في مشهد يلخص حجم الأزمة الإنسانية والتعليمية التي تعصف بقطاع غزة، لجأ آلاف الطلاب إلى استخدام صناديق المساعدات الغذائية كدفاتر بديلة في ظل النقص الحاد في الورق والقرطاسية وارتفاع أسعارها إلى مستويات تفوق قدرة معظم العائلات التي أنهكتها الحرب.
ومع اقتراب امتحانات الثانوية العامة التي انطلقت في 5 ذو الحجة (20 يونيو)، بات الحصول على دفتر أو أوراق للكتابة تحديًا يوميًا للطلاب الذين يواصلون دراستهم وسط النزوح والدمار ونقص الاحتياجات الأساسية.
ويقول محمد سالم، وهو طالب يبلغ من العمر 18 عامًا ويعيش نازحًا غرب مدينة غزة، إنه يقضي جزءًا من يومه في البحث عن صناديق المساعدات الفارغة بعد تفريغ محتوياتها من المواد الغذائية. ويقوم بقص الكرتون إلى أحجام مختلفة واستخدامه كأوراق لتدوين الدروس والملخصات وحل الأسئلة التدريبية استعدادًا للامتحانات.
وأضاف أن كثيرًا من الطلاب حوله يفعلون الشيء نفسه، إذ أصبحت الدفاتر من السلع النادرة، بينما يصر الطلبة على مواصلة تعليمهم رغم الظروف القاسية التي تحيط بهم.
ورغم اعتماد وزارة التربية والتعليم الفلسطينية إجراء امتحانات الثانوية العامة في غزة عبر منصة إلكترونية للحفاظ على العام الدراسي، يؤكد الطلاب أن الدراسة لا تزال تتطلب وسائل تقليدية مثل تدوين الملاحظات وحل التمارين وكتابة الملخصات، وهو ما يجعل الورق ضرورة لا غنى عنها.
ولا تقتصر الأزمة على طلاب المدارس، بل تمتد إلى طلبة الجامعات، خاصة في التخصصات العلمية والطبية التي تعتمد بشكل كبير على تدوين الملاحظات والمراجعة المستمرة. وتقول ضحى الشواف، وهي طالبة طب نازحة غرب مدينة غزة، إنها اضطرت إلى تحويل صناديق المساعدات إلى دفاتر بديلة لمتابعة محاضراتها وكتابة ملاحظاتها الدراسية.
وأوضحت أن الدراسة عن بُعد تتطلب تدوينًا مستمرًا للمعلومات، إلا أن الورق أصبح نادرًا وباهظ الثمن، ما دفعها إلى استخدام الكرتون المتوافر لديها. وأضافت أن ظروف النزوح وانقطاع الكهرباء المتكرر وضعف الإنترنت تجعل العملية التعليمية أكثر صعوبة وتعقيدًا.
ويواجه الطلاب في مختلف أنحاء القطاع تحديات إضافية تتمثل في الاكتظاظ داخل مخيمات النزوح وغياب الأماكن الهادئة للدراسة، فضلًا عن الانقطاعات المتكررة للكهرباء وصعوبة الوصول إلى شبكة الإنترنت، ما يزيد من الضغوط على الطلبة الساعين للحفاظ على مسيرتهم التعليمية.
وتأتي هذه المعاناة في ظل استمرار القيود المفروضة على دخول البضائع والمواد الأساسية إلى القطاع، الأمر الذي أدى إلى نقص كبير في المستلزمات التعليمية وارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق، بينما باتت الأولوية لدى معظم الأسر لتأمين الغذاء والمياه والمأوى بدلاً من شراء الدفاتر والقرطاسية.
وتعكس أزمة الورق جانبًا من الانهيار الواسع الذي أصاب قطاع التعليم في غزة خلال السنوات الأخيرة. فبحسب وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، قُتل أو أُصيب أكثر من 21 ألفًا و700 من العاملين في قطاع التعليم منذ اندلاع الحرب عام 2023، كما دُمّر أكثر من 284 مدرسة و63 مبنى جامعيًا في مختلف أنحاء القطاع.
وفي ظل هذا الواقع، يواصل آلاف الطلبة محاولاتهم للحفاظ على حقهم في التعليم بأدوات بدائية وإمكانات محدودة، محولين صناديق المساعدات الإنسانية إلى صفحات يكتبون عليها أحلامهم ومستقبلهم في مواجهة الحرب والدمار.






اترك تعليقاً