القنيطرة: آهات ذوي المعتقلين السوريين لدى “إسرائيل”

HLV66QVb0AAAQXh

في جغرافيا القهر السوري، يبدو أن المأساة ترفض أن تغلق فصولها، بل تعيد إنتاج نفسها بأسماء سجانين مختلفين وزنازين شتى. لقد تنقل المواطن السوري في مسيرته الدامية من معتقل إلى معتقل؛ ذاق مرارة زنازين نظام الأسد، وعانى في معتقلات حزب الله، واكتوى بنيران السجون في العراق، ليجد نفسه اليوم، وفي فصل جديد من فصول التغييب، وراء القضبان الإسرائيلية. مفارقة مريرة تصنعها الجغرافيا ويصيغها الصمت الدولي: السوري يحرر أرضه ونفسه، ليختطف الاحتلال حريته مجدداً.

منذ أن تنفست سوريا الصعداء ودخلت مرحلة التحرير، لم تتوقف الآلة العسكرية الإسرائيلية عن ممارسة سياسة القضم البشري على طول الشريط الحدودي في القنيطرة. مرة تلو الأخرى، تتسلل القوات الإسرائيلية لتختطف مواطناً سورياً أو يزيد، في خرق صارخ لكل المواثيق الدولية واتفاقيات فض الاشتباك.

هذه العمليات ليست مجرد حوادث عابرة، بل هي سلوك ممنهج ومستمر. ووفقاً لآخر البيانات الصادرة عن “مركز سجل” لتوثيق الانتهاكات، لا يزال هناك حتى اليوم 46 معتقلاً سوريّاً مجهولي المصير داخل سجون الاحتلال، انقطعت أخبارهم وطُمست آثارهم خلف جدار العزل الأمني، دون أن تحرك المنظمات الدولية ساكناً للكشف عن وضعهم الصحي أو القانوني.

في 3 مُحرّم (19 يونيو) تُرجمت هذه الغصة الشعبية إلى فعل ميداني؛ حيث احتشد العشرات من أهالي المعتقلين والمفقودين في وقفة احتجاجية غاضبة أمام مقر قوات مراقبة وفض الاشتباك التابعة للأمم المتحدة (أندوف – UNDOF) في “معسكر نبع الفوار” بريف القنيطرة.

رفع الأهالي صور أبنائهم المزارعين والرعاة الذين اختطفوا من حقولهم، وهتفوا مطالبين بالتدخل الفوري لمعرفة مصائر ذويهم والإفراج غير المشروط عنهم. هذا المشهد المهيب، بدموع الأمهات الحارقة وصور المفقودين المعلقة على الصدور، يعيد للذاكرة الحزينة معاناة أهالي المعتقلين السوريين في كل مكان وزمان؛ المشهد نفسه، والانتظار القاتل ذاته، لكن السجان هذه المرة يرتدي بزة جيش الاحتلال الإسرائيلي.

إن وقفة أهالي القنيطرة اليوم ليست مجرد احتجاج محلي، بل هي صرخة بوجه المجتمع الدولي الذي يغض الطرف عن تحويل ريف القنيطرة إلى مصيدة للمدنيين البساط. وتضع هذه التطورات الميدانية الهيئات الأممية، وفي مقدمتها قوات “الأندوف”، أمام مسؤولياتها القانونية والأخلاقية لوضع حد لسياسة الاختطاف الممنهج، والكشف عن مصير المغيبين خلف الجدار الأمنّي، لإعادة الاستقرار للأهالي الذين باتت لقمة عيشهم وأمنهم اليومي مهددين في أراضيهم.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *