“هذا ليس فندقًا”.. من زنزانة عوفر تبدأ حكاية أسرانا

photo 6010553276601928977 y

لم تستغرق المواجهة سوى دقائق معدودة، لكنها كانت كافية لتختزل التحول العميق الذي شهدته سياسة اليهود تجاه الأسرى الفلسطينيين خلال السنوات الأخيرة، حيث شهد سجن عوفر شمال غرب رام الله، خلال الساعات الماضية، وقوف وزير الأمن القومي “الإسرائيلي” إيتمار بن غفير أمام أسيرة فلسطينية تسأله عن أبسط مقومات الحياة داخل المعتقل: طعام صالح للأكل، مياه نظيفة، وساعات محدودة في الهواء الطلق.

لم يكن رد المتطرف اليهودي وعدًا بالتحقيق في الشكاوى، ولا حتى محاولة لنفيها، بل جاء حاسمًا ومقتضبًا: “الأكل يجب ألا يكون جيدًا.. هذا ليس فندقًا”،  وعندما أكدت الأسيرة أنها لم ترتكب أي جريمة، كرر عبارته بلهجة أكثر قسوة، معتبرًا أن من يرتكب ما وصفه بـ”أشياء سيئة” لا يستحق معاملة أفضل.

قد تبدو هذه الكلمات للوهلة الأولى مجرد سجال داخل أحد السجون، لكنها في الحقيقة تمثل نافذة تكشف فلسفة جديدة في إدارة ملف الأسرى الفلسطينيين.. فلسفة لم تعد تكتفي بحرمان المعتقل من حريته، وإنما تسعى إلى تحويل ظروف الاحتجاز نفسها إلى جزء من العقوبة، بحيث يصبح الطعام، والماء، والرعاية الصحية، وحتى فرصة التنفس في الهواء الطلق، أدوات ضغط يومية لا تقل قسوة عن جدران الزنازين.

2436b060 ebd5 11ef b6cc 57f2ab286237 file 1739648613980 411575633 678x470 1
الأسرى في سجون الاحتلال

ولعل ما يمنح هذا المشهد أهميته الاستثنائية أنه لم يأتِ بمعزل عن سياق سياسي وتشريعي متسارع، فمنذ توليه حقيبة الأمن القومي، جعل بن غفير من تشديد ظروف احتجاز الأسرى الفلسطينيين أحد أبرز عناوين مشروعه السياسي، وقدم نفسه أمام قواعد اليمين الإسرائيلي باعتباره الرجل القادر على إنهاء ما يصفه بـ”امتيازات الأسرى”. وبمرور الوقت، تحولت هذه الشعارات إلى إجراءات عملية مست جوانب الحياة اليومية داخل المعتقلات، وسط اتهامات حقوقية بتراجع غير مسبوق في مستوى الحماية التي تكفلها المواثيق الدولية للأشخاص المحرومين من حريتهم.

ولا تقف المؤشرات عند التصريحات وحدها، فالتقارير التي صدرت خلال الأشهر الماضية رسمت صورة أكثر قتامة عن واقع السجون، حيث تحدثت عن شكاوى متكررة من سوء نوعية الطعام، وشح المياه النظيفة، وحرمان السجينات من الخروج إلى الساحات المفتوحة، إلى جانب الإهمال الطبي والتفتيش المهين، وهي ممارسات مخالفة للحد الأدنى من المعايير الإنسانية الخاصة بمعاملة السجناء، وتكشف أن القضية لم تعد تتعلق بحوادث فردية، بل بنمط متكرر من الإجراءات التي تمس الحياة اليومية للمعتقلين بصورة مباشرة.

ويذهب المشهد إلى ما هو أبعد من ذلك، ففي الوقت الذي كانت فيه الأسيرة الفلسطينية تحاول شرح معاناتها داخل الزنزانة، شهدت “إسرائيل” خلال الأسابيع الماضية نقاشات سياسية وتشريعية غير مسبوقة حول تشديد العقوبات على الأسرى الفلسطينيين، وسط تصاعد خطاب يعتبر أن الردع لا يتحقق بالسجن وحده، بل بإلغاء أي مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية داخل المعتقل. وفي هذا السياق، لم يعد الحديث عن تحسين ظروف الاحتجاز مطروحًا داخل دوائر الحكم، بل أصبحت الأولوية، وفق الخطاب الرسمي، هي زيادة القسوة باعتبارها وسيلة لتحقيق الردع.

كما عززت مواقف بن غفير العلنية هذا الانطباع، سواء من خلال تبنيه العلني لمشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، أو ظهوره برفقة أعضاء من حزبه وهم يضعون دبابيس على شكل مشنقة أثناء مناقشة مشروع القانون داخل الكنيست، في رسالة سياسية تتجاوز مجرد النقاش التشريعي إلى ترسيخ ثقافة العقاب الأقصى بحق الأسرى الفلسطينيين.

Itamar Ben Gvir
بن غفير مهندس قانون إعدام الأسرى

لكن خلف هذا المشهد السياسي، تبرز قضية أكثر تعقيدًا تتعلق بمصير آلاف الفلسطينيين المحتجزين داخل السجون الإسرائيلية،  حيث تبلغ أعداد الأسرى الفلسطينيين أكثر من 10 آلاف أسيرًا ، بينهم معتقلون إداريون محتجزون دون تهمة أو محاكمة، ونساء، وأطفال، وأصحاب أمراض مزمنة، وصحفيون، وأطباء، وأكاديميون، ما يجعل أي تغيير في سياسة إدارة السجون يمس شريحة واسعة من المجتمع الفلسطيني، وليس فقط من صدرت بحقهم أحكام قضائية.

ومن هنا، لا يمكن النظر إلى الحوار القصير بين بن غفير والأسيرة الفلسطينية باعتباره واقعة معزولة أو مشهدًا إعلاميًا عابرًا، بل بوصفه مدخلًا لفهم تحول أوسع تشهده منظومة السجون الإسرائيلية.. تحول يمتد من تفاصيل الحياة اليومية داخل الزنازين، إلى التشريعات التي تناقش تحت قبة الكنيست، وصولًا إلى إعادة تعريف مفهوم العقوبة نفسه.

قانون إعدام الأسرى.. التشريع الذي فضح نوايا اليهود

إن العبارة التي قالها الوزير المتطرف للأسيرة فلسطينية فتحت ملف السياسات والإجراءات التي أعادت تشكيل واقع الأسرى، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة يتداخل فيها التشريع مع العقاب، والسياسة مع الحقوق الإنسانية.

ولم تكن الكلمات التي أطلقها إيتمار بن غفير داخل سجن عوفر سوى انعكاس لمسار تشريعي بدأ يتبلور منذ وصول اليمين الإسرائيلي إلى السلطة، يقوم على نقل سياسة التشدد مع الأسرى من مستوى الإجراءات الإدارية إلى مستوى النصوص القانونية الملزمة، ففي نظر قادة هذا التيار، لم يعد السجن وحده كافيًا لتحقيق الردع، بل ينبغي إعادة صياغة المنظومة القانونية بما يجعل العقوبات أكثر قسوة، ويحد من أي مساحة يمكن أن يتمتع فيها الأسرى بحقوق تكفلها المواثيق الدولية.

وفي قلب هذا التحول برز مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين باعتباره أكثر المبادرات إثارة للجدل في تاريخ التشريعات “الإسرائيلية” المتعلقة بالأسرى، ولم يكن بن غفير مجرد مؤيد لهذا المشروع، بل كان أحد أبرز مهندسيه، بعدما جعله جزءًا من برنامجه الانتخابي، ودافع عنه باعتباره “أهم قانون” يمكن أن يحقق الردع ويمنع تنفيذ عمليات ضد اليهود. ولم يكتف بذلك، بل ظهر داخل الكنيست برفقة أعضاء من حزبه وهم يضعون دبابيس على شكل مشنقة خلال مناقشة مشروع القانون، في مشهد حمل دلالات رمزية اعتبرها مراقبون تعبيرًا عن توجه سياسي يتبنى الإعدام باعتباره أداة رئيسية في التعامل مع الأسرى الفلسطينيين.

لكن المشروع الجديد يمثل تحولًا نوعيًا في فلسفة العقوبة، فبحسب نص القانون الذي أقره الكنيست في شوال 1447هـ / مارس 2026م ، يُفرض حكم الإعدام شنقًا على الفلسطينيين المدانين بقتل “إسرائيليين” إذا اعتُبر الفعل “عملًا إرهابيًا” وفق التعريف الإسرائيلي، أو إذا كان الدافع “إنكار وجود دولة إسرائيل”، كما يمنح المشروع المحاكم العسكرية صلاحيات واسعة في إصدار الحكم، مع تقليص القيود التي كانت تحول دون تطبيقه، ويجعل السجن المؤبد استثناءً لا يُلجأ إليه إلا في ظروف خاصة ومعللة.

ولا تتوقف خطورة المشروع عند إقرار عقوبة الإعدام فحسب، بل تمتد إلى تفاصيل تنفيذها، حيث ينص القانون على تنفيذ الحكم خلال تسعين يومًا من اكتساب القرار الدرجة النهائية، وأن يتولى التنفيذ ضابط سجون ملثم تُمنح له حصانة كاملة من المسؤولية الجنائية والمدنية، مع منع أي تخفيف أو إلغاء للعقوبة بعد صدورها، وفرض العزل الانفرادي على المحكوم عليهم تحت الأرض، ومنع الزيارات عنهم حتى موعد تنفيذ الحكم. هذه البنود لا تعكس فقط تشددًا في العقوبة، وإنما تؤسس لنظام احتجاز استثنائي يضيف طبقات جديدة من العزلة النفسية والجسدية إلى عقوبة الإعدام نفسها.

أحد أخطر جوانب القانون يتمثل في إمكانية تطبيقه على أسرى موجودين بالفعل داخل السجون بعد دخوله حيز التنفيذ، وهو ما أثار مخاوف من أن يتحول القانون إلى أداة لفرض عقوبة الإعدام على أعداد كبيرة من الأسرى الفلسطينيين المتهمين أو المدانين في قضايا تتعلق بقتل إسرائيليين، وقد يشمل ايضا مئات الأسرى المحكومين، إضافة إلى أكثر من ألف معتقل من قطاع غزة تصنفهم “إسرائيل” باعتبارهم “مقاتلين غير شرعيين”، في وقت لا يزال كثير منهم بعيدًا عن أي محاكمات معلنة.

RlAHM
حياة الأسرى مهددة طبقا لقانون الإعدام الجديد

وفي المقابل، لم يقتصر الجدل على المنظمات الحقوقية الفلسطينية والدولية، بل امتد إلى الأوساط اليهودية، فقد أبدت شخصيات دينية وسياسية تحفظات على المشروع، ليس انطلاقًا من اعتبارات إنسانية فقط، وإنما بسبب المخاوف من انعكاساته الأمنية والسياسية. كما أشارت مواقف داخل المعارضة إلى أن تمرير القانون قد يفاقم عزلة “إسرائيل” الدولية ويؤدي إلى نتائج معاكسة لما يعلنه مؤيدوه من أهداف الردع، بينما حذر آخرون من أن تحويل الإعدام إلى عقوبة إلزامية قد يغلق أي مساحة للتقدير القضائي في القضايا ذات الطبيعة المعقدة.

غير أن السؤال الأهم يبقى: هل يمكن لمزيد من التشدد أن يحقق الردع الذي تتحدث عنه الحكومة الإسرائيلية؟

بمراجعة تاريخ الصراع، كانت فكرة الردع عبر الخوف محل تشكيك حتى من مسؤولين “إسرائيليين” سابقين، وأن التجربة التاريخية لم تقدم دليلًا حاسمًا على نجاح هذا النهج، بل إن كثيرًا من التقديرات الأمنية حذرت على مدى سنوات من أن تنفيذ أحكام الإعدام قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من التصعيد، بدلًا من احتوائها.

معاناة الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال

وبينما كانت جلسات الكنيست تناقش هذه النصوص القانونية، كان آلاف الأسرى يعيشون واقعًا مختلفًا خلف الأسوار؛ واقعًا لا يرتبط فقط بما قد يصدر من أحكام مستقبلية، وإنما بظروف احتجاز يومية تتحدث تقارير حقوقية عن أنها تشهد تدهورًا متسارعًا، من التجويع والإهمال الطبي إلى العزل الانفرادي والتعذيب وسوء المعاملة. وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤالا: إذا كانت التشريعات الجديدة تعيد رسم مستقبل الأسرى، فكيف يبدو حاضرهم بالفعل داخل السجون الإسرائيلية؟ .

إذا كانت القوانين الجديدة ترسم مستقبل الأسرى الفلسطينيين، فإن الواقع داخل السجون يكشف أن معاناتهم لا تنتظر دخول أي تشريع جديد حيز التنفيذ، فبعيدًا عن قاعات الكنيست والمناظرات السياسية، يعيش آلاف المعتقلين يوميًا ظروفًا تصفها تقارير حقوقية بأنها الأسوأ منذ سنوات، في ظل تزايد أعداد المحتجزين، وتراجع مستوى الرعاية الصحية، وتصاعد شكاوى التعذيب والتجويع والعزل الانفرادي، حتى باتت السجون، وفق توصيف منظمات فلسطينية، بيئة تهدد الحياة نفسها أكثر مما تمثل مكانًا لتنفيذ العقوبة.

طبقا لأخر احصائيات  يبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية أكثر من 10 الاف أسيرًا ، وهو رقم يعكس اتساع حملات الاعتقال خلال الفترة الأخيرة. ويضم هذا العدد ما يقارب  3385 معتقلًا إداريًا  محتجزين دون توجيه اتهامات أو محاكمات، إضافة إلى أكثر من 56 أسيرة و 350 طفلًا ، فضلًا عن عشرات الأسرى المحكومين بالمؤبد وآلاف المعتقلين الذين يواجهون أوضاعًا قانونية وإنسانية معقدة. ولا تعكس هذه الأرقام مجرد إحصاءات، بل تكشف حجم شريحة اجتماعية كاملة أصبحت تعيش داخل منظومة الاحتجاز، بما تضمها من نساء وأطفال وأكاديميين وصحفيين وأطباء وطلبة جامعات ورجال دين.

وتزداد الصورة قتامة عند النظر إلى وتيرة الاعتقالات. ففي  رمضان 1447هـ / مارس 2026م وحده، سُجلت أكثر من   500 حالة اعتقال وإعادة اعتقال  في الضفة الغربية والقدس، شملت محررين سابقين ونساء وأطفالًا، إلى جانب أطباء وضباط إسعاف ومحامين ومهندسين ومعلمين وصحفيين، ويشير هذا الاتساع في الفئات المستهدفة إلى أن الاعتقال لم يعد يقتصر على المنخرطين في العمل المسلح، بل أصبح يطال شرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني، بما يعمق الآثار الاجتماعية والاقتصادية والنفسية المترتبة على سياسة الاحتجاز.

لكن الأرقام لا تعكس وحدها حجم الأزمة، حيث تم توثيق سلسلة من الانتهاكات التي تتكرر في شهادات الأسرى والمؤسسات الحقوقية، تبدأ من  التجويع الممنهج ، حيث يشكو المعتقلون من رداءة الطعام وعدم كفايته، مرورًا بحرمانهم من المياه النظيفة، ووصولًا إلى تقليص فرص الخروج إلى ساحات السجن. وهي الشكاوى ذاتها التي طرحتها الأسيرة الفلسطينية أمام إيتمار بن غفير خلال زيارته لسجن عوفر، لتتحول من رواية فردية إلى صورة متكررة في أكثر من تقرير حقوقي.

وتحتل الرعاية الصحية موقعًا متقدمًا في قائمة المخاوف، حيث يعاني عدد كبير من الأسرى من أمراض مزمنة تفاقمت بسبب ما تصفه التقارير بـ”الإهمال الطبي المتعمد”، في ظل نقص الأدوية، وتأخر الفحوصات، وغياب التدخلات العلاجية اللازمة. ويذهب بعض التقارير إلى وصف هذه السياسة بأنها  “قتل بطيء” ، إذ لا تقتصر آثارها على زيادة معاناة المرضى، وإنما تمتد إلى تهديد حياتهم بشكل مباشر، خاصة مع استمرار الاكتظاظ داخل السجون وتراجع الظروف الصحية العامة.

images 1
الأسرى يواجهون القتل البطيء

توثيق التعذيب داخل سجون الاحتلال

ولا تتوقف الانتهاكات عند حدود الإهمال الطبي، حيث توجد شهادات موثقة تتحدث عن تعرض أسرى للتعذيب الجسدي والنفسي، والصعق الكهربائي، والتعرية القسرية، والاعتداء بواسطة الكلاب البوليسية، فضلًا عن مزاعم بوقوع اعتداءات جنسية، وهي ممارسات وصفتها جهات حقوقية بأنها قد ترقى إلى مستوى الجرائم التي يحظرها القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، كما أسهم غياب الرقابة والمساءلة في تفاقم هذه الانتهاكات، في ظل محدودية وصول الجهات المستقلة إلى أماكن الاحتجاز.

وفي موازاة ذلك، تزداد العزلة التي يعيشها الأسرى بفعل الإجراءات العقابية الجديدة، سواء عبر التوسع في استخدام الزنازين الانفرادية أو تقييد الزيارات والتواصل مع العائلات، وترى مؤسسات حقوقية أن هذه الإجراءات لا تقتصر آثارها على المعتقل وحده، بل تمتد إلى أسرته، بما يخلق دائرة أوسع من المعاناة النفسية والاجتماعية، خصوصًا في ظل استمرار احتجاز الأطفال والنساء، وحرمان كثير من العائلات من معرفة أوضاع ذويهم بصورة منتظمة.

وتكشف هذه الوقائع أن ما يجري داخل السجون لم يعد مجرد نقاش حول مستوى الخدمات أو ظروف الاحتجاز، بل أصبح جزءًا من معركة أوسع تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع السياسات العقابية، لأن ما يحدث يمثل نمطًا ممنهجًا من العقوبات الجماعية التي تتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما ما يتعلق بحماية الأشخاص المحرومين من حريتهم وضمان الحد الأدنى من حقوقهم الإنسانية.

وبين نصوص القوانين التي تتجه نحو مزيد من التشدد، والواقع اليومي الذي يصفه الأسرى بأنه يزداد قسوة، تبدو القضية أبعد من مجرد إدارة للسجون، إنها تعكس تحولًا في النظرة إلى الأسير الفلسطيني نفسه؛ من شخص يخضع لإجراءات عقابية إلى طرف يُعاد تشكيل ظروف حياته بالكامل داخل المعتقل. وهذا التحول هو ما يثير المخاوف من أن تصبح السجون الإسرائيلية، في ظل التشريعات والسياسات الجديدة، ساحة مفتوحة لتجريد الأسرى من الحقوق التي أقرتها المواثيق الدولية، الأمر الذي يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي بشأن قدرته على حماية القانون الإنساني عندما يصبح موضع نزاع سياسي.

لذلك فإن المشهد الذي بدأ بعبارة أطلقها إيتمار بن غفير داخل سجن عوفر، مرورًا بتشريعات تفتح الباب أمام تنفيذ أحكام الإعدام، وانتهاءً بتقارير تتحدث عن تدهور غير مسبوق في ظروف الاحتجاز، يكشف أن القضية لم تعد تقتصر على تطبيق عقوبة السجن، وإنما على إعادة تعريف مفهوم العقوبة نفسه.

وتكشف القراءة المتأنية لمجمل الوقائع أن ملف الأسرى الفلسطينيين لم يعد قضية إنسانية منفصلة عن مسار الصراع، بل أصبح أحد أكثر ميادينه حساسية وتأثيرًا، فكل تعديل تشريعي، وكل إجراء داخل السجون، لا ينعكس على حياة آلاف الأسرى وعائلاتهم فحسب، وإنما يترك أثرًا مباشرًا على المشهد السياسي والأمني والحقوقي في المنطقة بأسرها.

وبين زنزانة بدأت منها القصة، وقاعة كنيست شرّعت قوانين أكثر تشددًا، وتقارير حقوقية توثق أوضاعًا إنسانية آخذة في التدهور، يقف آلاف الأسرى الفلسطينيين في قلب معادلة تتجاوز حدود العقوبة التقليدية. إنها معادلة تختبر بصورة يومية قدرة القانون الدولي على حماية الأشخاص المحرومين من حريتهم، كما تختبر في الوقت نفسه مدى استعداد المجتمع الدولي للانتقال من إصدار بيانات القلق إلى اتخاذ خطوات عملية تضمن احترام المعايير الإنسانية التي وُضعت أصلًا لحماية الإنسان في أوقات النزاعات.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *