العراق الجرح المنسي.. وعقيدة الدولة الانتقامية

العراق الجرح المنسي.. وعقيدة الدولة الانتقامية غلاف تقرير إخباري

وصل للأخبار | العراق الجرح المنسي.. وعقيدة الدولة الانتقامية

عقيدة الدولة الانتقامية: الحكومة كشريك ومنفذ للانتهاكات

الانتهاكات الهيكلية ضد المسلمين السنة في العراق

​إذا كان التاريخ الحديث للعراق قد كُتب بدماء أبنائه، فإن تفاصيل المأساة التي عاشها ويرزح تحتها المسلمون السنة تشكل فصلًا قاتمًا من فصول التغيير الديموغرافي القسري وغياب العدالة.

تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”، تعرضت المحافظات السنية والنازحين لانتهاكات ممنهجة شاركت فيها أجهزة حكومية وميليشيات “الحشد الشعبي” الشيعية، وهي الجرائم التي وثقتها التقارير الدولية عبر سنوات طويلة وامتدت آثارها الكارثية حتى يومنا هذا في عام 2026.

​إن تشخيص طبيعة النظام السياسي في العراق بعد عام 2003 يفرض تجاوز فرضية “الدولة العاجزة” أو “الضعيفة” أمام نفوذ الميليشيات الشيعية.

فالمعطيات والتقارير الدولية الموثقة تكشف عن نمط بنيوي مغاير تمامًا: الحكومة بأجهزتها الرسمية ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية تصادق، تحمي، وتنفذ بشكل مباشر السياسات التمييزية والانتهاكات ضد المسلمين (السنة)، مما يجعلها شريكًا أصيلًا ومحركًا أساسًيا، لا مجرد متفرج عاجز.

المأسسة والغطاء القانوني للميليشيات

​لم تعد الميليشيات الشيعية الطائفية وفي مقدمتها الميليشيات المنضوية تحت ما يسمى (الحشد الشعبي) كيانات متمردة خارجة عن القانون، بل جرى دمجها بقرارات حكومية رسمية لتصبح جزءًا لا يتجزأ من القوات المسلحة العراقية.

​التمويل والشرعية

بموجب التشريعات الحكومية، تخصص الدولة 3 مليارات دولار سنويًا من الموازنة العامة الاتحادية لتمويل هذه الميليشيات وتجهيزها العسكري. هذا يعني أن أموال النفط العراقي تُستخدم بقرار حكومي لإدارة وتشغيل جهاز أمني مسؤول عن التغيير الديموغرافي وعمليات الإخفاء القسري.

الحصانة للميليشيات

توفر الحكومة غطاءً قانونيًا وسياسيًا يمنع أي ملاحقة قضائية لعناصر هذه الميليشيات.

عندما تسيطر لميليشيات طائفية مسلحة على مدن كاملة مثل “جرف الصخر” وتمنع مئات الآلاف من أصحابها السنة من العودة، فإنها تفعل ذلك بدعم وحماية من قيادة العمليات المشتركة وبأوامر تصدر من أعلى الهرم التنفيذي.

القضاء كأداة للتنكيل السياسي والطائفي

​تخلت المؤسسة القضائية عن دورها كحكم مستقل، وتحولت إلى أداة تنفيذية تضفي الشرعية على الانتهاكات الحكومية والميليشياوية:

​منظومة “المخبر السري”

اعتمدت الأجهزة الأمنية والقضائية الحكومية على آلية “المخبر السري”، والتي استُخدمت بشكل كاسح كأداة كيد وتصفية طائفية ضد المواطنين السنة، حيث يُعتقل الآلاف بناءً على تقارير مجهولة ودون أدلة.

المادة 4 “إرهاب” كأداة استئصال

تُستخدم هذه المادة الفضفاضة كغطاء قانوني لاعتقال السُنة تعسفيًا بناءً على تقارير “المخبر السري”، والتي غالبًا ما تكون مدفوعة بدوافع طائفية أو ابتزاز مالي.

​الإخفاء القسري والتعذيب حتى الموت

تقبل المحاكم الحكومية بشكل روتيني وتعتمد اعترافات مأخوذة تحت التعذيب السادي والممنهج والذي يشمل الصعق بالكهرباء، والتعليق من الأطراف، والاغتصاب داخل سجون وزارة الداخلية والدفاع والاستخبارات. وبناءً على هذه “الاعترافات الباطلة”، يُساق الآلاف من الشباب السني إلى حبال المشانق في إعدامات جماعية تُوقع وتُنفذ بقرارات رئاسية وحكومية رسمية.

اقرأ أيضًا: إعدام الأسرى في العراق يتصعد

تشير تقديرات الصليب الأحمر والمنظمات الأممية إلى أن مئات آلاف الأشخاص تعرضوا للإخفاء القسري (غالبيتهم الساحقة من السنة) بين 2014 و2020.

في مناطق مثل “جرف الصخر” (شمال بابل) و”العوجة” ومحيط صلاح الدين ونينوى، تحولت هذه المدن إلى ثكنات مغلقة للميليشيات، حيث يُمنع سكانها الأصليون من العودة بتواطؤ حكومي واضح.

مخيمات النزوح: معتقلات حكومية مفتوحة وعقاب جماعي

تتحكم الحكومة بشكل كامل في ملف النازحين وتستخدمه كأداة عقاب جماعي وتطهير صامت ضد عائلات بأكملها.

التنفيذ المباشر لسياسات الإقصاء والتغيير الديموغرافي

​تتولى الوزارات والمؤسسات الخدمية والأمنية الحكومية تنفيذ سياسات العقاب الجماعي بشكل مباشر:

​التدقيق الأمني والمنع من الهوية

تفرض وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية العراقية إجراءات “التدقيق الأمني” التعسفية على سكان المناطق المدمرة والنازحين. هذا الإجراء الحكومي يُستخدم لحرمان عائلات بأكملها من استصدار بطاقات الهوية الوطنية، وجوازات السفر، وشهادات الولادة، مما يحول مئات الآلاف من السنة إلى “عديمي مواطنة” داخل بلدهم، ويحرمهم من التعليم والرعاية الصحية والتوظيف.

اقرأ أيضًا مقال رأي: اعرف عدوك: المقاومة الإسلامية في العراق..

​استملاك الأراضي والمصادرة الرسمية

تستخدم دائرة “الأمن الوطني” ومؤسسات حكومية أخرى بالتواطؤ مع هيئات دينية طائفية لتمرير قرارات مصادرة للأراضي والمقابر والأوقاف السنية التاريخية في مناطق حيوية (مثل بغداد وديالى ومحيط سامراء)، وتحويل ملكيتها لإحداث تغيير سكاني دائم تحت غطاء التطوير أو الدواعي الأمنية.

​إن الانتهاكات في العراق ليست نتاج “انفلات أمني” أو فوضى تسببت بها ميليشيات طائفية، بل هي نتاج هندسة سياسية واعية تشترك فيها مؤسسات الدولة الرسمية لتكريس سلطة أحادية وإخضاع المكونات الأخرى عبر تفعيل أدوات الترهيب القانوني والعسكري.

​إن توصيف الحكومة بالحامي والمنفذ يعيد صياغة المشهد العراقي بدقة؛ فالأزمة ليست في غياب الدولة، بل في “عقيدة الدولة” نفسها التي تبنت الانتقام والتمييز الهيكلي كآلية لإدارة الحكم والحفاظ على مكتسبات النخبة الحاكمة.

مصدر المنع من الهوية:

هيومن رايتس ووتش

https://www.hrw.org/ar/news/2018/02/25/315249

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *