صوم الذكاء الاصطناعي … نظرة للحفاظ على العقل من التلف

67cb170b e0f9 4e98 b731 beabcca7f549

لا يخفى علينا ما أحدثته ثورة الذكاء الاصطناعي في السنوات القليلة الماضية، والحاجة للحديث عنه في غاية الأهمية والضرورة، فهو بمثابة قطار منطلق دون مكابح، يحتاج توجيه دقيق ومعرفة كبيرة وطرح صادق، وأن يكون الحديث بين الإفراط في إمكانياته وبين التفريط في أنه لازال في مهد التكوين. فأدوات الذكاء الاصطناعي تقوم اليوم بأعمال مذهلة بمعنى الكلمة، كانت ستكلفنا الكثير من المال والوقت والمجهود، ولكن من الناحية الأخرى ومع اعتيادنا أن نجعلها كالخادم لدينا، يسقينا حتى شرية الماء، أصبح الشكل البديهي لأداء المهام اليومية هو الدخول لأحد أدوات الذكاء الاصطناعي ومن ثم توجيهها لتنفيذ الأمر، وبهذا يتشكل أطر جديدة من العمل التي قد تقلب الكفة علينا ذات يومٍ، فنرى بأننا لم نستفد من كل الوقت الذي تُرك دون مزيد من العلم والخبرة.

قد يبدو الأمر شيئًا طبيعيًا في البداية، ويكون الاعتقاد السائد هو زيادة الإنتاجية وتوفير الوقت والعمل بشكل أسرع ومن ثم تنفيذ أكبر عدد ممكن من الإنجازات، ولكن خلف كل هذا يقع على عاتقنا مسئولية تدمير أنوية التفكير النقدي وإتعاب العقل في تنفيذ المهام؛ لجعله نسخة متطورة ومبدعة أكثر مما سبق، ولكن الحقيقة التي نغفلها أن العقل مثله مثل أي عضلة في الجسم، تتقوي وتشتد بكثرة التدريب الخاص بها، وقد يتعفن بسبب قلة تنشيطه وعمله، ولهذا فإن الاستخدام المفرط لأدوات الذكاء الاصطناعي لهو الطريق السهل لشل تقدم العقل البشري، وإخضاعه للكسل والتباطؤ وعدم القدرة على تحقيق ما يطلب منه ولو بشكل ضئيل.

فالآن لم يعد لمحركات البحث استخدام كبير، المعلومة تأتي جاهزة منسقة من الذكاء الاصطناعي، وكذلك الشرح والتلخيص، ومن ثم حل جميع المطاليب التعليمية والدراسية، وبعدها يأتي الدور في كافة المهام، ولعل أبرز ما يتم استخدامه هو إطار البرمجيات وكتابة الأوامر، فأصبح المهندسون يلقنونه المطلوب دون حتى المراجعة من بعده، وهو ما قد يُربك بيئة العمل حينما تظهر الأخطاء والمشاكل لاحقًا.

وقياسًا على ذلك، قمتُ بصياغة مفهوم جديد عن كيفية التعامل مع هذه الثورة الجبارة، وهو “صوم الذكاء الاصطناعي – AI Fasting” وأنا هنا لا أتحدث عن الانقطاع التام عن استخدام هذه الأدوات، فهذا محض التأخر عن المواكبة والتطور، ولكن الحديث هنا يأخذ مجرى التحكم في هذه الثورة ووضعها في موضع الصحة والعدل، فهي مثلها مثل ما اخترعه الانسان من أدوات لتسهيل حياته، ولكن تختلف في بعض جوانب القوة والسرعة وباقي الميزات عما سبقها. الصوم هنا يعنى تهذيب إعمال العقل في التأقلم والتعامل مع هذه الأدوات، وهي محل الوسط بين الاستخدام المفرط التي يُنحي العقل جانبًا دون عمل يعينه على المضي قدمًا نحو صورة جيدة، وبين التفريط فيه بجعله شرًا محضًا لا يُقترب منه.

هذه المصطلح – وأنا لا أعرف هل أُطلق من قبل أم لا – يعني التوافق المناسب في أداء المهام، بين ما يجب تركه للذكاء الاصطناعي وبين ما يجب ألا يفوت العقل تحقيقه، وهنا محور الكيفية. ولعلنا نسرد في الأسطر القادمة ما هو متوقع عمله:

  • أولاً: إن إعطاء الذكاء الاصطناعي زمام الأمور قد يعيق حركة التقدم، لا العكس كما يتوهم البعض بأنه سيتفوق في أدائه، إن القول في هذا الشأن يعتمد في المقام الأول على كيفية الطلب من الأداة، ولعل أبرز مما يجب فعله هو الوصف الدقيق لما هو مطلوب دون ترك الأمر بالكلية للذكاء الاصطناعي أو حتى مساحة الاختيار التي قد تضر بعملك لو قرر ما يراه صحيحًا وهو ليس بصحيح، فإنه وإن لمح الحرية في العمل، فقد يسير على عكس هواك ويعطي ما هو غير مرغوب فيه، ومن ثم يجب عدم الترك التام للأداة أن تفعل من نفسها لمجرد أنك طلبت منها طلب بشكل بدائي لا وصف فيه ولا تدقيق، وهذا المقصود بترك زمام الأمور للذكاء الاصطناعي، ولهذه يجب التنويه، أن ترك الحرية التامة للأداة قد تجعلها تفتعل ما تريده هي لا ما تريده أنت، وهذا باب كبير في ضياع الوقت في إعادة التنظيم والطلب من جديد.

    والحل هنا بعد أن تتأكد من أن المهمة هذه لا تؤثر على أداء عقلك، تقوم بتوجيهها توجيهًا صحيحًا؛ حفاظًا على وقتك، كأنك على سبيل المثال لا الحصر، تطلب البحث عن موضوع معين، وكلما كان علمك أكبر بما تود البحث عنه من مواضيع، كلما علتْ ورَقتْ جودة صياغتك في الأمر، وهذا بحاله ينعكس على جودة النتائج ودقة الوصول لمبتغاك.
  • ثانيًا: يجب أن لا يكون همك في المقام الأول هو الانتهاء من المهام بقدر ما يشغلك جودة المخرج النهائي، إنك إن ركزت على الوقت فقط، بارت سلعتك التي تقدمها للناس من منتجات أو خدمات، ولذلك قد ينهي الذكاء الاصطناعي مهامًا في وقت وجيز، ولكنها تفتقر للجودة، والأداء المرجو، وللتوسع المستقبلي لو كنت تعمل على مشروع كبير عملي أو تعليمي، ومن هذا الباب يجب عليك التأني في تقديم المخرجات قبل تسليمها.
  • ثالثًا: التفاوض على قدرات عقك بتركه في مستنقع الكسل، هو وبال شر عليك لاحقًا، هب أنك استيقظت في يوم ووجدت بأن التغيرات السياسية والحروب أودت بطرق استخدمنا لهذه الأدوات إلى التوقف التام، كما يتداول الحديث عن قطع خطوط إمداد الكهرباء والإنترنت، وبعد ما تركت عقلك شاردًا دون حراك ولا تقوية معتمدًا على أدوات الذكاء الاصطناعي، فما العمل حينها؟

    ستكون مضطرًا لأن تعيد بناء قدرات عقلك من جديد بعدما تراكم عليه تراب العفن الدماغي واختُزلت قواك العقلية في القراءة غير العميقة في مخرجات الذكاء الاصطناعي، وهذا قد يعيدنا إلى نقطة الصفر بشكل مؤسف، في مشهدٍ قد لا يكون الوقت في صالحك، ومن ثم فإن التوازن بين اختيار المهمة المناسبة لتمرين عقلك كالتفكير النقدي، ومتطلبات الذكاء العاطفي والتواصل، والإبداع والتطوير بشكل يناسب الواقع، وبين المهمة التي يجيد عملها الذكاء الاصطناعي، لهو خير دليل بين التقدم والاستفادة من قدرة هذه الثورة.
  • رابعا: لا تفّوت على عقلك فرصة الانتفاع من طرح أسئلة كيف ولماذا، فهي سبيل واسع يصقل من مهارات التفكير وإحكام القدرة على الفهم المواضيع والمفاهيم بشكل أعمق، وهذا ما تحتاجه في عصرٍ لم تعتمد فيه نخبة العلم والتكنولوجيا على السطحية في المعرفة والكيفية، كأن تسأل الذكاء الاصطناعي كيف تم هذا الحل ولماذا اخترته، وأنت أدرى بجانب عملك، اسأل أسئلة يمكنك الانتفاع من معرفة جوابها.
  • خامسا: قد لا يحالفك الحظ من الفهم الصحيح لكيفية توجيه الأدوات والتي تختلف من مستخدم لآخر، وهنا قد يكون من الأفضل أن تُزيد معرفتك باللغة الإنجليزية، وبفهم مواضيع هندسة الأوامر، هذه وإن كانت أدوات الذكاء الاصطناعي على فهم كبير من الأوامر وإن كانت في حالة صياغة رثّة، ولكن لازال السبق لمنْ يُجيد المهارتين السابقتين. وبمحاولة فهم طبيعة عملك والمهام التي تقوم بها، ينتج لك قائمة من المهام التي لا غنى لإعمال العقل فيها ولو بشقٍ يسير وهذا يحفظ عليك التأكد من حراكه الدائم وعمله المستمر، وقائمة أخرى للمهام التي قد يكون الأولوية فيها للتحقق والتدقيق من مخرجات الذكاء الاصطناعي بدلا من القيام ببذل المزيد من الوقت في إتمامها.
  • سادسا: الاختيار المناسب خير دليل للوجهة الصحيحة، فليس كل المواضيع التي تبحث عنها ولا كل الأسئلة التي ببالك، تتطلب منك استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

وإني لناصحٌ لك بأن تُجنّب الدين من كل مساعدة قد تخطر ببالك من أي أداة ذكاء اصطناعي، حتى ولو كانت الأدوات متخصصة، ولو اضطررت لاستخدامها فيجب عليك الحذر من كل ما يُطرح لك، فالدين ثمينٌ وقيم لا يعتمد على التأليف والتوجيه الضال، وأدوات الذكاء الاصطناعي قد يكون في بنيتها التحيز والانجرار نحو جانب على آخر وهذا قد يكون إلى مهلكة في قراراتك الدينية.

وإننا كما نحذر من استخدام الذكاء الاصطناعي فيما يتعلق بالأسئلة الدينية، فلابد أن تتجنب أيضا الأسئلة المعقدة عن علاقاتك بأسرتك والأمور النفسية التي قد تصيب المرء في أحيانٍ كثيرة، فالعلاقات البشرية أكبر من أن تُحصر في محادثة بينك وبين خوارزميات، شئنا أم أبينا هي في النهاية لا تمتلك الحدس الكافي لأن تعرف مدى تعقيد العلاقات والروابط الأسرية والشأن العائلي، فالطرح لمختص تربوي مثلاً يجعله يأخذ في الاعتبار المواضع الدينية، والقيم المجتمعية، والعادات و التقاليد، وحيثيات أخرى هي من شأن البديهة لدينا أن نفكر فيها في حلنا لمشاكلنا، وهذا تمامًا ما يتعارض مع الذكاء الاصطناعي والذي بصفته ينتج جملًا منمقًة تحمل الهشاش والضعف في حل مشكلة إنسان مع آخر؛ بسبب عدم اطلاعه على مجريات المشكلة من جذورها، والحل هنا يكمن في المضي قدمًا إما بطلب المساعدة من خبير، أو إعطاء المشكلة وقتًا حتى يتم فهمها بالقراءة والاطلاع، وما يستوجب فعله لحلها.

وهنا يأتي جانب التاريخ في البحث فيه والتعلم، والذي بدوره يمتلك جوانب غير مفهومة ومتناقضة، فالروايات كثيرة والأحداث أكثر. ولهذا، نرى بأن طلب المساعدة من أدوات الذكاء الاصطناعي في مهام تتعلق بالبحث في التاريخ، قد يضر بصاحبه بسبب إجابات لديها تحيز لرواية عن أخرى، فمن الخبرة والحرفية أن يقتصر دور الأداة هنا على البحث عن المصادر، ويُترك لك اختيار الرواية الصحيحة للحدث التاريخي بعد المقارنة والتدقيق والتنظيم.

  • سابعا: الأعمال المطولة دون خبرة مسبقة قد تهلكك ماديًا، فلقد قامت شركات الذكاء الاصطناعي بتضعيف رسوم الاشتراك في النسخ المدفوعة ذات القدرات الكبيرة، وهذه النسخ تستطيع القيام بأدوار مشابهة لعمل الخبراء، ولكن البدء دون منهجية واضحة وامتلاك هيكلة مناسبة لمشروعك قد يضرك؛ فإن لكل رد من ردود هذه الأدوات نصيبًا ماليًا من المبلغ المودع لديها، وهو ما يُترجم باستنفاد ما يسمى بالتوكينز – Tokens، أو قد تجد رسالة مفادها الانتظار لثلاث ساعات وأكثر حتى تعود الأدلة إلى عملها، هنا يبرز الدور المهم لمن قام وجرب بيده مثل هذه المشاريع فهو ليس بضالٍ عن الخطوات المحددة التي يصل بها للمنتج النهائي، وتظهر هذه الصورة جلية في عمل المهندسين وممتهني المهن الخاص بالتكنولوجيا.
  • ثامنا: الأعمال الأدبية هي من ينابيع إنسانية، وتمّلُك الأداة من إتمامها يُفقدها الحبكة البشرية التي تجعل البصيرة ملاذها الأول قبل البصر، فأي عمل كتابي يتطلب من مؤلفه بناءًا هيكليًا لكلمته، ولكن ما يفعله الذكاء الاصطناعي قد لا يزال قوالب جامدة من جملٍ بعيدة كل البعد عن الربط والتسلسل المترابط للأحداث، فلقد رأينا في الآونة الأخيرة كثير من الكتاب يتوجهون لهذا الحل حتى يزيد من غزارة انتاجه، ولكن يظل القارئ الفطن صاحب الذوق القرائي العالي لا يختار إلا ما نسجته أناملُ إنسانٍ مثله، يعي بما يقول ويربط الأحداث ببعضها حتى يُخرج لنا طرازًا جيدًا يقدم شيئًا جديرا بأن يُقرأ.

    ولكن على الجهة الأخرى من الأعمال، هناك أعمال قد لا يضر إكمالها بالأدوات، مثل الشرح الذي يحوي خطوات تنفيذية جامدة يقوم بها المتلقي لعقد شيءٍ ما، هنا قد يكون بذل المجهود في غير محله، فالعمل لا يتطلب سوى توصيل الكيفية بخطوات بسيطة وليس كلمة يجب أن تؤثر في مستقبِلها.

ختامًا، فإن الدعوة لصوم الذكاء الاصطناعي، إنما هي من ينبوع الرغبة الشديدة في الحفاظ على عقول الأجيال الصاعدة من تلف ترك العقول دون الجهد المطلوب للحفاظ على إنجازاتها وتفوقها الذي يُقاس بمدى التفنن الواضح من العقل والبعد عن كل ما هو دون الجودة والأداء العالي المرتقب، وهذا ليس من قبيل البعد التام عن هذه الثورة النافعة، ولكن قد يُتيح المرء لنفسه استخدامها فيما لا يحسن عمله حتى يُكامل جزءًا مع أجزائه الخاصة، ويترك ما يتقنه للقيام به بنفسه، أو حتى يترك الجزء الإبداعي لعقله لينطلق؛ ليُسطّر لوحات القدرة الإبداعية التي تكمن بداخله، وتحتاج من ينتشلها ويقف بها على رصيف النور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *