بـ«شرائح الدماغ» ومعجزات المسيح.. ماسك يكشف الوجه الجديد للغرور الحضاري

في كل عصر تظهر قوة تعتقد أنها اقتربت من كسر الحدود التي حكمت الإنسان منذ فجر التاريخ.. مرة كانت الإمبراطوريات العسكرية، ومرة كانت الثورات الصناعية، واليوم تقف التكنولوجيا المتقدمة في الواجهة وهي تعد البشر بما كان يُنظر إليه لقرون طويلة باعتباره خارج نطاق الممكن.

لكن اللافت أن الجدل الذي أثارته تصريحات الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، اليوم الاثنين، لم يكن متعلقاً بالتكنولوجيا نفسها بقدر ما كان متعلقاً باللغة المستخدمة لوصفها، فخلال حديثه عن التطورات التي تحققها شركة “نيورالينك” المتخصصة في زراعة الشرائح الدماغية، قال ماسك إن التقنيات الجديدة قد تمكن المصابين بإصابات خطيرة في الدماغ والحبل الشوكي من استعادة قدراتهم المفقودة، كما قد تساعد فاقدي النطق على الكلام مجدداً، وربما تتيح مستقبلاً استعادة البصر حتى لمن ولدوا فاقديه.

لكن العبارة التي تصدرت العناوين العالمية لم تكن هذه الوعود الطبية، بل وصفه تلك التقنيات بأنها تقترب مما سماه “معجزات السيد المسيح”.

هنا لم يعد النقاش علمياً فقط، بل تحول إلى سؤال أخلاقي وحضاري أكبر: هل بدأت التكنولوجيا الحديثة تتحدث بلغة تتجاوز حدود العلم نفسه؟.

1000277390

حين يقترب العلم من حدود الغيب

لا أحد يجادل في أن الإنجازات الطبية التي تحققت – بإذن الله- خلال العقود الأخيرة مذهلة بكل المقاييس، فقد تمكنت شرائح الدماغ بالفعل من مساعدة بعض المرضى المصابين بالشلل على التحكم في أجهزة الكمبيوتر وتحريك المؤشرات الرقمية باستخدام الإشارات العصبية فقط.

كما أعلنت “نيورالينك” أن عدداً من المرضى استخدموا التقنية للتفاعل مع العالم الرقمي بطرق لم تكن متاحة لهم سابقا، هذه التطورات تمثل قفزة علمية حقيقية، لكن الفرق كبير بين الاحتفاء بالإنجاز العلمي وبين تصويره باعتباره اقتراباً من المعجزات.

ففي عقيدتنا، المعجزة ليست مجرد قدرة خارقة، وإنما حدث استثنائي يقع بإرادة الله لتأييد نبي من الأنبياء.

ولذلك فإن المقارنة بين التقدم العلمي والمعجزات تثير حساسية خاصة لدى كثيرين، لأنها تنقل النقاش من ميدان البحث والتجربة إلى مساحة مختلفة تماماً تتعلق بالعقيدة والإيمان، ولهذا لم يكن مستغرباً أن تثير كلمات ماسك ردود فعل واسعة، خصوصاً أنها صدرت من أحد أبرز رموز الثورة التقنية المعاصرة.

وادي السيليكون وحلم تجاوز الإنسان

ما قاله ماسك لا يمكن فصله عن الثقافة الفكرية السائدة داخل جزء من النخبة التقنية الأمريكية، فمنذ سنوات، يتحدث عدد من رواد التكنولوجيا عن إمكانية إطالة العمر بشكل جذري، وربط الدماغ بالحواسيب، وتحميل الوعي البشري رقمياً، والتغلب على الشيخوخة، وربما الوصول مستقبلاً إلى أشكال جديدة من الوجود الإنساني.

1000277389

في هذه الرؤية، لا يعود الموت قدراً نهائياً، ولا المرض سقفاً لا يمكن تجاوزه، ولا حتى القدرات البشرية حدوداً ثابتة.. إنها فلسفة ترى أن التكنولوجيا ليست مجرد أداة لتحسين حياة الإنسان، بل وسيلة لإعادة تعريف الإنسان نفسه، وهنا يكمن جوهر الجدل.

فكلما توسعت وعود التكنولوجيا، برز سؤال قديم يعود مع كل حضارة بلغت ذروة قوتها: هل ما زال الإنسان يدرك حدوده؟.

من عاد إلى الأبراج الحديثة

القرآن الكريم يعرض نماذج متكررة لأمم امتلكت القوة والثروة والعمران، لكنها وقعت في فخ الغرور، ومن بين أشهر هذه النماذج قوم عاد الذين وصفهم القرآن بأنهم شيدوا الأبنية الضخمة والمنشآت الهائلة في المرتفعات، وجعلوا من القوة المادية عنواناً لتفوقهم.

يقول الله تعالى:”أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون”. وقد فهم كثير من المفسرين أن الآيات تتحدث عن حالة حضارية دفعت أصحابها إلى الاعتقاد الضمني بأن القوة والعمران قادران على منحهم نوعاً من البقاء والاستمرار.

ورغم الفارق الهائل بين عالم قوم عاد والعالم الرقمي الحالي، فإن القاسم المشترك يتمثل في فكرة واحدة: الاعتقاد بأن الإنسان قادر على تجاوز كل الحدود إذا امتلك ما يكفي من القوة.

في الماضي كانت القوة حجراً وقصوراً وأسواراً، واليوم أصبحت شرائح إلكترونية وذكاء اصطناعياً وخوارزميات متطورة. لكن السؤال يبقى نفسه: هل أصبح الإنسان مشروعاً تقنياً؟.

واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في مشروع نيورالينك لا تتعلق بالعلاج الطبي، بل بما بعد العلاج، فإذا نجحت الشرائح في استعادة بعض القدرات المفقودة، فهل يتوقف الأمر عند هذا الحد؟، وماذا يحدث عندما تصبح الحدود بين العلاج والتحسين غير واضحة؟.

هذه الأسئلة لم تعد خيالاً علمياً، فالعديد من الباحثين يحذرون من أن التطور المتسارع في تقنيات الدماغ والحاسوب قد يفتح الباب أمام تحولات اجتماعية وأخلاقية غير مسبوقة.

ومن هنا يتزايد القلق من أن يتحول الإنسان تدريجياً من كائن يمتلك التكنولوجيا إلى كائن تعيد التكنولوجيا تشكيله بالكامل.

القوة التي تسبق السقوط

التاريخ يحمل مفارقة لافتة، فكثير من الحضارات لم تبدأ التراجع عندما ضعفت، بل عندما اعتقدت أنها بلغت مرحلة لا يمكن أن تسقط بعدها.

الإمبراطورية الرومانية وصلت إلى ذروة نفوذها قبل قرون من انهيارها، والإمبراطوريات الأوروبية سيطرت على معظم العالم قبل أن تبدأ بالتراجع، والاتحاد السوفيتي امتلك ترسانة نووية هائلة قبل أن ينهار بصورة مفاجئة.

المشكلة لم تكن في القوة ذاتها، بل في الاعتقاد بأن القوة تكفي وحدها لضمان البقاء، ولهذا يرى بعض المفكرين أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا، بل في العقلية التي تتعامل معها باعتبارها بديلاً عن كل شيء آخر.

1000277386

فعندما تصبح القدرة التقنية مصدراً للثقة المطلقة، يتحول التقدم من نعمة إلى وهم.

بين الإنجاز العلمي والتواضع الإنساني

لا يمكن إنكار أهمية ما تحققه شركات مثل نيورالينك، فإذا استطاعت التكنولوجيا أن تعيد الحركة لمشلول أو النطق لصامت أو الأمل لمريض، فإن ذلك يمثل إنجازاً إنسانياً عظيماً، لكن الفرق يبقى واضحاً بين الاحتفاء بالعلم وبين تحويله إلى عقيدة جديدة.

فالعلم في جوهره عملية بحث لا تنتهي، بينما المعجزة في المفهوم الديني حدث استثنائي يرتبط بإرادة الله وحده.

ولهذا فإن أكثر ما يثير الجدل في تصريحات ماسك ليس الطموح العلمي نفسه، بل اللغة التي توحي بأن التكنولوجيا تقترب من احتلال مساحة كانت عبر التاريخ مرتبطة بالمقدس والغيب.

ما وراء تصريحات ماسك

ربما تكشف كلمات إيلون ماسك أكثر مما أراد قوله، فهي لا تعبر فقط عن مشروع تقني أو رؤية طبية، بل تعكس روح عصر كامل يزداد اقتناعاً بأن التكنولوجيا قادرة على حل كل المشكلات الإنسانية.

غير أن الدين يقدم تحذيراً : كل حضارة اعتقدت أنها بلغت حدود القدرة المطلقة اكتشفت في النهاية أن الإنسان، مهما امتلك من أدوات، يظل إنساناً محدوداً.

قد تنجح الشرائح الدماغية في إعادة البصر أو الحركة أو النطق، وقد تحقق إنجازات تغير حياة ملايين البشر، لكنها لن تلغي الحقيقة التي رافقت البشرية منذ بدايتها: أن المعجزة تبقى معجزة، وأن التقدم العلمي مهما بلغ لا يجعل الإنسان سيد الكون، بل يمنحه مسؤولية أكبر في كيفية استخدام ما بين يديه من قوة.

1000277387

وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي تستحق التأمل وسط الضجيج المحيط بثورة الذكاء الاصطناعي وواجهات الدماغ والحاسوب: ليس كل ما نستطيع فعله ينبغي أن يدفعنا إلى الاعتقاد بأننا أصبحنا قادرين على فعل كل شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *