في واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، اجتاحت فيضانات مفاجئة وانهيارات طينية مناطق على الحدود بين نيبال والتبت، مخلفة مئات القتلى والمفقودين، ومحو قرى ومناطق تجارية بالكامل، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تبحث وسط الركام والوحل عن ناجين.
وبحسب أحدث حصيلة أعلنتها الشرطة النيبالية الخميس 27 أغسطس 2026م، الموافق 14 ربيع الأول 1448هـ، لقي ما لا يقل عن 270 شخصًا مصرعهم في المناطق المتضررة من الفيضانات، بينما تتواصل عمليات البحث عن مفقودين، بينهم أكثر من 600 سائح.
وفي الجانب الصيني من الحدود، أعلنت وسائل الإعلام الرسمية مقتل ثلاثة أشخاص وفقدان 265 آخرين في انهيار طيني قرب مركز حدودي في التبت، ما يرفع الحصيلة الإجمالية المؤكدة في الجانبين إلى 273 قتيلًا على الأقل. كما أعلنت الهند تعذر الاتصال بـ288 من مواطنيها عقب الكارثة.
ولا تزال الصورة النهائية للخسائر غير مكتملة، في ظل استمرار عمليات البحث والإنقاذ وصعوبة الوصول إلى عدد من المناطق التي غمرتها المياه والطين.
انهيار هائل يبتلع المباني والسيارات
تكشف صور التقطتها كاميرات مراقبة على الجانب الصيني حجم القوة الهائلة للانهيار.
وتظهر اللقطات عشرات الأشخاص وهم يفرون من أمام كتلة ضخمة من المياه والركام والطين، بينما اجتاح الانهيار مبنى متعدد الطوابق قبل أن يبتلعه بالكامل، وقذف شاحنات وحافلات بعيدًا عن مواقعها.
وفي المناطق النيبالية الأكثر تضررًا، أظهرت الصور التي وزعتها الشرطة سيولًا عارمة تجتاح مجاري الأنهار وتقتلع المنازل، فيما لم يظهر من بعض المباني سوى أجزاء من طوابقها العليا بعدما دفنتها طبقات من الوحل.
وقال ديفيد فيشر، ممثل الاتحاد الدولي لجمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر في نيبال، إن قرى ومناطق تجارية «مُحيت من الوجود»، مشيرًا إلى استعداد الاتحاد لإرسال مساعدات وإمدادات طارئة إلى المناطق المنكوبة.
نواكوت.. شهادات من قلب الكارثة
كانت منطقة نواكوت في نيبال بين أكثر المناطق تضررًا، وروت ناجية تدعى كالبانا مالا كيف شاهدت أفرادًا من عائلتها وهم يُجرفون أمام عينيها.
وقالت إن والدها ووالدتها وشقيقتها وأطفال شقيقتها جرفتهم المياه، ولم يتمكنوا من الهرب، بينما نجت هي وابنها بعد الوصول إلى سطح منزل.
وتعكس شهادتها طبيعة الفيضان المفاجئ، إذ لم يكن لدى كثير من السكان الوقت الكافي لإخلاء منازلهم أو الوصول إلى مناطق مرتفعة.
أما ابنها سوغام مالا، فقال إنه تمكن من سحب والدته إلى مكان آمن، بينما لا يزال مصير شقيقته مجهولًا بعد انقطاع الاتصال بها وإغلاق هاتفها.
وفي شهادة أخرى، قالت غوما بانديت إن المياه جرفت مواشيها وأراضيها الزراعية، إضافة إلى كميات كبيرة من محاصيل الذرة والأرز وبذور الخردل، لتخسر بذلك مصدر رزقها في غضون ساعات.
أكثر من 600 سائح في عداد المفقودين
لم تقتصر الخسائر على سكان المناطق الحدودية، حيث أعلنت هيئة السياحة في نيبال وجود مئات الأشخاص الذين تعذر الوصول إليهم، بينهم مواطنون من الهند وأستراليا وبريطانيا وماليزيا وهولندا والبرتغال وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة.
وسجلت الهيئة 142 مواطنًا هنديًا ضمن المفقودين، بينما أعلنت وزارة الخارجية الهندية بصورة منفصلة أن 288 من مواطنيها لا يزال تعذر الاتصال بهم.
ويزيد وجود السياح من تعقيد عمليات البحث، بسبب صعوبة تحديد أماكن وجودهم بعد انقطاع الطرق وتضرر وسائل الاتصال ومحاصرة بعض المناطق بالمياه والركام.
وفي الوقت نفسه، واصل الجيش النيبالي تنفيذ طلعات جوية للبحث عن ناجين ونقل من أمكن إجلاؤهم من المناطق المعزولة.

لماذا حدثت الفيضانات؟
لم تُحسم حتى الآن الأسباب النهائية للكارثة، لكن مسؤولين نيباليين وخبراء طرحوا عدة احتمالات، من بينها وقوع انهيار أرضي أو صخري أدى إلى سد مجرى نهر في منطقة جبلية، قبل أن تنفجر المياه في اتجاه المناطق المنخفضة بقوة كبيرة.
وقال وزير الخارجية النيبالي شيشير خانال إن زلزالًا ربما يكون قد تسبب في انزلاق تربة أدى إلى إغلاق مجرى النهر، قبل أن تتراكم المياه ثم تندفع بشكل مفاجئ إلى المناطق الواقعة أسفل المجرى.
وفي المقابل، رجّحت الهيئة الوطنية لإدارة مخاطر الكوارث في نيبال أن يكون انهيار صخري جليدي على الحدود بين نيبال والصين وراء الفيضانات.
لكن الباحث سارثاك شريستا من المركز الدولي للتنمية المتكاملة للمناطق الجبلية قال إن التقييمات الأولية لم تظهر مؤشرات غير طبيعية على الجانب الصيني، مرجحًا وقوع انهيار صخري جليدي داخل نيبال أدى إلى سد مجرى نهر ليندي وإطلاق سلسلة الفيضانات.
خطر فيضان ثانٍ
الأخطر أن الكارثة ربما لم تنته بعد، حيث حذر خبراء من استمرار وجود انسداد في مجرى أحد الأنهار عند المنبع، ما يرفع احتمال تشكل بحيرة مائية جديدة يمكن أن تتحرر منها كميات كبيرة من المياه بصورة مفاجئة.
وقال تشيانغونغ تشانغ، رئيس قسم مخاطر المناخ والبيئة في المركز الدولي للتنمية المتكاملة للمناطق الجبلية، إن السلطات تحذر من احتمال وقوع فيضان ثانٍ طالما ظل مجرى النهر مسدودًا.
ويعني ذلك أن فرق الإنقاذ والسكان في المناطق القريبة لا يواجهون فقط آثار الكارثة الأولى، وإنما احتمال وقوع موجة جديدة من السيول والانهيارات.
ولهذا تعمل السلطات على إجلاء السكان المقيمين في المناطق الأكثر عرضة للخطر ونقلهم إلى مواقع أكثر أمنًا.
التبت.. عمليات إنقاذ واسعة
على الجانب الصيني، حشدت سلطات التبت نحو 800 من عناصر الطوارئ، إلى جانب 150 آلية، وكلاب بوليسية مدربة وقوارب سريعة للمشاركة في عمليات البحث والإنقاذ.
وجاءت هذه الاستجابة عقب انهيار طيني ضرب منطقة ميناء غيرونغ الحدودية، وأدى إلى خسائر بشرية كبيرة وأضرار واسعة.
ودعا الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى بذل كل الجهود الممكنة للبحث عن المفقودين وإنقاذهم، في ظل استمرار عمليات رفع الركام والبحث في المناطق المتضررة.
لكن التضاريس الجبلية الوعرة وتضرر الطرق والبنية التحتية تجعل الوصول إلى بعض المواقع بالغ الصعوبة.
الكهرباء والبنية التحتية تحت الضغط
لم تقتصر تداعيات الكارثة على الأرواح والمنازل. فقد أعلنت مؤسسة الكهرباء في نيبال تضرر نحو 430 ميغاواط من قدرات إنتاج الطاقة، ما تسبب في اضطرابات في إمدادات الكهرباء.
وتضاف هذه الخسائر إلى تضرر الطرق والمساكن والمناطق الزراعية، وتعطل حركة النقل والاتصالات في المناطق التي اجتاحتها المياه والركام.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح عمليات الإنقاذ نفسها أكثر تعقيدًا، لأن الفرق تحتاج إلى الوصول إلى السكان في مناطق لا تعمل فيها الطرق بصورة طبيعية، بينما يحد انقطاع الكهرباء والاتصالات من قدرة السكان على طلب المساعدة.

الهند وبريطانيا تعرضان المساعدة
ومع تزايد أعداد المفقودين، أعلنت دول مجاورة استعدادهم للمساعدة، وقال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إن حكومته مستعدة لتقديم جميع أنواع المساعدات الإنسانية الممكنة إلى نيبال، بينما أكد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام أن حكومته ستبذل كل ما تستطيع لدعم المواطنين البريطانيين الموجودين في المناطق المتضررة.
وتكثف السلطات النيبالية في الوقت نفسه عمليات الإجلاء، فيما تعمل فرق الإنقاذ على الوصول إلى المناطق المعزولة والبحث عن ناجين وسط الطين والركام.
كارثة تكشف هشاشة المناطق الجبلية
تزداد صعوبة التعامل مع الكوارث الطبيعية في المناطق الجبلية بسبب طبيعة التضاريس، التي تجعل الانهيارات الأرضية وسد مجاري الأنهار والسيول المفاجئة أكثر خطورة.
وفي هذه الكارثة تحديدًا، أدى تداخل التضاريس الوعرة مع الانهيارات والفيضانات المفاجئة إلى تقليص الوقت المتاح للسكان للاستجابة، وجعل مواقع عديدة تتحول خلال دقائق من مناطق مأهولة إلى مساحات مغطاة بالطين والمياه.
كما يراقب العلماء التأثير المتزايد لتغير المناخ على شدة وتواتر الظواهر الجوية المتطرفة في منطقة الهيمالايا، وإن كان تحديد الدور المباشر لتغير المناخ في هذه الكارثة يحتاج إلى دراسات أكثر تفصيلًا.
سباق مع الزمن قبل الموجة التالية
مع ارتفاع حصيلة الضحايا واستمرار البحث عن المفقودين، تدخل نيبال مرحلة سباق مع الزمن.
فأمام فرق الإنقاذ مهمة مزدوجة: البحث عن ناجين تحت الركام، وفي الوقت نفسه منع وقوع كارثة ثانية بسبب احتمال انهيار السد الطبيعي الذي تشكل في مجرى النهر.
وتبقى أعداد المفقودين مفتوحة على الارتفاع، خصوصًا مع استمرار تعذر الاتصال بمئات الأشخاص، بينهم سياح وأجانب وسكان من القرى الأكثر تضررًا.
وفي مناطق مثل نواكوت، لا تتوقف الخسائر عند الأرواح؛ فالأراضي الزراعية والمواشي والمنازل ومصادر الدخل اختفت في غضون ساعات، ما يعني أن آثار الكارثة ستبقى فترة طويلة بعد انحسار المياه.






اترك تعليقاً