أعوان الظلمة وأنصار الطواغيت في الميزان الإسلامي

وصل للأخبار | مقال رأي يعبر عن كاتبه

لم يكن الطغيان يومًا مجرد حاكم متجبر يملك سوطًا، بل هو منظومة خبيثة تتشكل من مستبدّ يرى نفسه إلهًا يُعبد من دون الله، وبطانة سوء تبرر له كفره وظلمه، ورعاعٍ يصفقون لجلادهم.
 وفي الميزان الشرعي والتاريخي، لا يقل “أنصار الطواغيت” جرمًا عن الطاغية نفسه، بل هم أداته القذرة، وبدونهم يصبح الطاغية عاجزًا لا يملك من أمره شيئًا.

إن الذين ارتضوا أن يكونوا أحذية في أرجل الاستبداد هم حثالة البشر، ومصيرهم كمصير الطواغيت تمامًا.

التلازم في الجرم والمصير: فرعون وجنوده نموذجًا


الحقيقة القرآنية الحاسمة لا تفرق بين الطاغية ومن أطاعه ونصره، فالجميع في الإثم والهلاك شركاء. يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل:

{إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص: 8].

لم يغفر الله للجنود والأتباع أنهم “مأمورون” أو “مكرهون” أو “يبحثون عن لقمة العيش”، بل أخذهم بأخذ فرعون وجعلهم معه في قاع الجحيم.

قال سبحانه: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [القصص: 40]

إنهم التروس التي تحرك آلة القتل والنهب، وبدونهم فرعون مجرد مجنون لا يلتفت إليه أحد.

اقرأ أيضًا: الإرهاب والنظام السوري الجديد

إن أنصار الطواغيت يجمعون بين أحطّ صفات البشر: الذل أمام القوي، والبطش بالضعيف. هؤلاء نزع الله من قلوبهم غيرة الإيمان ، وصاروا عبادًا للمصلحة الفانية.

فقهاء السوء ومفتو الدماء:


 وهم أشد هذه الفئة قذارة، الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلًا، فيلوون أعناق النصوص لتبرير دماء المجاهدين، ويجعلون من منكر الطاغية معروفًا، ومن كفره إيمانًا، ومن قتله للمجاهدين حفظًا لبيضة الدين.

كلاب الحراسة (الجلادون والمخبرون):

 الذين يتلذذون بآهات المعذبين في السجون، ويبيعون دينهم وآخرتهم ليرضى عنهم “الحاكم” القابع في قصره.

وهذا الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- عندما سُجن جاء السجان فقال له: “يا أبا عبد الله هل الحديث الذي رُوي في الظلمة وأعوانهم صحيح؟”

قال الإمام أحمد: نعم.

قال السَّجَّان: “هل أنا من أعوان الظلمة؟”

فقال الإمام أحمد: أعوان الظلمة من يأخذ شعرك ويغسل ثوبك ويصلح طعامك ويبيع ويشتري منك، أما أنت فمن الظلمة أنفسهم.

قال تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} [هود: 113].

الخيانة العظمى: موالاة المستبد ومعاداة الأمة

في المنظور الإسلامي، يعتبر تأييد الأنظمة الاستبدادية خيانة للأمة وهدمًا لثوابت الدين، لعدة أسباب:
 نقض عروة العدل:

جاء الإسلام لإقامة القسط {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]. وأنصار الطواغيت يثبتون أركان الظلم والجور، وميلهم للظالمين يوجب النار بنص القرآن. {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}.

استحلال الدماء والأعراض:

بوقوفهم خلف الأنظمة الفاسدة، يصبح هؤلاء الأنصار شركاء في كل قطرة دم سفكت، وكل عرض هُتك، وكل مالٍ نُهب. فالراضي بالظلم شريكٌ للمباشر فيه.

الذباب الإلكتروني: منافقو العصر الرقمي

لقد تطورت أدوات “حثالة البشر” في عصرنا الحالي، فظهر ما يُعرف بالذباب الإلكتروني ومرتزقة الشاشات، هؤلاء يمارسون النفاق المنظم، فيقلبون الحقائق، ويخونون المجاهدين الأحرار، ويسبّحون بحمد الطاغوت بكرة وأصيلًا. هؤلاء هم الامتداد المعاصر للمنافقين الذين قال الله فيهم:

{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [التوبة: 67].

عاقبة الخزي: التبرؤ المتبادل في الدنيا والآخرة

إن سنة الله الثابتة أن هذه العلاقة بين الطاغية وأنصاره تنتهي دائمًا بالخزي والندامة.

 في الدنيا، غالبًا ما يتخلص الطاغية من أدواته القديمة عندما تنتهي صلاحيتها.

 أما في الآخرة، فالمشهد مروع يصوره القرآن بدقة:

{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 166-167].

إن الأمة التي تريد الانعتاق من قيود الذل، يجب أن تبدأ بـ “الكيّ الوعظي والفكري” لهؤلاء الأنصار، وإسقاط هيبتهم، وفضح عمالتهم، حتى يرتدع كل من تسول له نفسه أن يكون سوطًا في يد جلاد، أو بوقًا في فم طاغية. فالاستبداد يموت جوعًا إذا رفضت الرعية أن تغذيه بذلها.

​كان الإمام سفيان الثوري يرى أن مجرد القرب من الحاكم المستبد أو إعانته في أمر تافه هو مشاركة في إثمه، ومما أُثر عنه قوله:

​”من دعا لظالم بالبقاء، فقد أحب أن يُعصى الله في أرضه”.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (منْ أعانَ ظالمًا ليدحضَ بباطلهِ حقًّا، فقدْ برئتْ منهُ ذمةُ اللهِ و رسولِهِ).

انعدام القيمة وحتمية المعاملة الرادعة:

لماذا لا كرامة لأنصار الطواغيت؟
​إلى جانب كونهم شركاء في الإثم والدم، هناك حقيقتان شرعيتان وواقعيتان تلازمان فئة “أنصار الطواغيت” والمنتفعين من الاستبداد، وتوجبان على الأمة الحية أن تتعامل معهم بمنهجية حاسمة وصارمة لا تعرف المهادنة:

​أولًا: هوانهم وانعدام قيمتهم (أحذية الطاغوت):


هؤلاء في ميزان الرجال وميزان الشرع أحقر من أن يُقام لهم وزن، لأنهم تجردوا من كرامة الإنسان التي وهبها الله لهم.

الطاغية قد يبطش ليحافظ على ملكه وسلطانه ومجده الشخصي، أما أتباعه فهم يرتكبون أبشع الجرائم ويبيعون دينهم وآخرتهم من أجل “دنيا غيرهم”، وهذا هو قمة الحماقة والسقوط.

لا قيمة لهم لأنهم ارتضوا أن يكونوا مجرد “أحذية” يلبسها الطاغية ليعبر بها فوق جماجم الأحرار، وحين تبلى هذه الأحذية وتنتفي الحاجة إليها، يكون المستبد هو أول من يلقيها في مزبلة التاريخ.

 إنهم مجرد طفيليات تعيش على جراح الأمة، ولا يملكون مشروعًا ولا عقيدة سوى التبعية العمياء والخنوع.

​ثانيًا: حتمية المعاملة بالشدة والغلظة الشرعية:

إن التسامح مع أعوان الظلمة أو التماس الأعذار الباردة لهم كحجة البحث عن الرزق أو تنفيذ الأوامر هو خيانة في حق الضحايا، وخيانة لدماء المستضعفين.

المنهج القرآني شديد الوضوح في كيفية التعامل مع المنافقين وأدوات البطش، حيث أمر الله نبيه بالشدة والصرامة معهم قائلًا:

​{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ  وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ  وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73].

​إن الشدة والغلظة مع هذه الحثالة واجبةٌ دينيًا وأخلاقيًا، لأن التساهل واللين يغريهم بمزيد من الإجرام، ويجعلهم يتمادون في نهش لحوم الشرفاء.

يجب أن يُنبذوا ويعزلوا مجتمعيًا، وتُسقط هيبتهم ومكانتهم المزعومة، ويُعاملوا بالاحتقار الصارم الذي يليق بمن خان أمته.

يجب أن يعلم كل من تسول له نفسه أن يكون “عصا” في يد ظالم، أو “بوقًا” يسبح بحمده، أن يد الأمة أطول، وأن غضبتها أشد وأقسى، وأن صفحات التاريخ تُكتب بدماء الأحرار ، بينما تُطوى أسماء الخونة والأتباع تحت أقدام المارّة.

1 محرم 1448هـ

مصدر الحديث:

https://dorar.net/hadith/sharh/123291

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *