من الجوف إلى جيزان.. التصعيد في اليمن يمتد إلى منشآت الطاقة السعودية

دخل التصعيد العسكري بين جماعة «الحوثيين» والسعودية مرحلة أكثر خطورة، مع تزامن غارات جوية دامية داخل اليمن وهجمات متكررة على منشآت الطاقة في جنوب المملكة، بالتوازي مع معارك برية عنيفة في عدة جبهات يمنية، في تطورات تعيد الحرب إلى واجهة المشهد الإقليمي وتربطها مباشرة بأمن البحر الأحمر ومسارات تصدير النفط.

وقالت جماعة الحوثي إن غارة جوية استهدفت، الاثنين، السجن المركزي الإصلاحي في مدينة الحزم بمحافظة الجوف شمالي اليمن، ما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل، بينهم طفل، وإصابة سبعة آخرين.

وبحسب وزارة الصحة التابعة للحوثيين، فإن القتلى شملوا سجناء وطفلًا كان في زيارة للمنشأة، بينما كان من بين المصابين امرأة زائرة. وأظهرت مشاهد بثتها قناة «المسيرة» التابعة للجماعة آثار الدمار في مبنى السجن وجثامين بعض الضحايا.

واتهم الحوثيون السعودية بتنفيذ الغارة، لكن الرياض لم تعلن مسؤوليتها عنها.

وجاءت ضربة الجوف وسط تقارير عن غارات أخرى في محافظات البيضاء ومأرب وتعز، حيث تدور خلال الأيام الأخيرة معارك واسعة بين الحوثيين والقوات التابعة للحكومة اليمنية المدعومة من السعودية.

وتشير التطورات الميدانية إلى أن الحرب تتجه نحو مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما شن الحوثيون هجومًا واسعًا في جنوب غربي اليمن، مع محاولات للتقدم باتجاه المناطق المؤدية إلى الساحل الغربي ومضيق باب المندب.

وأفادت تقارير صحفية بأن المواجهات الأخيرة أوقعت مئات القتلى من الطرفين خلال أيام قليلة، إلى جانب سقوط مدنيين، لتصبح هذه الاشتباكات من بين الأكثر دموية في اليمن منذ سنوات.

ويحمل التقدم نحو باب المندب أهمية تتجاوز المعارك المحلية، إذ يمثل المضيق البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وأحد أهم الممرات البحرية للتجارة والطاقة عالميًا، كما يشكل طريقًا حيويًا للسعودية في ظل ازدياد المخاطر التي تواجه الملاحة عبر مضيق هرمز.

وفي الوقت نفسه، انتقل التصعيد إلى داخل الأراضي السعودية. حيث أعلنت وزارة الخارجية السعودية أن الاستهدافات الحوثية أسفرت عن إصابة 73 مدنيًا، بينهم نساء وأطفال، في هجمات طالت مناطق مدنية، مؤكدة أن هذه الاستهدافات تسببت في أضرار طالت السكان والمنشآت المدنية.

image 49

وتعرضت منشآت تابعة لشركة «أرامكو» في جيزان، على الساحل الجنوبي الغربي للمملكة، لضربة جديدة الاثنين، وفق تقارير إعلامية تحدثت عن استهداف مصفاة جيزان التي تبلغ طاقتها التكريرية نحو 400 ألف برميل يوميًا.

وتعد المصفاة إحدى أهم منشآت الطاقة السعودية على ساحل البحر الأحمر، وقد تعرضت لهجمات متكررة خلال الأشهر الأخيرة منذ استئناف المواجهة بين الحوثيين والسعودية.

وكان الحوثيون قد استهدفوا خلال يوليو منشآت لأرامكو في كل من جيزان وينبع، قبل أن تتعرض جيزان لهجوم آخر في أغسطس أدى إلى اندلاع حريق في إحدى منشآت الشركة.

وتكتسب هذه الهجمات أهمية خاصة في ظل سعي السعودية إلى زيادة اعتمادها على ساحل البحر الأحمر كمسار بديل لصادرات الطاقة، مع اضطراب حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز.

وتنقل المملكة جزءًا كبيرًا من الخام من حقولها في الشرق إلى مدينة ينبع على البحر الأحمر عبر خط أنابيب «شرق-غرب»، الذي يسمح بتجاوز مضيق هرمز ونقل النفط مباشرة إلى الموانئ الغربية.

لكن تكرار الهجمات على جيزان وينبع، بالتزامن مع التهديدات التي تواجه السفن والمنشآت النفطية في البحر الأحمر، يعني أن المسار البديل الذي تعتمد عليه الرياض أصبح بدوره معرضًا لضغوط عسكرية متزايدة.

وهنا تبرز أهمية المعارك التي تدور داخل اليمن قرب الساحل الغربي.

فإذا تمكن الحوثيون من تعزيز مواقعهم باتجاه باب المندب، بالتزامن مع استمرار قدرتهم على استهداف منشآت الطاقة السعودية، فقد تجد الرياض نفسها أمام تهديد مزدوج: اضطراب صادراتها الشرقية عبر هرمز بسبب الحرب الإقليمية، وتزايد المخاطر على مسار البحر الأحمر غربًا.

image 50

وفي السياق نفسه، أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع إسقاط عدد من الطائرات المسيّرة التي قال إن السعودية كانت تشغلها فوق محافظة الجوف، متوعدًا بالرد على الغارة التي استهدفت السجن.

كما أعلنت الجماعة تنفيذ عمليات ضد شحنات أسلحة قالت إنها كانت متجهة إلى القوات المدعومة من السعودية داخل اليمن.

وتأتي هذه التطورات بعد سنوات من انخفاض حدة المواجهة المباشرة بين الحوثيين والسعودية منذ هدنة عام 2022، التي أوقفت الجزء الأكبر من العمليات الجوية والهجمات العابرة للحدود.

إلا أن التصعيد الذي بدأ خلال صيف 2026 أنهى عمليًا مرحلة الهدوء النسبي، وأعاد الغارات الجوية والهجمات الصاروخية والمسيّرة والمعارك البرية إلى الواجهة.

وكانت غارات استهدفت مطار صنعاء الدولي في يوليو الماضي قد شكلت إحدى أبرز محطات عودة الحرب، قبل أن تتوسع العمليات لاحقًا إلى الحديدة وتعز ومأرب والبيضاء والجوف، في مقابل تصعيد الحوثيين هجماتهم على الأراضي السعودية.

ولا تقتصر تداعيات التصعيد على اليمن والسعودية، إذ تتزامن المواجهة مع حرب أوسع في المنطقة واضطراب متزايد في الممرات البحرية الدولية، ما يجعل أمن الطاقة عنصرًا مركزيًا في الصراع.

ومع وقوع جيزان وينبع على الساحل الغربي للسعودية، وقرب جبهات القتال اليمنية من باب المندب، باتت منشآت النفط والموانئ والمضائق البحرية جزءًا مباشرًا من الحسابات العسكرية للطرفين.

وبذلك تبدو الجولة الحالية مختلفة عن كثير من جولات الحرب السابقة؛ إذ لم تعد السيطرة على المدن والجبهات اليمنية وحدها هي محور الصراع، بل أصبح الضغط على طرق تصدير النفط ومنشآت الطاقة والممرات البحرية عنصرًا أساسيًا في المواجهة.

ومع استمرار المعارك داخل اليمن وتكرار الهجمات على الأراضي السعودية، يزداد خطر تحول التصعيد إلى حرب أكثر اتساعًا، يكون البحر الأحمر وباب المندب ومنشآت الطاقة السعودية من أبرز ساحاتها.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *