العملاء في غزة… عندما تصبح الخيانة “واجب وطني”

مقال رأي | العملاء في غزة... عندما تصبح الخيانة "واجب وطني"

وصل للأخبار |مقال رأي بعنوان: العملاء في غزة… عندما تصبح الخيانة “واجب وطني”

مقدمة

شهدت الأيام القليلة الماضية تصاعدًا في الدعوات الموجهة من وكلاء الاحتلال الإسرائيلي في الخارج إلى الداخل في قطاع غزة، والتي تطالب السكان بالانتفاض ضد إدارة حركة حماس لما تبقى من القطاع.

إن المعركة الحقيقية في غزة اليوم ليست مجرد حصار، بل هي حرب ضد الخونة الجدد وقطاع الطرق.

على مدار التاريخ الإسلامي، كانت القضايا المصيرية تتمايز فيها الصفوف بوضوح لا لبس فيه، فإما فسطاط إيمان وانتماء للأمة، وإما فسطاط نفاق وعمالة للعدو.

ومع ذلك، لم تخلُ حقبة من ظاهرة “المنافقين” الذين يبطنون الكفر والعمالة ويظهرون الحرص والمصلحة العامة، مبررين طعناتهم في ظهر الأمة بـأعذار واهية، زاعمين أن ارتماءهم في أحضان الأعداء هو “واجب وطني” أو “حقن للدماء”.

وفي ظلال الأوضاع الراهنة التي تعيشها الأمة، وتحديدًا في قطاع غزة، يتجلى هذا الفقه الانتكاسي الصهيوعربي في أبهى وأقبح صوره.

حيث تحولت الخيانة من مجرد عمالة سرية إلى أيديولوجيا “مشرعنة” يروج لها أصحاب الثقافة الانهزامية تحت لافتات الحرص على وقف دمار غزة أو إنقاذ أهلها من آلة الحرب.

ظاهرة “التبرير الخياني”

إن القرآن الكريم قد فكك تبرير الخائن والمنافق للخيانة قبل أربعة عشر قرنًا، وكشف أن المبرر الأول للعمالة والاستقواء بالعدو هو دائمًا “الخوف” و”البحث عن المصلحة الموهومة”، مع صبغ ذلك بصبغة الإصلاح والواجب.

يقول الله تبارك وتعالى في سورة المائدة كاشفًا هذه العينة:

{فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [المائدة: 52].

هذه المسارعة في الارتماء بأحضان اليهود والنصارى اليوم، وتمرير مخططاتهم، تبررها الألسنة المرجفة بعبارات مثل “نحن واقعيون”، “نريد حقن دماء أهل غزة”، أو “المقاومة انتحار والتعاون مع المنظومة الدولية هو الحل”.

إنها ذاتها مقولة {نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ}، لكن بصياغات حداثية مشبوهة.

وفي موضع آخر، يفضح القرآن ادعاءهم الإصلاح:

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11-12].

فالخائن يرى في تفكيك جبهة بلاده الداخلية “إصلاحًا”، وفي الاستسلام للعدو “حكمة وواجبًا”.

إسقاطات الواقع: كيف تُشرعن الخيانة في غزة؟

لقد شكل قطاع غزة، بتضحياته وثباته الأسطوري، الغربال الذي ما فتئ يميز الخبيث من الطيب.

وفي المقابل، ظهرت نماذج لـ “طابور خامس” حاول ويحاول طعن غزة من الخلف، مسوقًا عمالته كـ “إنقاذ وطني”:

ظاهرة “روابط القرى” المتجددة والعشائر المشبوهة

حين عجز الاحتلال الصهيوني عن كسر الحاضنة الشعبية للمقاومة في غزة، لجأ إلى محاولة إحياء مشاريع قديمة عبر استقطاب بعض النفوس الضعيفة تحت مسمى “إدارة مدنية” أو “تنسيق لتوزيع المساعدات”.

اقرأ أيضًا: العراق الجرح المنسي.. وعقيدة الدولة الانتقامية

التبرير الزائف للعميل: يخرج من يبرر هذا التنسيق المباشر مع الشاباك وجيش الاحتلال بأنه “واجب وطني لإطعام الجوعى وسد الفراغ الإداري وإنقاذ غزة من الفوضى”.

الحقيقة الواقعية: هذا الفعل هو عين “التولّي يوم الزحف” ومظاهرة المشركين على المسلمين، وهي ناقض من نواقض الإسلام.

إن وضع اليد في يد المحتل الذي يبيد الأطفال والنساء لتشكيل سلطة عميلة جديدة في غزة ليس إنقاذًا، بل هو طعنة مسمومة في كبد القضية لطمس التضحيات.

التجسس والتقارير الأمنية بغطاء “إنساني وإعلامي”

شهدت أحداث غزة سقوط بعض الأقنعة لجهات وأفراد يعملون تحت لافتات مؤسسات إغاثية، أو شركات أمنية، أو حتى تغطيات إعلامية مشبوهة، حيث يقومون بجمع معلومات وإحداثيات عن قادة كتائب القسام وأماكن تواجدهم وأنفاقهم وتمريرها لأجهزة مخابرات دولية وعربية تصب في النهاية في بنك أهداف الاحتلال.

يبرر هؤلاء فعلهم بأنهم “يريدون إنهاء الحرب” والتخلص من أسباب الدمار، متناسين أن الخيانة الشنيعة للاستخبارات هي التي تمكن الطائرات الصهيونية من اغتيال المجاهدين وقصف البيوت على رؤوس ساكنيها.

الفرق بين “فقه الاستضعاف الأخلاقي” و “الاستسلام”

يحاول دعاة التطبيع والعمالة التمترس خلف فقه “المصالح والمفاسد” في الشريعة الإسلامية، فيقولون: “إن غزة تُباد، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، والتعاون مع العدو مرحليًا لترتيب البيت الداخلي جائز”.

وهذا قياس باطل وفاسد من عدة وجوه شرعية:

فقه الاستضعاف الشرعي

  • الانحياز للأمة، والصبر، وإعداد القوة قدر المستطاع مع بغض العدو والبراءة منه.
  • الهدف: الحفاظ على بيضة الإسلام وهيبة الأمة بكرامة.
  • القدوة: النبي ﷺ في شعب أبي طالب؛ حيث عانوا من الحصار والصبر والثبات، دون أي تنازل عن الدين، أو تحالف مع قريش ضد المسلمين.

الاستسلام والعمالة (منهج العملاء)

  • الارتماء في حضن العدو، وتقديم التنازلات العقائدية والسياسية، والتآمر على المقاومين.
  • الهدف: تمكين العدو من رقاب المسلمين مقابل فتات من السلطة أو المال.
  • القدوة: عبد الله بن أبي بن سلول، الذي أراد التنسيق مع يهود بني قينقاع وبني النضير بحجة “نخشى أن تصيبنا دائرة”.

إن غزة اليوم لا تحتاج إلى “فقه استسلامي” يبرر الدياثة السياسية، بل تحتاج إلى وعي يدرك أن العدو الصهيوني لا يريد خيرًا بـ “خائن” ولا بـ “مقاوم”، ولكنه يستعمل الأول كحذاء لدهس الثاني، ثم يلقي بالاثنين في المزبلة.

المآل الأخلاقي والوعيد الإلهي لشرعنة الخيانة

إن الأمة الإسلامية، على الرغم من فترات ضعفها، تمتلك وعيًا فطريًا مستمدًا من الكتاب والسنة يلفظ الخونة ولا يقبلهم. فالخائن الذي يظن أنه بذكائه الدبلوماسي أو ارتباطاته الاستخباراتية يحمي نفسه، إنما يسير إلى حتفه الدنيوي والأخروي.

في الدنيا: الذل والهوان والشطب من ذاكرة الشرف.
لم يحترم اليهود يومًا عميلًا، بل كانوا يستعملونهم كمناديل ورقية تتسخ ثم تُرمى.

والتاريخ الحديث لعملاء غزة وفلسطين مليء بالقصص المخزية لعملاء انتهى بهم المطاف منبوذين على أرصفة تل أبيب، بلا كرامة ولا هوية.

في الآخرة: الوعيد الشديد الذي نزل في حقهم: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 138-139].

خاتمة: غزة تُسقط الأقنعة وستبقى طاهرة

في الختام، إن المحاولات البائسة لتسويق الخيانة وتمرير مشاريع التصفية والتعاون الأمني والسياسي مع العدو الصهيوني تحت مسمى “الواجب الوطني” أو “المسؤولية الأخلاقية تجاه شعب غزة” هي محاولات ولدت ميتة.

إن دماء آلاف الأطفال، وأشلاء القتلى، وأنين الثكالى، وهدم المساجد والبيوت في قطاع غزة، قد حفرت خندقًا عميقًا لا يمكن الجسر عليه.

خندق يفصل بين خطين لا يلتقيان: خط الأنبياء والمجاهدين والصابرين الذين يرون في الصمود واجبًا شرعيًا، وخط المنافقين والمرجفين المرتدين الذين يرون في التعاون مع القتلة “وجهة نظر سياسية”.

ستبقى غزة بآلامها وجراحها كاشفة للعورات، فاضحة للولاءات الزائفة، وسيعلم الذين خانوا وباعوا وظنوا أن الخيانة “واجب” أي منقلب ينقلبون.

العملاء في غزة
صورة سابقة لإعدام عملاء الاحتلال في قطاع غزة

9 محرم 1448هـ

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *