أحد أبرز التحديات في رصد حجم الإسلاموفوبيا في ألمانيا، مشيرة إلى أن العديد من حالات التمييز تقع داخل المدارس أو أثناء التعامل مع المؤسسات الحكومية والشرطة، إلا أن الضحايا يمتنعون عن تقديم شكاوى لأسباب متعددة، من بينها ضعف الثقة في جدوى الإجراءات أو الخوف من التعقيدات القانونية والاجتماعية.
وحذرت المنظمة من أن تكرار هذه الحوادث أدى إلى نوع من “الاعتياد” لدى بعض المتضررين، بحيث أصبحت الإهانات والتمييز جزءًا من تجاربهم اليومية، وهو ما يقلل من معدلات الإبلاغ ويجعل المشكلة أكبر مما تظهره الأرقام الرسمية.
اهتمام إعلامي واسع داخل ألمانيا
حظي التقرير باهتمام ملحوظ من وسائل الإعلام الألمانية، ولا سيما الصحف والمجلات ذات التوجهات اليسارية والليبرالية، التي تناولت نتائجه بوصفها مؤشرًا على تصاعد ظاهرة العداء للمسلمين داخل المجتمع.
وأشارت مجلة دير شبيغل إلى أن التقرير رصد ما وصفه بـ”التطبيع التدريجي” مع الإهانات وخطابات الكراهية، موضحة أن كثيرًا من أشكال العنصرية اليومية لم تعد تُبلغ عنها نتيجة تكرارها، وهو ما يجعل الضحايا يتعاملون معها باعتبارها أمرًا اعتياديًا.

وقائع موثقة تكشف حجم المعاناة
واستعرض التقرير عددًا من الحالات التي وثقتها الشبكة خلال العام الماضي، من بينها حادثة تعرضت فيها فتاة في مدينة غرايفسفالد لإهانات عنصرية بعدما حاول أحد الشبان نزع حجابها بالقوة أمام مجموعة من الفتيان.
كما وثق التقرير حادثة أخرى في مدينة دوسلدورف تعرضت خلالها امرأة مسلمة تبلغ من العمر 52 عامًا لاعتداء عنيف بسبب ارتدائها الحجاب، ما أدى إلى إصابتها بجروح خطيرة استدعت العلاج.
وأكد التقرير أن الاعتداءات لا تقتصر على العنف الجسدي، وإنما تشمل أيضًا ضغوطًا نفسية وتمييزًا مستمرًا في الحياة اليومية.
ومن الأمثلة التي أوردها التقرير شهادة طالب مسلم في ولاية شليسفيغ هولشتاين، قال إنه يتعرض باستمرار داخل المدرسة لأسئلة من معلمته كلما طُرحت قضايا الإرهاب أو التطرف، حيث يُطلب منه التعليق على أفعال أشخاص ينتمون إلى دينه أو إعلان موقفه الشخصي من الإرهاب، وهو ما اعتبره شكلاً من أشكال الوصم والتمييز.
ثقة متراجعة في المؤسسات
من جهتها، قالت المديرة المشاركة للشبكة ريما حنانو، في تصريحات نقلتها صحيفة تاتس (taz)، إن العدد الحقيقي لحوادث العداء للمسلمين يفوق بكثير ما تم توثيقه، مضيفة أن كثيرًا من الضحايا فقدوا الثقة في السلطات والشرطة والحكومة، الأمر الذي يدفعهم إلى عدم الإبلاغ عن الانتهاكات التي يتعرضون لها.
واستشهدت حنانو بنتائج دراسة “أن تكون مسلمًا في الاتحاد الأوروبي” الصادرة عن وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية، والتي أظهرت أن 4% فقط من المسلمين الذين تعرضوا للتمييز خلال العام الماضي تقدموا ببلاغات رسمية بشأن ما تعرضوا له.
اعتداءات لفظية وجرائم خطيرة
وبحسب ما أوردته صحيفة تاتس، شكلت الاعتداءات اللفظية النسبة الأكبر من الحوادث الموثقة، إذ مثلت 61% من إجمالي الوقائع.
وفي المقابل، سجل التقرير ارتفاعًا في الجرائم الخطيرة، حيث وثق حالتي قتل، و214 اعتداءً جسديًا، بينها أربع محاولات قتل، كما رصد التقرير 320 حالة تخريب للممتلكات، إضافة إلى خمس عمليات إحراق متعمد استهدفت ممتلكات مرتبطة بمسلمين.
النساء الأكثر استهدافًا
وأظهرت البيانات أن النساء المسلمات كن الأكثر تعرضًا للاعتداءات، حيث استهدفت 64% من الحوادث نساءً، مقابل 34% استهدفت رجالًا، وهو ما أرجعه التقرير إلى الجمع بين التمييز الديني والتمييز المرتبط بالنوع الاجتماعي، خاصة بالنسبة للنساء اللاتي يرتدين الحجاب ويصبحن أكثر عرضة للاستهداف في الأماكن العامة.

جريمة أثارت الجدل
ومن أبرز الوقائع التي أوردها التقرير حادثة مقتل الشابة رحمة (أ)، البالغة من العمر 26 عامًا، في ولاية سكسونيا السفلى خلال يونيو 2025.
ووفقًا للتقرير، تعرضت الشابة لهجوم من جارها البالغ من العمر 31 عامًا أمام منزلها، حيث وجه إليها عدة طعنات في الصدر والبطن، ما أدى إلى وفاتها.ومن أبرز الوقائع التي أوردها التقرير حادثة مقتل الشابة رحمة (أ)، البالغة من العمر 26 عامًا، في ولاية سكسونيا السفلى خلال يونيو 2025.
وأشار التقرير إلى أن القضاء الألماني حكم على المتهم بالسجن المؤبد، إلا أنه لم يعترف بالدافع العنصري للجريمة، وهو ما أثار انتقادات من جانب الشبكة.
التمييز يمتد إلى المؤسسات الرسمية
ولم يقتصر التقرير على رصد الاعتداءات الفردية، بل تناول أيضًا مظاهر التمييز داخل بعض المؤسسات الرسمية.
ونقلت صحيفة تاتس نتائج استطلاع شمل 468 مسلمًا، أظهرت أن 44% منهم تعرضوا لتجارب تمييز داخل مكاتب العمل، بينما أفاد 55% بتعرضهم لمعاملة تمييزية أثناء مراجعة دوائر شؤون الأجانب.
ورأى التقرير أن هذه الممارسات تسهم في ترسيخ شعور بعدم المساواة لدى المسلمين، وتؤثر في ثقتهم بالمؤسسات العامة.
الإعلام والهجرة في دائرة النقاش
وأشار التقرير إلى أن الصورة النمطية التي تربط المسلمين بقضايا الإرهاب أو الجريمة أو مشكلات الهجرة واللجوء تسهم في تغذية المناخ المعادي للمسلمين، معتبرًا أن بعض الخطابات السياسية والإعلامية تؤدي إلى تصاعد التوترات الاجتماعية والعنصرية.
ونقلت صحيفة تاتس عن ريما حنانو قولها إن الهجمات ذات الدوافع المعادية للمسلمين تصدر بصورة متزايدة عن اليمين المتطرف، لكنها بدأت تظهر أيضًا داخل أوساط تنتمي إلى التيار السياسي الوسطي.
شعور متزايد بعدم الانتماء
من جانبها، أشارت صحيفة فرانكفورتر روندشاو إلى أن نتائج التقرير تعكس تنامي شعور المسلمين بأنهم لا يُنظر إليهم باعتبارهم جزءًا من المجتمع الألماني.
وأضافت الصحيفة أن النقاش العام غالبًا ما يقدم المسلمين بوصفهم مصدرًا محتملاً للخطر أو الجريمة، بينما يتم تجاهل كونهم ضحايا لاعتداءات متكررة، وهو ما يعزز إنكار وجود العنصرية المعادية للمسلمين.
تحذير من تحول الخطاب إلى عنف
بدوره، نقل موقع إن دي (nd) عن الباحث سعيد إدريس هاشمي، أحد المشاركين في إعداد التقرير، تحذيره من أن انتشار الخطابات المعادية للمسلمين في المجالين السياسي والإعلامي قد يتحول إلى أعمال عنف على أرض الواقع.
وأكد هاشمي أن الإسلاموفوبيا لم تعد ظاهرة هامشية، بل أصبحت واقعًا يعيشه كثير من المسلمين في ألمانيا، معربًا في الوقت نفسه عن قلقه من أن الحكومة الألمانية لا تولي هذه الظاهرة الاهتمام الكافي.
وأشار كذلك إلى أن استمرار عمل الشبكة نفسها قد يواجه تحديات مستقبلية في ظل إعادة هيكلة برامج التمويل الحكومية التي تعتمد عليها المنظمة في تنفيذ أنشطتها ورصدها لحوادث العداء للمسلمين.

جذور تاريخية للإعتداءات على المسلمين في أوروبا
لم يخلُ تاريخ أوروبا من فترات التوتر والصراع المرتبطة بوجود المسلمين، منذ الفتوحات الإسلامية الأولى والمعارك التاريخية ، وصولاً إلى التواجد العثماني في البلقان وأوروبا الشرقية.
بدأ مصطلح “الإسلاموفوبيا” في الانتشار على نطاق واسع منذ عام 1997، ليصف العداء المتزايد والتحيز ضد الإسلام والمسلمين، ومع مرور الوقت، تحول هذا المفهوم من مجرد وصف لمشاعر العداء الفردية إلى إطار يضم مجموعة واسعة من الممارسات التمييزية، بدءًا من الإساءات اللفظية والجسدية وصولًا إلى الهجمات على المساجد والمؤسسات الإسلامية، والتمييز المؤسسي في مجالات العمل والتعليم والخدمات.
وشهدت السنوات الأخيرة، وخاصة منذ بداية العقد الثالث من الألفية، تصاعدًا غير مسبوق في وتيرة حوادث الإسلاموفوبيا في أوروبا، وكشفت التقارير الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان ومراكز الأبحاث عن زيادة مطردة في عدد الاعتداءات، مما يشير إلى أن هذه الظاهرة لم تعد حوادث معزولة بل أصبحت نمطًا متزايدًا.
فرنسا: تزايد الأعمال المعادية
من أكثر الدول التي تشهد اعتداءات على المسلمين هي فرنسا ، حيث تظهر الإحصائيات اتجاهًا مقلقًا، ففي الأشهر الأولى من عام 2025، سجلت السلطات الفرنسية زيادة بنسبة 75% في الأعمال المعادية للمسلمين، مع ارتفاع حاد في عدد الاعتداءات على الأفراد بنسبة 209%، لتصل إلى 99 حالة، وتؤكد هذه الأرقام تصاعد العداء الموجه ضد المسلمين في المجتمع الفرنسي، والذي يتجلى في التحرشات والإساءات اللفظية والجسدية.

مخاطر في أوروبا بشكل عام
لا تقتصر هذه الظاهرة على ألمانيا وفرنسا فقط، بل تشير تقارير إلى تصاعد الاعتداءات في دول أوروبية أخرى مثل النمسا وبلجيكا وبلغاريا منذ أكتوبر 2023.
وتُظهر العديد من التقارير أن النساء المسلمات هن الأكثر عرضة للإسلاموفوبيا والتمييز، ففي عام 2022، شكلت النساء المسلمات 81% من ضحايا الإسلاموفوبيا في بعض الدراسات.
ويلعب خطاب اليمين المتطرف وبعض وسائل الإعلام دورًا محوريًا في انتشار الإسلاموفوبيا، فالتصريحات العنصرية والمتحيزة، وربط الإسلام بالتطرف أو الإرهاب، تساهم في تغذية الصور النمطية السلبية وتبرير التمييز.
وقد أظهرت الدراسات أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مصدرًا رئيسيًا للصور السلبية والتحيز ضد المسلمين في المملكة المتحدة وغيرها، مما يعزز من تأثير خطاب الكراهية ويوسع نطاقه.
تغلغل التمييز في السياسات الرسمية
المثير للقلق هو أن العداء للمسلمين بدأ يتحول إلى “ظاهرة مألوفة” ويتغلغل في السياسات الرسمية في عدة دول، يشمل ذلك سن قوانين أو اتخاذ إجراءات تمييزية تستهدف المسلمين بشكل مباشر أو غير مباشر، مما يجعل التمييز جزءًا من البنية المؤسسية للدولة.





اترك تعليقاً