تحاول بعض المنصات الإعلامية العربية خلال السنوات الأخيرة إبراز عدد من الشخصيات الفكرية التي اكتسبت حضوراً جماهيرياً من خلال تناول قضايا تحظى بإجماع واسع، مثل نقد الصهيونية أو الدفاع عن القضية الفلسطينية أو تفكيك الخطاب الاستعماري الغربي. غير أن بعض هذه الشخصيات لا تقتصر أطروحاتها على تلك الملفات، بل تمتد إلى إعادة قراءة الإسلام والقرآن والسيرة النبوية من مناهج تنكر الوحي أو تتعامل معه بوصفه نتاجاً “تاريخياً بشرياً”.
تستضيف هذه المنصات هؤلاء “المفكرين”، وتتيح لهم التحدث لساعات طويلة بحرية، دون وجود محاور خبير في الموضوع ليرد على الإشكالات والشبهات التي يطرحونها أو حتى يوضحها ويناقشها. وغالباً ما تكون هذه الحلقات في شكل “بودكاست”، حيث يُمنح الضيف مساحة واسعة للتعبير عن أفكاره دون مقاطعة تُذكر ويشاهد هذه الحلقات ملايين من المسلمين.
كيف يكتسب هؤلاء “المفكرون” شرعيتهم لدى الجماهير؟
تُعد معارضة الصهيونية أو نقد السياسات الإسرائيلية من أكثر القضايا حضوراً في الوعي العربي. ولذلك فإن أي شخصية تتبنى هذا الخطاب تحظى تلقائياً بدرجة من القبول والثقة لدى قطاعات واسعة من الجمهور.
يوظف بعض هؤلاء “المفكرين” هذا الرصيد الشعبي لتقديم أنفسهم بوصفهم أصواتاً ناقدة وشجاعة، قبل الانتقال إلى طرح رؤى تتعلق باالقرآن والسنة، وهي قضايا لا تحظى بالدرجة نفسها من التدقيق من قبل الجمهور العام.
الانتقال من نقد الصهيونية إلى نقد الإسلام
تتمثل إحدى أبرز ملامح الظاهرة في الجمع بين خطابين مختلفين:
- خطاب سياسي أو فكري يحظى بتأييد واسع، مثل نقد الصهيونية.
- خطاب ديني نقدي يشكك في مصادر الإسلام أو في تاريخية الوحي أو في صدقية الرواية الإسلامية التقليدية.
والخلط بين المجالين يؤدي إلى منح حصانة معنوية لأفكار لا تحظى بالقبول نفسه لو قُدمت بصورة مباشرة ومنفصلة عن القضايا السياسية الجامعة.
دور المنصات الإعلامية الكبرى
تزداد أهمية الظاهرة عندما تُقدَّم هذه الشخصيات عبر مؤسسات إعلامية ذات جماهيرية واسعة.
فالحضور الإعلامي يمنح المتحدث شرعية جماهيرية قد تتجاوز كثيراً حجم إنتاجه الأكاديمي الفعلي أو تأثيره في الأوساط التخصصية. ومع تكرار الظهور الإعلامي يصبح الشخص مرجعاً لدى قطاعات من الجمهور، حتى وإن كانت أطروحاته محل خلاف واسع بين الباحثين والمتخصصين.
ويثير ذلك تساؤلات حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية في التمييز بين الشهرة الإعلامية والرصيد العلمي، خاصة في الموضوعات المتعلقة بالعقيدة والدين والتاريخ.
التأثير على الجمهور العام
تكمن خطورة الظاهرة – بحسب منتقديها – في أن الجمهور غير المتخصص قد لا يمتلك الأدوات اللازمة للتمييز بين:
- النقد العلمي الرصين.
- والطرح الأيديولوجي المغلف بلغة أكاديمية.
كما أن بعض الأطروحات تُعرض في سياقات إعلامية مختصرة لا تسمح بمناقشة خلفياتها المنهجية أو الاعتراضات العلمية الموجهة إليها، ما يؤدي إلى تكوين انطباعات غير دقيقة لدى المتلقين.
فوزي البدوي أنموذجا
يتحدث الدكتور سامي عامري عن محاولة المنصات الإعلامية إبراز فوزي بدوي قائلا:
“روّجت قناة الجزيرة ومعها بودكاست “ثمانية” للكاتب اللاديني فوزي البدوي، الذي صرّح (بعظمة لسانه) أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد تآمر على اليهود ليختلس منهم النبوّة.
وفوزي البدوي يروّج لخرافة أنّ الإسلام متأثّر بالفرق الهرطقية اليهودية المتنصّرة (Jewish-Christians)، وهي النظرية الاستشراقية التي عارضها جمهور المستشرقين أنفسهم، باعتراف غابرييل رينولدز في كتابه الأخير (2025): Christianity and the Qur’an: The Rise of Islam in Christian Arabia.
فوزي البدوي لم يُصدر أعمالاً علمية تُذكر، سوى مطبوعات قليلة ، ولا أعرف له إلا كتاباً واحداً: “من وجوه الخلاف والاختلاف في الإسلام بين الأمس واليوم”، وبعض المقالات المشتّتة المواضيع، و التي لا تُقدّم البحثَ المتخصص خطوةً واحدة إلى الأمام، منها مقالته البكائية: “المحنة و”حرية التفكير الديني” في الإسلام الكلاسيكي”؛ ولذلك لم تلفت أيٌّ منها أنظار الباحثين العرب، لخلوّها من أي إضافة جادة.
وبسبب ذلك اختار فوزي البدوي التسلّل إلى وعي العامة على المنصّات الإعلاميّة الكبرى من بابين:
الباب الأول: النقد الجارح للباحثين العرب الكاتبين في اليهودية والصهيونية، رغم أنّ مساهماته لا ترقى البتة إلى مساهمات أ.د. محمد خليفة وأ.د. أحمد محمود هويدي في الدراسات اليهودية، ولا إلى ما كتبه المسيري وغيره في الصهيونية. والحقيقة أنّه غائب عن المشهد الفكري التخصصي كليًا في باب التأليف والتنظير، غير أنّه يركب متن هدم الآخرين، وهو مركب سهل حين تخاطب جماهير غير متخصصة وتسرد أمامهم معلومات أولية يعرفها كل متخصص، لكنّها قد “تُبهر” العامّي.
الباب الثاني: إعلان الخصومة مع الصهيونية. وهذا وترٌ حساس في العالم العربي شديد الرنين، رغم أنّ جميع الناس ضد الصهيونية، فليس في هذا الإعلان عملٌ ثوري.
أمّا الوجه “الثوري” الحقيقي في خطاب فوزي البدوي فهو الطعن في كتاب الله بتكذيب أخباره، بل اتّهام الرسول صلّى الله عليه وسلّم صراحةً بسرقة النبوّة من اليهود، بعبارة فجّة لا نكاد نسمعها بهذه الوقاحة إلا على ألسنة صعاليك الإلحاد على يوتيوب، ولم يتكلّف حتى إخفاء ذلك عند عرض شبهته.” انتهى النقل.






اترك تعليقاً