هل تواجه واشنطن أزمة ذخائر؟.. حرب إيران تضع الترسانة الأميركية أمام أصعب اختبار منذ عقود

eac47afafc6a242d6298ea7d22a09826

بعد مرور 5 أشهر على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، لم يعد السؤال داخل الدوائر العسكرية الأميركية يتعلق بنتائج الضربات الجوية أو حجم الخسائر التي لحقت بالمنشآت الإيرانية، بل أصبح يدور حول قضية أكثر حساسية وتأثيرًا في الأمن القومي الأميركي: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة مواصلة خوض عمليات عسكرية مكثفة إذا استمرت وتيرة استهلاك الصواريخ والذخائر الإستراتيجية بالمعدلات الحالية؟.

هذا السؤال لا تطرحه وسائل الإعلام وحدها، بل أصبح حاضرًا في جلسات الكونجرس، وتقارير مراكز الأبحاث، والنقاشات المغلقة داخل وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون).

وبينما تتمسك الإدارة الأميركية بسياسة التكتم الكامل بشأن حجم مخزونها الحقيقي من الذخائر، فإن المؤشرات الصادرة عن مسؤولين عسكريين وتقارير استخباراتية وتحليلات مراكز الدراسات تكشف أن الحرب الأخيرة فرضت ضغوطًا غير مسبوقة على واحدة من أكبر الترسانات العسكرية في العالم.

ورغم أن واشنطن تؤكد باستمرار أن قواتها تمتلك كل ما تحتاجه لتنفيذ أي عملية عسكرية، فإن الخبراء يلفتون إلى أن المشكلة لا تكمن في امتلاك آلاف الصواريخ، بل في معدل استهلاكها مقارنة بسرعة إنتاجها، وهي معادلة قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا اندلعت مواجهة واسعة مع قوة عسكرية كبرى.

1000325090

سرية مطلقة حول حجم المخزون

منذ عقود، تعتبر الولايات المتحدة حجم مخزونها من الصواريخ والذخائر الدقيقة أحد أكثر أسرارها العسكرية حساسية، ولذلك لا تعلن وزارة الدفاع أرقامًا رسمية حول عدد الصواريخ الموجودة في الخدمة أو الاحتياطي، سواء في أوقات السلم أو أثناء الحروب. ويرى المسؤولون الأميركيون أن الكشف عن هذه البيانات يمنح الخصوم، مثل الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، فرصة لتقييم قدرة الجيش الأميركي على مواصلة العمليات العسكرية، كما يسمح لهم بتقدير الوقت الذي قد تحتاجه واشنطن لإعادة بناء ترسانتها بعد أي مواجهة واسعة.

وخلال جلسة في مجلس الشيوخ الأمريكي ، أشار السيناتور مارك كيلي، وهو طيار سابق في البحرية الأميركية، إلى أن الحرب الأخيرة استهلكت أعدادًا كبيرة من صواريخ كروز وصواريخ الدفاع الجوي، محذرًا من أن أي تصعيد جديد قد يزيد الضغط على المخزونات الإستراتيجية، خصوصًا في ظل استمرار الالتزامات العسكرية الأميركية في أوروبا والشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.

في المقابل، رفض مسؤولو البنتاجون تقديم أي أرقام، مؤكدين أن هذه المعلومات تندرج ضمن الملفات السرية التي لا يجوز تداولها علنًا.

حرب قصيرة باستهلاك يعادل سنوات

تكشف تقديرات مراكز الدراسات الأميركية أن العمليات العسكرية ضد إيران شهدت أحد أعلى معدلات استخدام الذخائر الدقيقة في تاريخ الحروب الحديثة، فالصواريخ بعيدة المدى أصبحت السلاح المفضل للقوات الأميركية، لأنها تسمح بضرب الأهداف دون المخاطرة بالطائرات أو الجنود، لكنها في الوقت نفسه من أكثر الأسلحة تكلفة وتعقيدًا في التصنيع.

وتشير تقديرات متداولة في الأوساط البحثية إلى أن القوات الأميركية استخدمت خلال الأسابيع الأولى من الحرب مئات الصواريخ من طراز “توماهوك”، إضافة إلى كميات كبيرة من صواريخ JASSM بعيدة المدى، وصواريخ الدفاع الجوي “باتريوت” و”ثاد”، فضلًا عن صواريخ SM-3 وSM-6 المستخدمة في الدفاع البحري.

ورغم عدم وجود أرقام رسمية تؤكد حجم الاستهلاك، فإن غالبية الدراسات تتفق على أن معدل استخدام هذه الصواريخ كان الأعلى منذ حرب العراق، وربما الأعلى في تاريخ استخدام بعض هذه المنظومات.

1000325082

ويشير محللون عسكريون إلى أن الحرب الحديثة تختلف جذريًا عن الحروب التقليدية، إذ تعتمد الولايات المتحدة بصورة متزايدة على الذخائر الموجهة بدقة، وهو ما يرفع من كلفة كل ضربة عسكرية، لكنه في المقابل يقلل الخسائر البشرية.

المشكلة ليست في النفاد بل في سرعة التعويض

يرى خبراء الصناعات الدفاعية أن الحديث عن “نفاد” الترسانة الأميركية مبالغ فيه، فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك أكبر مخزون من الذخائر المتطورة في العالم، لكن القلق الحقيقي يتمثل في الفجوة بين سرعة الاستهلاك وسرعة الإنتاج.

فالصواريخ الحديثة لا تُصنع كما تُصنع الذخائر التقليدية، بل تعتمد على إلكترونيات متقدمة، ومحركات دقيقة، وأنظمة ملاحة بالأقمار الصناعية، ومكونات تنتجها عشرات الشركات في ولايات أميركية مختلفة، إضافة إلى موردين من دول حليفة. ويعني ذلك أن تصنيع صاروخ واحد قد يحتاج إلى شهور طويلة، بينما يمكن إطلاق عشرات الصواريخ خلال يوم واحد من العمليات العسكرية.

وتشير تقديرات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن بعض الصواريخ، مثل “توماهوك” و”ثاد” و”باتريوت”، قد تحتاج إلى ثلاث سنوات أو أكثر لتعويض الكميات المستهلكة بالكامل، بينما يمكن إعادة إنتاج بعض الصواريخ الأخرى خلال مدد أقصر بفضل توسع خطوط التصنيع في السنوات الأخيرة.

الصناعة الدفاعية أمام اختبار غير مسبوق

دفعت الحرب الإدارة الأميركية إلى إعادة النظر في فلسفة التصنيع العسكري التي سادت بعد نهاية الحرب الباردة، فعلى مدى سنوات، اعتمدت وزارة الدفاع على شراء أعداد محدودة من الصواريخ سنويًا، باعتبار أن الحروب الكبرى أصبحت أقل احتمالًا، وأن العمليات العسكرية ستكون قصيرة ومحدودة.

لكن الحرب في أوكرانيا، ثم المواجهة مع إيران، أظهرت أن الحروب الحديثة قد تستهلك كميات هائلة من الذخائر الدقيقة خلال فترة زمنية قصيرة، ولهذا بدأت واشنطن في الضغط على الشركات الكبرى، مثل “لوكهيد مارتن” و”رايثيون” و”نورثروب غرومان”، لزيادة الطاقة الإنتاجية، مع تقديم حوافز مالية وعقود طويلة الأجل تمنح الشركات القدرة على توسيع المصانع والاستثمار في خطوط إنتاج جديدة.

كما استخدمت الإدارة الأميركية قانون الإنتاج الدفاعي لتسريع توفير المكونات الحساسة وإزالة العقبات البيروقراطية التي كانت تؤخر التصنيع.

1000325076

ورغم ذلك، يؤكد مسؤولو الصناعة الدفاعية أن زيادة الإنتاج لا تتحقق بقرار سياسي فقط، إذ تحتاج المصانع إلى عمالة مدربة، وموردين جدد، ومعدات متخصصة، وهو ما قد يستغرق سنوات قبل أن تظهر نتائجه على أرض الواقع.

ترامب بين الطمأنة والواقع العسكري

في المقابل، حرص الرئيس الأميركي دونالد ترامب على التقليل من المخاوف المتعلقة بالمخزون العسكري، وأكد في أكثر من مناسبة أن الولايات المتحدة تمتلك ما يكفي من الصواريخ والأسلحة المتطورة، مشيرًا إلى أن شركات الصناعات الدفاعية وافقت على مضاعفة الإنتاج عدة مرات، وأن الجيش الأميركي لن يواجه نقصًا يؤثر في قدرته على تنفيذ أي عملية عسكرية.

غير أن هذه التصريحات لم تُنهِ الجدل داخل الأوساط العسكرية، حيث أن عدد من التقارير الأميركية تحدث عن مناقشات داخل مجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع بشأن كيفية إدارة المخزون الإستراتيجي إذا استمرت الحرب لفترة أطول، أو إذا اضطرت الولايات المتحدة إلى خوض مواجهة متزامنة في أكثر من مسرح عمليات.

وتشير هذه المناقشات إلى تحول مهم في التفكير العسكري الأميركي، إذ لم يعد السؤال يدور حول القدرة على الانتصار في حرب واحدة، بل حول القدرة على خوض عدة صراعات متزامنة دون استنزاف الترسانة الإستراتيجية أو التأثير في الالتزامات الدفاعية تجاه الحلفاء.

هل أصبحت الصين المستفيد الأكبر؟

بعيدًا عن ساحات القتال في الشرق الأوسط، ينظر المخططون العسكريون في واشنطن إلى الحرب مع إيران من زاوية مختلفة تمامًا، فالتحدي الحقيقي بالنسبة للولايات المتحدة لم يكن إيران بحد ذاتها، وإنما تأثير استنزاف الذخائر على قدرتها على مواجهة منافسين إستراتيجيين أكبر، وفي مقدمتهم الصين. فعلى مدار العقد الأخير، أعادت وزارة الدفاع الأميركية توجيه أولوياتها العسكرية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، باعتبارها المسرح الأكثر أهمية في المنافسة مع بكين، وتقوم العقيدة العسكرية الأميركية هناك على استخدام أعداد هائلة من الصواريخ بعيدة المدى والدقيقة لتدمير السفن الحربية الصينية، وقواعد الصواريخ، وأنظمة الدفاع الجوي، ومراكز القيادة والسيطرة، في حال اندلاع أي مواجهة حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي، لكن هذا النوع من الصواريخ هو نفسه الذي استُخدم بكثافة في الحرب ضد إيران.

1000325088

ويرى خبراء عسكريون أن استمرار استنزاف هذه الذخائر في الشرق الأوسط قد يحد من قدرة الولايات المتحدة على خوض نزاع طويل في آسيا، أو يجبرها على إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية بين الجبهتين.

ولهذا السبب، بدأت بعض التقارير الأميركية تتحدث عن “مشكلة توزيع الموارد”، إذ لم تعد القضية مرتبطة فقط بحجم الترسانة، وإنما بكيفية توزيعها بين القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط، والقيادة الأوروبية، والقيادة المسؤولة عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

معضلة الحلفاء.. من يحصل على الصواريخ أولًا؟

لا تقتصر الضغوط على احتياجات الجيش الأميركي وحده، بل تمتد إلى التزامات واشنطن تجاه حلفائها حول العالم، فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، أصبحت الولايات المتحدة المورد الرئيسي لمنظومات الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية لكييف، خاصة صواريخ “باتريوت” وذخائر الدفاع الجوي الأخرى.

وفي الوقت نفسه، تطالب دول الخليج بتعزيز دفاعاتها الجوية في ظل استمرار التهديدات الصاروخية، بينما تسعى اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية إلى زيادة مخزوناتها من الصواريخ بعيدة المدى تحسبًا لأي تصعيد مع الصين أو كوريا الشمالية.

وهذا يعني أن المصانع الأميركية أصبحت مطالبة بتلبية احتياجات الجيش الأميركي، إلى جانب تنفيذ العقود العسكرية الموقعة مع عشرات الدول الحليفة.

وتشير تقديرات خبراء الصناعات الدفاعية إلى أن بعض الطلبات الأجنبية قد تواجه تأجيلًا في التسليم، ليس بسبب نقص التمويل، وإنما بسبب محدودية الطاقة الإنتاجية الحالية، وهو ما قد ينعكس على الجداول الزمنية لبرامج التسلح في عدد من الدول.

لماذا يصعب تصنيع الصواريخ الحديثة؟

قد يظن البعض أن زيادة الإنتاج مسألة تتعلق فقط بفتح خطوط تصنيع جديدة، لكن الواقع أكثر تعقيدًان خاصة أن الصواريخ الحديثة تضم آلاف المكونات الدقيقة، تشمل شرائح إلكترونية متطورة، وأنظمة توجيه تعتمد على الأقمار الصناعية، ومستشعرات، ومحركات تعمل بالوقود الصلب، وبرمجيات عالية التعقيد، إضافة إلى مواد مركبة تتحمل درجات حرارة وضغوطًا هائلة.

وتنتج هذه المكونات عبر شبكة واسعة من الموردين، بعضهم يصنع قطعة واحدة فقط تدخل في مئات الصواريخ المختلفة.

وأظهرت الحربان في أوكرانيا وإيران هشاشة بعض سلاسل التوريد، خاصة فيما يتعلق بالمكونات الإلكترونية والمعادن النادرة، وهو ما دفع وزارة الدفاع الأميركية إلى مراجعة اعتمادها على الموردين الخارجيين، والعمل على توطين جزء أكبر من الصناعات الدفاعية داخل الولايات المتحدة.

كما تواجه الشركات تحديًا آخر يتمثل في نقص العمالة الفنية المتخصصة، إذ يحتاج إنتاج الصواريخ الحديثة إلى مهندسين وفنيين ذوي خبرات دقيقة، لا يمكن تعويضهم سريعًا.

هل تكفي البدائل الأرخص؟

في مواجهة هذا الواقع، بدأ الجيش الأميركي في توسيع استخدام ذخائر أقل تكلفة في بعض المهام التي لا تستدعي إطلاق صواريخ إستراتيجية مرتفعة الثمن.

وتشمل هذه البدائل القنابل الموجهة عبر الأقمار الصناعية (JDAM)، والقنابل الصغيرة القطر (SDB)، وصواريخ جو-أرض قصيرة المدى مثل (JAGM)، وهي أسلحة تحقق دقة عالية في استهداف الأهداف القريبة، لكنها لا توفر المدى الكبير الذي تتميز به صواريخ “توماهوك” أو “JASSM”.

ويرى محللون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإدارة المخزون بكفاءة أكبر، عبر تخصيص الصواريخ الإستراتيجية للأهداف ذات القيمة العسكرية العالية، بينما تُستخدم الذخائر الأقل تكلفة ضد الأهداف التكتيكية.

كما تعمل البحرية الأميركية على تطوير أساليب جديدة لنشر منظومات الدفاع الجوي، بما في ذلك دمج بعض الصواريخ الاعتراضية مع السفن الحربية لزيادة مرونة الانتشار، بالتوازي مع خطط لرفع إنتاج النسخ المطورة من صواريخ “باتريوت” خلال السنوات المقبلة.

1000325089

هل تغيرت طبيعة الحروب الحديثة؟

أحد أهم الدروس التي خرجت بها المؤسسة العسكرية الأميركية من الحرب الأخيرة يتمثل في أن الحروب الحديثة أصبحت تعتمد بصورة غير مسبوقة على الذخائر الدقيقة بعيدة المدى. ففي العقود الماضية، كانت القوة العسكرية تعتمد على عدد الدبابات والطائرات والجنود، أما اليوم فأصبحت القدرة على إنتاج الصواريخ الذكية والمحافظة على مخزون كافٍ منها عنصرًا حاسمًا في موازين القوة.

وتشير تقارير عسكرية إلى أن بعض الصراعات الأخيرة استهلكت خلال أشهر قليلة كميات من الذخائر كانت تكفي سابقًا لسنوات من العمليات العسكرية المحدودة، الأمر الذي دفع العديد من الدول الغربية إلى مراجعة تقديراتها الخاصة بالمخزون الإستراتيجي.

ولم تعد الولايات المتحدة وحدها من تواجه هذا التحدي، إذ بدأت دول أوروبية أيضًا في زيادة الإنفاق على الصناعات الدفاعية، وإنشاء خطوط إنتاج جديدة للذخائر والصواريخ، بعد أن كشفت الحرب الروسية الأوكرانية هشاشة المخزونات الغربية أمام النزاعات الممتدة.

بين الطمأنة الرسمية والتحذيرات العسكرية

رغم التصريحات المطمئنة الصادرة عن البيت الأبيض والبنتاجون، فإن القراءة المتأنية للمواقف الرسمية تكشف وجود توازن دقيق بين رسالتين متوازيتين.

الأولى، موجهة إلى الخصوم، ومفادها أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك القدرة العسكرية الكافية لردع أي تهديد، وأن الحديث عن ضعف الترسانة مبالغ فيه، أما الرسالة الثانية، فهي موجهة إلى الكونغرس وشركات الصناعات الدفاعية، وتؤكد الحاجة إلى استثمارات إضافية وتسريع برامج الإنتاج، تحسبًا لأي نزاع طويل الأمد.

وتشير تقارير إعلامية أميركية إلى أن هذا الإدراك دفع الإدارة إلى مراجعة خطط المشتريات الدفاعية، وزيادة التمويل المخصص لإنتاج الصواريخ الاعتراضية والذخائر بعيدة المدى، مع التركيز على تقليص الزمن الفاصل بين توقيع العقود وتسليم الأسلحة.

سباق مع الزمن

يرى خبراء الأمن القومي أن الولايات المتحدة لا تواجه اليوم أزمة نقص فوري في الذخائر، لكنها تخوض سباقًا مع الزمن للحفاظ على تفوقها العسكري في عالم تتزايد فيه بؤر التوتر. فالحرب مع إيران، وقبلها الحرب في أوكرانيا، أظهرتا أن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بالتكنولوجيا المتقدمة، بل أيضًا بقدرة الدولة على إنتاج كميات كبيرة من الذخائر وتعويض ما يُستهلك منها بسرعة.

ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي أمام واشنطن لا يكمن في عدد الصواريخ الموجودة داخل المستودعات حاليًا، بل في قدرتها على الحفاظ على مخزون إستراتيجي يسمح بخوض أكثر من مواجهة في توقيت متقارب، دون التأثير في التزاماتها العسكرية المنتشرة عبر العالم.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الإدارة الأميركية أن جاهزية القوات لم تتأثر، يرى كثير من المحللين أن الأشهر المقبلة ستكون اختبارًا مهمًا لنجاح خطط إعادة بناء المخزون، فإذا تمكنت الولايات المتحدة من تسريع الإنتاج وتجاوز اختناقات سلاسل التوريد، فستحافظ على هامش التفوق الذي اعتادت امتلاكه لعقود، أما إذا استمرت معدلات الاستهلاك في تجاوز معدلات التصنيع، فقد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية، والموازنة بين متطلبات الردع في الشرق الأوسط، والدعم المستمر للحلفاء، والاستعداد لاحتمالات المنافسة مع الصين وروسيا في السنوات المقبلة.

وبذلك، لم يعد ملف الذخائر مجرد قضية لوجستية داخل البنتاجون، بل تحول إلى أحد أبرز المؤشرات على قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على مكانتها العسكرية العالمية في مرحلة تتسم بتعدد الأزمات وتشابك مسارح الصراع، حيث أصبح امتلاك السلاح لا يقل أهمية عن القدرة على إنتاجه وتجديده باستمرار.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *