أثارت عمليات إسرائيلية واسعة لإزالة وسحق ونقل ركام الأحياء المدمرة في قطاع غزة مخاوف حقوقية متزايدة من أن تؤدي إلى طمس أدلة جنائية وفقدان رفات آلاف الفلسطينيين الذين لا يزالون مدفونين تحت الأنقاض، في وقت تخضع فيه الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب لتحقيقات وإجراءات قضائية دولية.
وحذّر «المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسرًا» من أن القوات الإسرائيلية تنقل يوميًا مئات الأطنان من الركام من أحياء مدمرة تقع داخل مناطق عسكرية مغلقة، معتبرًا أن استخدام الآليات الثقيلة في تفتيت الأنقاض ونقلها قبل فحصها قد يؤدي إلى سحق الرفات البشرية أو خلطها بالحجارة والنفايات، فضلًا عن محو مواقع الدفن وإتلاف آثار الحمض النووي وغيرها من الأدلة الجنائية التي يمكن أن تكشف هوية الضحايا أو مصير المفقودين.
وتتفاوت التقديرات بشأن أعداد المفقودين الذين ما زالوا تحت الركام، إلا أن السلطات الفلسطينية والدفاع المدني يتحدثان عن أكثر من ثمانية آلاف شخص يُعتقد أن جثامينهم لا تزال داخل المباني المدمرة. وأكدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيز أن إزالة الأنقاض بهذه الطريقة قد تقضي على أدلة مرتبطة بجرائم جسيمة وتحول دون استعادة رفات الضحايا، مشددة على ضرورة جمع الأدلة والتعرف إلى الجثامين قبل تنفيذ عمليات إزالة شاملة للركام.
وتكتسب التحذيرات أهمية أكبر بالنظر إلى الحجم الهائل للدمار في القطاع؛ إذ تقدر الأمم المتحدة وجود نحو 61 مليون طن من الأنقاض في غزة، بينما تشير تقديرات أخرى مشتركة للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى كميات أكبر وفق الفترات التي شملتها عمليات التقييم.
وكان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قد قال في تقرير صدر في أغسطس/آب إن ما لا يقل عن 10 ملايين طن من الركام جرى بالفعل إزالتها أو سحقها أو نقلها من مواقعها الأصلية داخل مناطق تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية. وقال المرصد إنه رصد في الأسابيع السابقة نحو 100 شاحنة يوميًا تغادر قطاع غزة محملة بالأنقاض إلى مواقع غير معلنة داخل “إسرائيل” ومناطق جنوب الضفة الغربية المحتلة.
ووفق التقرير، تشارك نحو 400 آلية ثقيلة للحفر والهدم والسحق والنقل، تشغلها شركات إسرائيلية مدنية تحت حماية عسكرية، في عمليات واسعة بشرق وجنوب قطاع غزة. وأشار إلى أن السلطات الإسرائيلية لم تقدم بيانات تفصيلية بشأن حجم المواد المنقولة أو وجهاتها النهائية، ولم تسمح برقابة مستقلة على عمليات الفرز والنقل، الأمر الذي يجعل تتبع أي رفات أو أدلة محتملة داخل الركام بالغ الصعوبة.
ولا تكمن المشكلة في الركام باعتباره مجرد بقايا مبانٍ؛ إذ قد تضم المواقع المدمرة شظايا أسلحة وآثار دم ومتعلقات شخصية ورفاتًا بشرية، فضلًا عن معلومات يمكن أن تساعد المحققين على تحديد كيفية وقوع الهجمات ونوع السلاح المستخدم ومواقع الضحايا عند مقتلهم. ويقول مختصون حقوقيون إن تغيير الموقع الأصلي لهذه المواد أو خلطها ونقلها يمكن أن يقطع ما يعرف في التحقيقات الجنائية بـ«سلسلة حيازة الأدلة»، ويجعل استخدامها لاحقًا أكثر صعوبة.
وجاء التحذير الجديد بعد أيام من مشاهد مؤلمة في حي الزيتون بمدينة غزة، حيث شيّع الفلسطينيون يوم الأحد رفات نحو 100 شخص، بينهم نحو 60 طفلًا، انتُشلت بعد مرور سنوات من تحت أنقاض مبانٍ دمرتها الغارات الإسرائيلية. وقال الدفاع المدني في غزة إن نقص المعدات الثقيلة ما يزال يعوق انتشال آلاف الجثامين الأخرى.
التزام قانوني بحفظ الأدلة
ويضيف الملف بعدًا قانونيًا بالغ الأهمية. ففي يناير/كانون الثاني 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية تدابير مؤقتة في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد “إسرائيل” بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وألزمت “إسرائيل” باتخاذ إجراءات فعالة لمنع تدمير الأدلة وضمان الحفاظ عليها فيما يتعلق بالأفعال التي تشملها المادتان الثانية والثالثة من الاتفاقية.
وأكدت المحكمة هذا الالتزام مجددًا في مايو/أيار 2024، مطالبة بضمان وصول لجان التحقيق وبعثات تقصي الحقائق والهيئات الدولية المكلفة بالتحقيق في مزاعم الإبادة إلى قطاع غزة دون عوائق من أجل الحفاظ على الأدلة. وحتى الآن لم تصدر المحكمة حكمها النهائي في موضوع دعوى الإبادة نفسها.
ويقول المرصد الأورومتوسطي إن إزالة المواقع قبل أن تتمكن فرق الأدلة الجنائية والمحققون المستقلون من فحصها يمكن أن تؤدي إلى إتلاف مواد ذات قيمة قضائية، فضلًا عن حرمان آلاف الأسر الفلسطينية من معرفة مصير أقاربها واستعادة رفاتهم ودفنهم بصورة لائقة.
ولم ترد وزارة الخارجية الإسرائيلية أو مكتب رئيس الوزراء أو الجيش الإسرائيلي على طلب «رويترز» للتعليق على تحذيرات ألبانيز بشأن إزالة الركام، فيما ترفض “إسرائيل” عمومًا اتهامات الإبادة وتقول إنها استهدفت حركة حماس واتخذت إجراءات لتقليل الخسائر بين المدنيين.
ومع بدء الحديث عن إعادة إعمار غزة، تتصاعد المطالب بأن تسبق الجرافات فرق البحث والطب الشرعي، لا العكس؛ فبين عشرات الملايين من أطنان الخرسانة لا توجد فقط أنقاض بيوت ومدارس ومستشفيات، بل رفات مفقودين ومواقع محتملة للتحقيق وأدلة قد يكون فقدانها نهائيًا بمجرد سحقها ونقلها من مكانها.
وبالنسبة إلى آلاف العائلات التي ما تزال تنتظر معرفة مصير أبنائها، فإن معركة الركام ليست قضية إعادة إعمار فحسب، بل معركة على الحق في معرفة مصير المفقودين وحفظ الأدلة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت في غزة.





اترك تعليقاً