لم يكن أحد يتصور قبل ثلاثة عقود أن تصل العلاقات التركية – “الإسرائيلية” إلى النقطة التي تقف عندها اليوم، فالدولتان اللتان جمعت بينهما في تسعينيات القرن الماضي شراكة عسكرية واستخباراتية وُصفت آنذاك بأنها إحدى أقوى التحالفات في الشرق الأوسط، تتبادلان الآن الاتهامات العلنية، وتتعاملان مع تحركات بعضهما البعض باعتبارها تهديداً مباشراً للأمن القومي.
ومع قرب انتهاء الجولة الأعنف من المواجهة الإيرانية “الإسرائيلية” التي هزت المنطقة خلال الشهور الماضية ، بدأ يلوح في الأفق سؤالاً لم يكن مطروحاً بهذا الزخم من قبل: هل تتجه تركيا و”إسرائيل” نحو صراع استراتيجي طويل الأمد؟ وهل يمكن أن يتحول هذا الصراع إلى مواجهة عسكرية مباشرة؟.. السؤال يبدو صادماً، لكنه لم يعد مستحيلاً كما كان قبل سنوات.
هكذا كانت العلاقات
عندما اعترفت تركيا بإسرائيل عام 1949، أصبحت أول دولة ذات أغلبية مسلمة تقدم على هذه الخطوة، وكان ذلك في سياق دولي مختلف تماماً، حيث كانت أنقرة تسعى إلى تثبيت موقعها داخل المنظومة الغربية الناشئة بعد الحرب العالمية الثانية.
طوال عقود الحرب الباردة، ظلت العلاقات بين البلدين مستقرة نسبياً، لكنها شهدت قفزة نوعية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
ففي عام 1996 وقّعت أنقرة وتل أبيب اتفاقية تعاون عسكري واسعة فتحت الباب أمام تدريبات مشتركة وتبادل استخباراتي وتحديث أسلحة تركية بواسطة شركات إسرائيلية.
في تلك المرحلة، كانت “إسرائيل” ترى في تركيا بوابة استراتيجية إلى العالم الإسلامي، بينما كانت أنقرة تنظر إلى “إسرائيل” باعتبارها شريكاً أمنياً مهماً يساعدها في مواجهة التحديات الإقليمية، خصوصاً في الملف الكردي، لكن هذه المرحلة لم تدم طويلاً.
صعود أردوغان.. بداية التحول الكبير
مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، بدأت السياسة الخارجية التركية تتغير تدريجياً. لم تعد أنقرة تكتفي بدورها التقليدي كحليف غربي على أطراف الشرق الأوسط، بل بدأت تتطلع إلى لعب دور إقليمي أكثر استقلالية.
ثم جاءت حرب غزة، وأحداث منتدى دافوس عام 2009، حين انسحب الرئيس رجب طيب أردوغان غاضباً من جلسة جمعته بالرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، لتصبح تلك اللحظة رمزاً لتحول كبير في المزاج السياسي بين الطرفين.
لكن نقطة الانفجار الحقيقية جاءت عام 2010 مع حادثة سفينة “مافي مرمرة”، عندما قتلت القوات “الإسرائيلية” عشرة ناشطين أتراك كانوا على متن سفينة متجهة إلى غزة.منذ ذلك التاريخ، لم تعد العلاقات إلى طبيعتها السابقة رغم محاولات التطبيع المتكررة.

حرب غزة غيرت كل شيء
إذا كانت حادثة مافي مرمرة قد ألحقت ضرراً بالعلاقة، فإن الحرب على غزة بعد أكتوبر 2023 دفعت العلاقة إلى مرحلة مختلفة تماماً.
ففي أنقرة، أصبح الخطاب تجاه “إسرائيل” أكثر حدة من أي وقت مضى، واعتبر أردوغان أن ما يجري في غزة تجاوز حدود الحرب التقليدية إلى ما وصفه مراراً بأنه “جريمة ضد الإنسانية”.
في المقابل، اتهمت “إسرائيل” القيادة التركية بتبني خطاب عدائي وتحويل القضية الفلسطينية إلى أداة لتعزيز النفوذ الإقليمي.لكن خلف التصريحات المتبادلة، كانت هناك تحولات أعمق تجري على الأرض.
سوريا.. الجبهة الأخطر
بعد التحولات الكبيرة التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة، أصبح الملف السوري نقطة التماس الأكثر حساسية بين الطرفين.
تنظر تركيا إلى سوريا باعتبارها امتداداً مباشراً لأمنها القومي، ولذلك عززت وجودها العسكري والسياسي في الشمال السوري، وسعت إلى منع قيام أي كيان كردي مسلح على حدودها الجنوبية.
أما “إسرائيل” فتركز على منع عودة النفوذ الإيراني، ومراقبة أي تحولات عسكرية يمكن أن تؤثر على أمنها، لكن المشكلة أن مناطق النفوذ والمصالح بدأت تتقاطع بصورة متزايدة.
فكلما ازداد الحضور التركي في سوريا، ارتفعت المخاوف داخل “إسرائيل” من ظهور قوة إقليمية تمتلك نفوذاً واسعاً يمتد من حدود العراق حتى شرق المتوسط.
ولهذا السبب، باتت سوريا تُنظر إليها داخل دوائر الأمن “الإسرائيلية” والتركية باعتبارها إحدى أهم ساحات المنافسة الاستراتيجية بين البلدين.
شرق المتوسط.. الصراع على الغاز والنفوذ
بعيداً عن الضجيج السياسي، تدور معركة أخرى تحت سطح البحر، فمنذ اكتشاف حقول الغاز الضخمة في شرق المتوسط، تحولت المنطقة إلى ساحة تنافس جيوسياسي معقد.
“إسرائيل” عززت تعاونها مع اليونان وقبرص في ملفات الطاقة والأمن البحري، كما دعمت مشاريع لنقل الغاز إلى أوروبا بعيداً عن الأراضي التركية.
في المقابل، ترى أنقرة أن هذه الترتيبات تستهدف تهميشها وإبعادها عن معادلات الطاقة الجديدة.
ولذلك تنظر تركيا بقلق إلى أي تعاون عسكري أو أمني يجمع “إسرائيل” واليونان والإدارة القبرصية اليونانية، معتبرة أن الأمر يتجاوز الاقتصاد إلى إعادة رسم موازين القوى في شرق المتوسط.
كيف ينظر كل طرف إلى الآخر؟
المثير أن التحول لم يعد سياسياً فقط، ففي وسائل الإعلام “الإسرائيلية” ومراكز الأبحاث الأمنية، بدأت تركيا تظهر بشكل متزايد باعتبارها “قوة منافسة” أو “خصماً استراتيجياً محتملاً”.
وفي المقابل، تتحدث شخصيات سياسية وأمنية تركية بصورة متزايدة عن “إسرائيل” باعتبارها جزءاً من شبكة تحالفات تهدف إلى محاصرة النفوذ التركي في المنطقة، هذه اللغة لم تكن موجودة بهذا الوضوح قبل سنوات قليلة فقط.

مقارنة القوة العسكرية
إذا انتقل الصراع من السياسة إلى المواجهة العسكرية، فإن ميزان القوى يبدو أكثر تعقيداً مما يعتقد كثيرون.
يمتلك الجيش التركي نحو 355 ألف جندي عامل، إضافة إلى مئات الآلاف من قوات الاحتياط، ما يجعله أحد أكبر جيوش حلف الناتو من حيث القوة البشرية.
كما حققت الصناعات الدفاعية التركية قفزات هائلة خلال العقد الأخير. وأصبحت تركيا منتجاً رئيسياً للطائرات المسيّرة القتالية، وطورت صواريخ محلية وسفناً حربية وأنظمة إلكترونية متقدمة.
أما “إسرائيل” ، فتمتلك جيشاً أصغر عدداً، لكنه يُعد من أكثر جيوش العالم تقدماً من الناحية التكنولوجية.
وتضم ترسانتها عشرات المقاتلات الشبحية من طراز F-35، ومنظومات دفاع صاروخي متعددة الطبقات تشمل القبة الحديدية ومقلاع داود وحيتس، إضافة إلى قدرات استخباراتية وسيبرانية استثنائية.
كما يُعتقد على نطاق واسع أن “إسرائيل” تمتلك ترسانة نووية غير معلنة.
بمعنى آخر، تتفوق تركيا في العمق الجغرافي والموارد البشرية، بينما تتفوق إسرائيل في التكنولوجيا والتفوق الجوي والاستخبارات.
هل يمكن أن تقع الحرب فعلاً؟
مع كل هذا التوتر، قد تزداد احتمالات الحرب المباشرة ، رغم عدم وجود حدود مشتركة بين البلدين، كما حدث في الحرب الإيرانية الأخيرة ، كما أن المواجهة ستكون مكلفة للغاية للطرفين.
حتى ولو لم تحدث المواجهة بهذه الصورة، فإن الخبراء لا يستبعدون أشكالاً أخرى من الصراع، مثل:
التنافس العسكري غير المباشر في سوريا، والحروب السيبرانية، والمواجهات الاستخباراتية، والصراع البحري في شرق المتوسط، واستخدام الحلفاء المحليين والإقليميين كورقة ضغط متبادلة.
ولهذا السبب يتحدث كثير من المحللين عن “حرب باردة إقليمية” أكثر من حديثهم عن حرب تقليدية.
أين تقف الولايات المتحدة؟
تبقى واشنطن العامل الأكثر تأثيراً في أي معادلة تخص تركيا “وإسرائيل” ، فالولايات المتحدة تعتبر إسرائيل حليفها الاستراتيجي الأوثق في الشرق الأوسط، وقدمت لها دعماً عسكرياً وسياسياً غير مسبوق خلال السنوات الماضية.
لكن تركيا في الوقت نفسه عضو محوري في حلف الناتو، وتمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف من حيث القوة البشرية.
كما أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبدى في أكثر من مناسبة تقديراً لعلاقته الشخصية بالرئيس التركي أردوغان، ولهذا فإن أي صدام بين أنقرة وتل أبيب سيضع واشنطن أمام معضلة غير مسبوقة.
فمن الصعب تصور تخليها عن إسرائيل، ومن الصعب أيضاً المجازفة بخسارة تركيا.
لذلك يرجح معظم الخبراء أن يكون الدور الأمريكي في أي أزمة مستقبلية هو الاحتواء ومنع الانفجار، وليس الانحياز الكامل منذ البداية.

صراع يتجاوز البلدين
في النهاية، لا يتعلق التوتر الحالي بين تركيا و”إسرائيل” بخلاف سياسي عابر أو أزمة دبلوماسية مؤقتة، أو تبادل للاتهامات والتصريحات بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” نتن ياهو.
ما يجري يعكس صراعاً أوسع على شكل الشرق الأوسط المقبل، وعلى خرائط النفوذ والطاقة والممرات البحرية والتحالفات العسكرية، فتركيا ترى نفسها قوة إقليمية صاعدة تسعى إلى حماية مجالها الحيوي من البحر الأسود حتى شرق المتوسط وسوريا والعراق.
أما” إسرائيل” فتنظر إلى نفسها باعتبارها القوة الأكثر تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً في المنطقة، وترفض أي ترتيبات قد تحد من حركتها الاستراتيجية.
وبين هاتين الرؤيتين تتشكل ملامح مواجهة طويلة الأمد قد لا تتحول إلى حرب شاملة، لكنها مرشحة لأن تبقى واحدة من أخطر بؤر التوتر في الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة.





اترك تعليقاً