من غزة إلى الضفة.. لا يزال «الإفلات من العقاب» الجزء الأبرز من المشهد الإسرائيلي

ac47e8f2 a470 11f1 b669 00163e02c055

تكشف حادثتان منفصلتان، إحداهما في غزة والأخرى في الضفة الغربية المحتلة، عن نمط يتجاوز تفاصيل كل واقعة على حدة: جنود وضباط ومستوطنون متهمون بالتسبب في قتل مدنيين أو الاعتداء عليهم، مقابل مساءلة محدودة أو غائبة، وفي بعض الحالات دفاع صريح عن الأفعال بعد وقوعها.

في غزة، عاد الهجوم الإسرائيلي الذي قتل سبعة من موظفي منظمة «وورلد سنترال كيتشن» في أبريل/نيسان 2024 إلى الواجهة بعد تصريحات للضابط الإسرائيلي الذي أمر بالقصف. وفي الضفة الغربية، أظهرت تقارير إسرائيلية وفلسطينية مشهدًا مختلفًا في الوسيلة، لكنه قريب في النتيجة: مستوطنون يهاجمون فلسطينيين في بلدة قصرة قرب نابلس، بينما يقف جنود إسرائيليون في المكان دون اعتقال المهاجمين.

الجامع بين الحادثتين ليس فقط غياب الحماية الفعالة للمدنيين، بل السؤال الأوسع حول حدود المحاسبة داخل المنظومة الإسرائيلية نفسها.

«لست آسفًا».. ضابط يبرر ضربة قتلت عمال إغاثة

image 202

في الأول من أبريل/نيسان 2024، استهدفت طائرات إسرائيلية مسيرة قافلة تابعة لمنظمة «وورلد سنترال كيتشن» في غزة، ما أدى إلى مقتل سبعة من العاملين في المجال الإنساني، بينهم فلسطينيون وبريطانيون وأسترالي وكندي وبولندي.

وبحسب تقرير نشره «ميدل إيست آي» في 28 أغسطس/آب 2026، قال العقيد الإسرائيلي نوحي مندل، الذي كان مسؤولًا عن العملية، في مقابلة مع هيئة الإذاعة الأسترالية ABC إنه كان صاحب القرار في تنفيذ الهجوم.

وقال مندل إنه لم يكن يقصد قتل موظفي المنظمة، لكنه أضاف بوضوح أنه «غير نادم» على ما فعله، مؤكدًا أنه يتحمل المسؤولية عن إصدار الأمر.

وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد أقال مندل من منصبه كرئيس أركان لواء «ناحال» عقب الحادث، بعدما خلص تحقيق عسكري إلى أن الضربة جاءت نتيجة سلسلة من الإخفاقات، من بينها خرق قواعد الاشتباك وإجراءات العمل القياسية.

لكن بعد أكثر من عامين على الهجوم، قرر الجيش الإسرائيلي عدم فتح تحقيق جنائي في القضية، الأمر الذي أثار إدانة مشتركة من بريطانيا وكندا وأستراليا، التي وصفت القرار بأنه «مخزٍ»، وقالت إن عائلات الضحايا تستحق العدالة والمحاسبة.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: المؤسسة العسكرية نفسها أقرت بوقوع إخفاقات وانتهاكات للإجراءات، وأبعدت الضابط عن منصبه، لكنها لم تنتقل إلى المسار الجنائي.

محاولة نقل المسؤولية إلى المنظمة

ذهب مندل في مقابلته إلى أبعد من الدفاع عن قراره العسكري، إذ حمل منظمة «وورلد سنترال كيتشن» جزءًا من المسؤولية، وادعى وجود تداخل بين أفراد تابعين للمنظمة وعناصر من حماس في ليلة الهجوم.

ورفضت المنظمة هذه الاتهامات بصورة قاطعة، ووصفتها بأنها «كاذبة ومشينة»، معتبرة أنها محاولة جديدة لتحويل المسؤولية عن قرارات الجيش الإسرائيلي.

كما أشارت إلى أن الضابط نفسه كان مشاركًا مباشرة في القرارات التي أدت إلى الضربة، وأن الجيش أبعده من منصبه بسبب إخفاقات خطيرة وخرق للإجراءات.

وهذا الخلاف يكشف عنصرًا متكررًا في معالجة الحوادث التي يسقط فيها مدنيون: الانتقال من التحقيق في قرار إطلاق النار نفسه إلى التشكيك في الضحية أو الجهة المدنية المستهدفة، بما يسمح بتوسيع مساحة التبرير العسكري.

image 201

وفي الضفة.. الجنود «وقفوا وشاهدوا»

في الوقت نفسه تقريبًا الذي عادت فيه قضية عمال الإغاثة إلى النقاش، شهدت بلدة قصرة قرب نابلس اعتداءً جديدًا من مستوطنين إسرائيليين.

وبحسب تقرير نشره موقع «ذا كرادل» في 30 أغسطس/آب، لم تُسجل اعتقالات على خلفية الهجوم، رغم نشر صور بعض المستوطنين المشاركين فيه على الإنترنت وفي وسائل إعلام إسرائيلية.

وذكرت تقارير إسرائيلية أن عشرات المستوطنين هاجموا أحد المنازل في البلدة، بينما كانت عائلات فلسطينية تعيش منذ أسابيع تحت حصار وضغط مستمرين.

الأخطر أن قوات إسرائيلية استُدعيت إلى المكان، إلا أنها، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، لم تعتقل المهاجمين، بل «وقفت جانبًا» بينما واصل المستوطنون الاعتداء على منزل في أطراف البلدة.

وتشير المعلومات الواردة في التقرير إلى أن بعض العائلات الفلسطينية في قصرة كانت قد بقيت محاصرة في منازلها لأسابيع، بالتزامن مع اعتداءات استهدفت إمدادات المياه والكهرباء ومحاولات لإقامة بؤر استيطانية جديدة في المنطقة.

من عدم التدخل إلى الحماية غير المباشرة

الفارق بين حادثة غزة وحادثة الضفة مهم. ففي غزة، نتحدث عن قرار عسكري مباشر أدى إلى مقتل سبعة من موظفي الإغاثة. أما في قصرة، فالتهمة الرئيسية ليست أن الجنود نفذوا الاعتداء بأنفسهم، بل أنهم لم يمنعوه ولم يعتقلوا منفذيه رغم وجودهم في المكان.

لكن النتيجة العملية في الحالتين متقاربة: مدنيون يتعرضون للقتل أو الاعتداء، بينما تبقى المساءلة محدودة.

وتشير القضية في الضفة إلى مشكلة أعمق من «تقاعس» فردي. فحين تتكرر الاعتداءات في مناطق يوجد فيها الجيش، ويستمر المستوطنون في التحرك دون ردع، يصبح السؤال متعلقًا بمدى تحول عدم التدخل إلى شكل من أشكال الحماية غير المباشرة.

وتزداد أهمية هذا السؤال مع حقيقة أن القوات الموجودة في المنطقة لم تمنع اعتداءات إضافية، بينما استمر حصار عائلات فلسطينية في البلدة.

الضحية تُحاسب أكثر من المعتدي

ويظهر تناقض آخر في واقعة منفصلة. ففي بلدة أم الخير، احتجز مستوطنون مسلحون ناشطًا بريطانيًا قبل أن يسلموه إلى الشرطة الإسرائيلية، التي قالت إنها اعتقلته وتحقق في ادعاءات المستوطنين بأنه اعتدى على قاصر.

في المقابل، تُظهر اللقطات، وفق التقرير، أن الناشط كان يحاول منع مستوطنين من مضايقة السكان الفلسطينيين.

ولا تثبت هذه الوقائع وحدها براءة أو إدانة أي طرف، لكنها تبرز مفارقة سياسية وأمنية واضحة: في الوقت الذي لا يُعتقل فيه مستوطنون شاركوا في اعتداءات موثقة، يمكن أن ينتهي ناشط أجنبي تدخل في مواجهة معهم داخل الحجز الإسرائيلي.

المساءلة الإدارية ليست مساءلة جنائية

واحدة من أهم النقاط التي تكشفها قضية «وورلد سنترال كيتشن» هي الفرق بين الإجراءات الداخلية والمحاسبة القضائية.

إبعاد ضابط من منصبه أو توبيخه إداريًا لا يساوي فتح تحقيق جنائي مستقل، ولا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية القانونية عن قتل مدنيين.

وتصبح القضية أكثر حساسية عندما يخرج الضابط المسؤول بعد ذلك ليؤكد أنه لا يشعر بالندم تجاه القرار، في الوقت الذي تغلق فيه المؤسسة العسكرية باب التحقيق الجنائي.

ثقافة «التبرير بعد الفعل»

تجمع الوقائع أيضًا بين نمطين من الخطاب. في غزة، برر الضابط الهجوم بالقول إن البيئة العملياتية كانت معقدة، وطرح اتهامات ضد المنظمة الإنسانية.

وفي الضفة، كثيرًا ما توصف اعتداءات المستوطنين بأنها أحداث «احتكاك» أو نزاعات محلية، حتى عندما تكون القوة غير متكافئة ويكون الجيش موجودًا في المكان.

هذه اللغة ليست تفصيلًا إعلاميًا؛ فهي تؤثر في طريقة فهم المسؤولية.

فعندما تتحول كل حادثة إلى «خطأ عملياتي» أو «بيئة معقدة» أو «اشتباك»، يصبح من الأسهل تفكيك الحدث إلى سلسلة أخطاء فردية بدل النظر إليه باعتباره جزءًا من نمط أوسع.

الضفة وغزة.. سياقان مختلفان وآلية واحدة؟

لا ينبغي مساواة غزة والضفة من حيث طبيعة العمليات العسكرية والسياسية، لكن الحادثتين تثيران سؤالًا واحدًا: ماذا يحدث عندما يصبح احتمال المحاسبة بعد استخدام القوة ضعيفًا؟

في مثل هذه البيئة، لا تكون المشكلة فقط في العقوبة التي لم تقع، وإنما في الرسالة التي تصل إلى من سيواجه موقفًا مشابهًا في المستقبل.

فإذا كان الضابط يعلم أن أقصى ما قد يواجهه هو الإبعاد من منصب عسكري، وإذا كان المستوطن يرى أن الجنود قد يقفون على بعد أمتار دون اعتقاله، فإن وظيفة الردع القانونية نفسها تصبح أضعف.

وهذا ما يجعل قضية عمال «وورلد سنترال كيتشن» أكبر من حادثة واحدة، ويجعل ما حدث في قصرة أكبر من اعتداء مستوطنين في قرية واحدة.

أزمة تتعلق ببنية المحاسبة

المسألة في النهاية ليست ما إذا كانت ما يسمى “إسرائيل” تفتح تحقيقات داخلية؛ فهي تفعل ذلك في عدد من الحالات. السؤال هو: إلى أين تنتهي هذه التحقيقات؟

عندما تعترف المؤسسة العسكرية بوجود خروقات للإجراءات، ثم تقرر عدم فتح تحقيق جنائي، وعندما تكون هويات مستوطنين شاركوا في اعتداء معروفة دون أن تعقب ذلك اعتقالات، تظهر فجوة بين توثيق المخالفة وترتيب المسؤولية عليها.

وتضيف الأرقام المتعلقة باعتداءات الضفة بعدًا آخر لهذه الصورة. فبحسب تقرير للجنة مقاومة الاستيطان والجدار الفلسطينية أشار إليه «ذا كرادل»، نُسب إلى المستوطنين والقوات الإسرائيلية نحو 89% من حرائق الممتلكات الفلسطينية في الضفة منذ بداية 2023. وهذه نسبة صادرة عن هيئة فلسطينية، وليست إحصاءً إسرائيليًا مستقلًا، لكنها تعكس حجم الاتهامات الموجهة إلى الطرفين في هذا الملف.

ومن هنا يمكن قراءة الحادثتين باعتبارهما جزءًا من قضية أكبر: ليست فقط من يطلق النار أو من يهاجم؟ بل أيضًا من يحقق، ومن يحاسب، وما الذي يحدث حين لا تأتي المحاسبة؟

فالخطر الأبعد مدى لا يكمن فقط في حادثة قتل سبعة عمال إغاثة أو اقتحام مستوطنين منزلًا فلسطينيًا، بل في أن تتحول الاستثناءات المتكررة إلى قاعدة، وأن يصبح الإفلات من العقاب عنصرًا يعيد إنتاج العنف بدل أن يوقفه. وهو ما يحدث بشكل مستمر في فلسطين المحتلة.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *