أربعة أشهر مرت على وفاة عمر حلفي، طالب مغربي في سلك الماستر في القانون الفرنسي، أثناء احتجازه لدى السلطات الأمنية التي روت أن الوفاة ناتجة عن الانتحار.
قبل اعتقاله، كان عمر قد تقدم بشكاية رسمية ضد ضابطة تدعى “لالة سهام”، متهماً إياها بالفبركة والتزوير في محاضر سابقة، وهي الدعوى التي أكدت المصادر أنه كان على وشك كسبها قانونياً.
وبعد ذلك، تعرض عمر لتوقيف وُصف بـ “غير القانوني”، بعد خضوعه لمراقبة وتتبع دقيق في حيه السكني دامت ثلاثة أيام كاملة من طرف 8 عناصر ينتمون إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية. المفاجأة الصادمة تجلت في أنه بعد ساعتين فقط من هذا التوقيف، تم إعلان وفاته؛ إذ عزت الرواية الرسمية الحادث إلى إقدامه على “الانتحار رمياً من الطابق الرابع” لمقر الاحتجاز.
وفي هذا السياق، كان الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء قد أصدر بلاغاً رسمياً يوم الثلاثاء 5 شوال 1447هـ (الموافق لـ 24 مارس 2026م)، بناءً على بلاغ أولي سابق بتاريخ 2 رمضان 1447هـ (الموافق لـ 19 فبراير 2026م)، أعلن فيه قراره بحفظ المسطرة نهائياً لـ “انتفاء العنصر الجرمي”.
وأفاد البلاغ بأن الأبحاث التي عُهد بها للمصلحة الولائية للشرطة القضائية لضمان الحياد، شملت الاستماع لعناصر الأمن، ومعاينات مسرح الجريمة، وتفريغ كاميرات المراقبة، وخلصت إلى أن “الهالك ألقى بنفسه طواعية من نافذة المكتب بالطابق الرابع”. كما استندت النيابة العامة إلى تقرير لجنة طبية ثلاثية للتشريح، أكد أن الوفاة نتجت عن مضاعفات كسور متعددة في الجمجمة والوجه والأضلاع تتوافق مع السقوط، مشيرة إلى أن الخبرة العلمية على دم عمر وأغراضه لم تظهر وجود أي مواد غريبة أو نمط وراثي لغيره.
في المقابل, وحسب تصريحات والدي الضحية، فقد منعتهم السلطات من رؤية الجثة لمدة يومين كاملين، كما حُرموا من حقهم في تغسيله وتوديعه؛ ولم يتمكنوا من معاينته في مستودع الأموات إلا بعد أن قامت شقيقته بتمزيق الغطاء البلاستيكي الملفوف عليه. وتؤكد العائلة أن الجثة كانت تحمل علامات واضحة تشير إلى تعرضه للعنف والتعذيب قبل الوفاة وتفند فرضية السقوط الحر؛ فالعين اليمنى يحيط بها ازرقاق شديد، وبعض الأسنان بها كسور، أما جهة العنق اليمنى فبها التواء حاد حال دون تمكنهم من معاينة الجانب الآخر من وجهه بالكامل، في حين كان رأسه سليماً من أي خدش.
من جانبها، فجرت هيئة الدفاع مفاجأة قانونية بعد اطلاعها على تفريغات الكاميرات، مؤكدة عدم وجود أي لقطة توثق لحظة إلقاء الشاب لنفسه من النافذة. وفي سياق متصل، تبين أن المتعلقات الشخصية لعمر — وهي ساعة يدوية، وسلسلة فضية، وعدسة طبية للعين اليسرى — كانت سليمة تماماً دون أي كسر، في حين أن صور الراحل تظهر جرحاً بجانب حاجبه الأيمن، ولم يتم تسليم العدسة اليمنى للعائلة حتى الآن.
أمام هذا السجال الصارخ، دخلت الحركة الحقوقية بقوة على خط القضية؛ حيث قامت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH)، عبر مكتبها المركزي، بتاريخ 7 ذو القعدة 1447هـ (الموافق لـ 24 أبريل 2026م)، بإيداع شكاية رسمية لدى رئيس النيابة العامة بالرباط بتاريخ 11 ذو القعدة 1447هـ (الموافق لـ 28 أبريل 2026م).
وأكدت الجمعية في بلاغها أن حدوث هذه واقعة داخل فضاء مغلق يقع تحت السلطة المباشرة لأجهزة إنفاذ القانون يطرح تساؤلات جوهرية حول المسؤولية القانونية للدولة في حماية الحق في الحياة، وضمان سلامة الأشخاص الموضوعين في عهدتها. وطالبت الشكاية بفتح بحث قضائي جدي ومستقل من أجل:
- الوقوف على الظروف الحقيقية للوفاة وإجراء الخبرات التقنية والطبية المضادة عند الاقتضاء.
- مراجعة وتفريغ وحجز كاميرات المراقبة الخاصة بمقر الفرقة الوطنية خلال فترة تواجد الراحل.
- تحديد المسؤوليات بالاستماع لكافة المسؤولين والضباط الذين باشروا التحقيق مع الضحية، وترتيب الآثار القانونية في حال ثبوت المسؤولية، سواء كان ذلك فعلاً، تقصيراً، أو استفزازاً أفضى إلى الحادث، قطعاً مع الإفلات من العقاب.
مشكلة الإخفاء القسري في المغرب
ويرى ناشطون حقوقيون ومتابعو وسم justiceforOmar# أن السيناريو الذي رافق توقيف عمر حلفي — من تعتيم مطلق طيلة ساعتين، وحجب مكانه عن عائلته، ومنعهم من رؤية جثته ليومين ومنعهم من الاطلاع على المحاضر بدعوى “انعدام الصفة” رغم كونهم الأبوين البيولوجيين — يُعيد إلى الواجهة ممارسات شبيهة بـ”الإخفاء القسري المؤقت”.
وإذا كان القانون الدولي يميز بين الإخفاء القسري “المؤبد أو المستمر” — الذي تغيب فيه الضحية لعقود وتبقى جثتها ومصيرها مجهولين تحت إنكار الدولة ومؤسساتها — وبين الإخفاء “المؤقت” الذي ينتهي بظهور الضحية أو إعلان وفاتها كما في حالة عمر حلفي؛ فإن الهيئات الحقوقية تؤكد أن خطورة “المؤقت” لا تقل عن “المؤبد”.
فالتعتيم لـ”ساعات معدودة” كفيل بسلب المواطن حماية القانون وعزله عن العالم الخارجي، مما يحول مقار الاحتجاز إلى فضاءات مظلمة تُمرر فيها الانتهاكات الجسيمة والتعذيب المفضي للموت بعيداً عن الرقابة القضائية المستقلة.
وهي ممارسات تؤكد أنها ليست حالة معزولة أو الأولى من نوعها، سواء داخل المغرب أو في غيره من جغرافيا الدول العربية؛ حيث يتكرر هذا النمط الممنهج من التجاوزات الأمنية التي تصاحبها روايات “الانتحار الجاهزة” فور حدوث المأساة. وتشدد الحركة الحقوقية في ختام ملف عمر حلفي على أن الكشف عن الحقيقة كاملة وإنصاف والدته المكلومة هو الضمانة الوحيدة لاحترام سيادة القانون، والقطع مع الإفلات من العقاب، وتعزيز الثقة في العدالة.






اترك تعليقاً