يقول محللون إن اثني عشر عامًا من حكم حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) قد أضعفت الأساس العلماني الذي أرساه جواهر لال نهرو، أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال.
بقلم: كاظم عالم
أصبح ناريندرا مودي مؤخرًا أطول رئيس وزراء منتخب بقاءً في المنصب في تاريخ الهند، بعدما تجاوز مدة جواهر لال نهرو المنتخبة البالغة 4398 يومًا. وكان نهرو أول رئيس وزراء للهند بعد استقلالها عن الحكم البريطاني عام 1947م (1366هـ).
وكان نهرو أحد القادة المؤسسين للهند الحديثة، وقد أسهم في صياغة الإطار الدستوري للدولة بعد الاستقلال، والذي كفل المساواة في الحقوق لجميع المواطنين بغض النظر عن الطبقة أو الدين أو اللون.
أما حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) الذي يقوده مودي، ويتبنى أيديولوجية «الهندوتفا» القومية الهندوسية التي تعرّف الهوية الوطنية والثقافية للهند من منظور الأغلبية الهندوسية، فقد احتفى بهذا الإنجاز السياسي على نطاق واسع.
ويرى محللون أن هذا الإنجاز السياسي لمودي، الذي وصل إلى السلطة لأول مرة عام 2014م (1435هـ) ويقضي حاليًا ولايته الثالثة على التوالي، يعكس ابتعادًا متزايدًا عن رؤية نهرو للهند بوصفها دولة تعددية وعلمانية.
ويقول هؤلاء إن سنوات حكم مودي الطويلة رسّخت هيمنة الأغلبية وأضعفت الطابع الوطني الذي ساهم نهرو، أحد أبرز قادة مناهضة الاستعمار في القرن العشرين، في بنائه لدولة تقوم على التعددية قبل نحو ثمانية عقود.
ويقول كينيث بو نيلسن، المتخصص في شؤون جنوب آسيا والمرتبط بجامعة أوسلو، إن هذا الإنجاز يحمل أهمية رمزية كبيرة بالنسبة لجماعات الهندوتفا.
ويضيف:
«الكلمة المفتاحية هنا هي (منتخب)، لأن نهرو لا يزال أطول رؤساء وزراء الهند بقاءً في المنصب إذا احتُسبت كامل فترة حكمه».
فقد تولى نهرو رئاسة الحكومة منذ تأسيس الدولة الهندية عام 1947م (1366هـ) حتى أول انتخابات عامة عام 1952م (1371هـ)، ثم أعيد انتخابه في عامي 1957م (1376هـ) و1962م (1381هـ).
ويُنسب إلى نهرو تأسيس أكبر ديمقراطية برلمانية في العالم، وتعزيز البحث العلمي عبر إنشاء المعاهد التقنية الهندية (IITs)، وترسيخ شعار «الوحدة في التنوع» في بلد متعدد الأعراق والثقافات.
ويرى نيلسن أن تركيز حزب بهاراتيا جاناتا على وصف مودي بأنه «أطول رئيس وزراء منتخب» يعكس عداءً أيديولوجيًا عميقًا لنهرو ولحزب المؤتمر، المنافس التقليدي للحزب الحاكم، والذي يقدم نفسه بوصفه حاميًا للتقاليد الدستورية العلمانية في الهند.
ويقول:
«الحزب يحمل نفورًا شديدًا من نهرو ومن كل ما كان يمثله».
كما يرى أن استمرار مودي في الحكم يعكس شعبيته الشخصية وهيمنة حزبه السياسية، الأمر الذي أتاح له المضي في تنفيذ أجندة الهندوتفا بأقل قدر من التنازلات.
أما المعلّقة السياسية سميتا غوبتا، المقيمة في نيودلهي، فتقول إن سجل مودي السياسي يختلف جذريًا عن إرث نهرو كرجل دولة.
وترى أن احتفال الحزب بما تصفه بـ«الإنجاز التاريخي» يمثل نوعًا من «الخداع التاريخي»، مشيرة إلى أن السنوات الخمس الأولى من حكم نهرو كانت مرحلة انتقالية في أكثر الفترات اضطرابًا بعد الاستقلال.
وتقول:
«لم تنتهِ فترة نهرو لأنه خسر انتخابات، بل لأنه توفي عام 1964». الموافق تقريبًا 1384هـ.
وترى كذلك أن انتصارات مودي الانتخابية الثلاث، بما فيها فوزه عام 2024م (1445–1446هـ) المعتمد على ائتلاف حكومي، لا ترقى إلى مستوى إنجازات نهرو التاريخية.
كما تنتقد ما تصفه بالمبالغة في تمجيد الاستقرار السياسي إذا كان على حساب التعددية، معتبرة أن حكومات الائتلاف أكثر انسجامًا مع التنوع الهندي.
ابتعاد عن المبادئ النهروية
يرى خبراء أن حكم مودي الممتد لأكثر من اثني عشر عامًا جاء على حساب البنية العلمانية للهند.
ويقولون إن إرثه السياسي ارتبط إلى حد كبير بأجندة هندوتفية تستهدف المسلمين، الذين يشكلون نحو 15% من سكان الهند البالغ عددهم أكثر من 1.4 مليار نسمة.
ويشير نيلسن إلى أن التزام الحكومة بأيديولوجية الهندوتفا، وسعيها إلى تحويل الهند إلى دولة هندوسية، كان جزءًا أساسيًا من مشروعها السياسي منذ البداية.
ويقول منتقدو مودي إن مواقفه تجاه المسلمين ظهرت بوضوح منذ كان رئيسًا لوزراء ولاية غوجارات، حيث شهدت الولاية عام 2002م أعمال عنف طائفية قُتل فيها نحو ألفي شخص، معظمهم من المسلمين.
وترى غوبتا أن إرث مودي قد تحدد «بشكل شبه كامل» عبر استراتيجية هندوتفية معادية للمسلمين.
وتسرد عددًا من السياسات التي تعتبرها استهدافًا للمسلمين، منها:
- بناء معبد رام في موقع مسجد بابري الذي يعود للقرن السادس عشر.
- إلغاء المادة 370 الخاصة بكشمير، والتي كانت تمنح الإقليم ذي الأغلبية المسلمة وضعًا دستوريًا خاصًا.
- قوانين «جهاد الحب» التي تستهدف الزيجات بين المسلمين وغير المسلمين.
- حظر ذبح الأبقار وما تبعه من حوادث اعتداء وقتل خارج القانون.
- تعديل المناهج الدراسية بطريقة تقلل من إبراز إسهامات المسلمين في تاريخ الهند.
وتقول:
«أحدث مثال على توظيف استراتيجية الحزب المعادية للمسلمين يظهر في ولاية البنغال الغربية، حيث تُهدم مبانٍ في مناطق ذات أغلبية مسلمة».
أما الأكاديمي مجيب الرحمن، مؤلف كتاب «شكوى الهند: المستقبل السياسي لمسلمي الهند»، فيقول إن ما يُعرف بـ«حراسة الأبقار» و«عدالة الجرافات» أصبحا أمرين معتادين في عهد مودي.
ويضيف:
«بشكل غير رسمي أصبحت الهند دولة تقوم على هيمنة الأغلبية».
انتقادات دولية
على المستوى الدولي، واجهت الهند انتقادات متزايدة بسبب تصاعد التوترات الطائفية، وهو ما أثّر على صورتها رغم نجاحاتها الاقتصادية.
وقبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، مُنع مودي من الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة بسبب ما وُصف آنذاك بـ«انتهاكات جسيمة للحرية الدينية»، وهو ما حرمه من دخول البلاد لما يقارب عقدًا من الزمن.
ويرى نيلسن أن كثيرًا من الفئات، ولا سيما المسلمين، يُوصمون في عهد مودي بأنهم «معادون للوطن»، لأن منظّري الهندوتفا يعتبرونهم تهديدًا لفكرة «الأمة الهندوسية».
ويقول إن تسارع انتشار أيديولوجية الهندوتفا سيكون «السمة الأبرز» في إرث مودي السياسي.
كما يحذر من أن تأثير هذه الأيديولوجية قد يستمر حتى لو غادر مودي السلطة أو خسر حزب بهاراتيا جاناتا الانتخابات في المستقبل.
ويضيف:
«إن النضال من أجل هند تعددية وعلمانية لا ينبغي أن يقتصر على ساحة الانتخابات، بل يجب أن يمتد أيضًا إلى المجتمع المدني».
أما غوبتا فتقول إن إصلاح ما ألحقه مودي بالطابع العلماني للهند سيكون مهمة صعبة.
وتختم بقولها:
«سيحتاج الأمر إلى شخصية بحجم غاندي لإعادة التوازن النفسي للأمة، وإصلاح المؤسسات الديمقراطية التي تضررت، واستعادة الروح الاتحادية، ورأب الانقسامات».
في إشارة إلى المهاتما غاندي، الزعيم السلمي الذي يُعرف في الهند بلقب «أبو الأمة».
نُشر هذا المقال على موقع تي آر تي التركي.




اترك تعليقاً