مسلمو راجستان يحتجون على «القانون المدني الموحد».. مخاوف من استهداف أحكام الشريعة في الأحوال الشخصية

16 copy

تشهد ولاية راجستان الهندية موجة اعتراض من المؤسسات الإسلامية على مشروع «القانون المدني الموحد» (UCC) الذي قدمته حكومة الولاية، بقيادة حزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم، وسط مخاوف من أن يؤدي إقراره إلى تقليص العمل بقوانين الأحوال الشخصية الإسلامية وإخضاع قضايا الزواج والطلاق والميراث وغيرها لقواعد موحدة تفرضها الدولة.

ونظم «منتدى مسلمي راجستان»، عقب صلاة الجمعة في مجمع «مسافر خانة» بطريق موتي دونغري في مدينة جايبور، احتجاجًا شارك فيه عدد كبير من الرجال والنساء، مطالبين حكومة الولاية بسحب المشروع وإعادة النظر فيه عبر مشاورات أوسع مع مختلف مكونات المجتمع. وحاول المحتجون التوجه نحو مقر الجمعية التشريعية للولاية، إلا أن الشرطة اعترضت طريقهم وأقامت حواجز أمنية، قبل السماح لممثلين عنهم بتسليم مذكرة بمطالبهم إلى المسؤولين.

وجاءت الاحتجاجات بعد تقديم حكومة راجستان «مشروع القانون المدني الموحد لعام 2026» إلى الجمعية التشريعية في 21 أغسطس/آب، وسط اعتراضات من نواب المعارضة. ومن المتوقع ألا تبدأ المناقشات التفصيلية حول المشروع قبل عودة المجلس للانعقاد في نوفمبر/تشرين الثاني، بعد الانتخابات المحلية.

ماذا يريد القانون الجديد؟

يسعى المشروع إلى إخضاع مجموعة واسعة من مسائل الأحوال الشخصية لقواعد قانونية مشتركة لسكان الولاية، وتشمل الزواج والطلاق والميراث والنفقة والعلاقات خارج إطار الزواج، بدل استمرار خضوع بعض هذه المسائل للقوانين الشخصية الخاصة بكل طائفة دينية.

وفي باب الزواج، يحدد المشروع الحد الأدنى للسن بـ21 عامًا للرجل و18 عامًا للمرأة، ويلزم بتسجيل الزيجات، ويمنع الشخص المتزوج من عقد زواج آخر ما دامت الزوجية الأولى قائمة؛ وهو ما يعني عمليًا منع تعدد الزوجات الذي تجيزه الشريعة الإسلامية للرجل بشروطه المعروفة.

وفي الوقت نفسه، يعترف المشروع بطريقة إجراء مراسم الزواج وفق تقاليد الأديان المختلفة، ومنها عقد النكاح عند المسلمين وطقوس الزواج لدى الهندوس والسيخ والنصارى. إلا أن الاعتراف بالشكل الديني لإبرام الزواج لا يعني، بحسب المعترضين، الإبقاء على الأحكام الشرعية المنظمة له؛ إذ تصبح الآثار القانونية للزواج والطلاق والميراث وغيرها خاضعة للإطار الموحد الذي تضعه الدولة.

لماذا يعترض المسلمون؟

يرى «منتدى مسلمي راجستان» أن القضية تتجاوز مجرد تنظيم إداري للزواج، لأنها تمس منظومة من الأحكام التي يحتكم إليها المسلمون في شؤون الأسرة، ويعتبرونها جزءًا من التزامهم الديني.

وقال المحامي وعضو المنتدى سروار علام إن المشروع يستهدف، في رأيه، قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين بصورة غير متناسبة، معتبرًا أنه يتعارض مع الحرية الدينية التي يكفلها الدستور الهندي. كما أثار تساؤلًا بشأن وصف القانون بأنه «موحد» في الوقت الذي تستثني فيه الحكومة القبائل المصنفة وبعض الفئات التي تحظى أعرافها بحماية دستورية من تطبيقه.

وهذه النقطة تحديدًا تحتل مساحة مهمة من اعتراض المؤسسات الإسلامية: فإذا كانت الغاية المعلنة هي إيجاد قانون واحد يسري على جميع المواطنين، فلماذا يسمح لبعض المجتمعات بالاحتفاظ بقوانينها وأعرافها الخاصة، بينما تطالب مجتمعات أخرى بالتخلي عن أجزاء من منظومتها الدينية في الأحوال الشخصية؟

المادة 44 والخلاف الدستوري

وتستند الحكومة في طرحها للقانون المدني الموحد إلى المادة 44 من الدستور الهندي، التي تنص على أن تسعى الدولة إلى تأمين قانون مدني موحد للمواطنين.

لكن المؤسسات الإسلامية المحتجة تشير إلى أن المادة 44 تقع ضمن «المبادئ التوجيهية لسياسة الدولة»، وليست من الحقوق أو الأحكام القابلة للتنفيذ القضائي المباشر بالطريقة ذاتها التي تطبق بها الحقوق الأساسية.

وفي مذكرتها، أثارت المؤسسات المحتجة أسئلة بشأن التوفيق بين السعي إلى قانون موحد وبين الحقوق الدستورية المتعلقة بحرية الدين والمساواة وعدم التمييز والخصوصية والحقوق الثقافية.

ومن هنا يصبح الخلاف أعمق من نقاش فني حول قوانين الزواج؛ فهو يتعلق بالسؤال عن الحدود بين سلطة الدولة في توحيد التشريعات وحق الأقليات الدينية في تنظيم شؤون الأسرة وفق معتقداتها.

الأحوال الشخصية الإسلامية تحت الضغط

يتمتع المسلمون في الهند منذ عقود بمنظومة للأحوال الشخصية تتيح تطبيق أحكام خاصة في عدد من القضايا الأسرية، ولذلك أثارت مشاريع «القانون المدني الموحد» المتعاقبة معارضة قوية من عدد من الهيئات الإسلامية، التي تخشى أن تكون النتيجة النهائية إلغاء الخصوصية القانونية التي تسمح للمسلمين بالاحتكام إلى أحكام الشريعة في الزواج والطلاق والميراث وغيرها.

وفي حالة راجستان، تزداد هذه المخاوف مع وجود بند يمنع تعدد الزوجات، إلى جانب توحيد قواعد أخرى تتصل بالأحوال الشخصية، بما يجعل المشروع متجاوزًا لمسألة تسجيل العقود إلى تغيير أحكام جوهرية في بنية الأسرة المسلمة.

أما حكومة حزب «بهاراتيا جاناتا»، فتعرض المشروع باعتباره خطوة لتحقيق المساواة وإنشاء إطار قانوني مشترك لجميع المواطنين في قضايا الأسرة، وهي الحجة التي يعتمد عليها أنصار القانون المدني الموحد في الهند. وقد أقر مجلس وزراء راجستان مسودة القانون في 13 أغسطس/آب قبل تقديمها إلى الجمعية التشريعية.

اعتراض قابل للاتساع

وطالب «منتدى مسلمي راجستان» الحكومة بسحب المشروع وفتح نقاش مجتمعي أوسع قبل المضي في إقراره، محذرًا من أن الاحتجاجات قد تمتد إلى مناطق أخرى في الولاية إذا تجاهلت الحكومة الاعتراضات واستمرت في إجراءات اعتماده.

ويضع مشروع راجستان مسلمي الولاية أمام جولة جديدة من الجدل الذي تشهده الهند حول موقع القوانين الدينية في دولة شديدة التنوع، لكنه بالنسبة إلى المؤسسات الإسلامية لا يتعلق فقط بمفهوم قانوني مجرد يسمى «توحيد القوانين»، بل بالسؤال عما إذا كان من حق المسلم أن يبقى محتكمًا إلى شريعته في شؤون أسرته الخاصة.

ومع انتظار استئناف مناقشة المشروع في نوفمبر/تشرين الثاني، يبدو أن المواجهة حوله لم تبدأ فعليًا بعد؛ فبين حكومة ترى في القانون المدني الموحد مشروعًا للمساواة القانونية، ومؤسسات إسلامية ترى فيه اعتداءً على مساحة من الحرية الدينية وخصوصية أحكام الشريعة، مرشح أن تتحول راجستان إلى ساحة جديدة لأحد أكثر الملفات القانونية والدينية حساسية في الهند.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *