مئات التيغراي يفرون إلى السودان مع تجدد القتال على الحدود الإثيوبية

ce735e00 5383 4c6e 8a2b 5b1ee668d880 1785690750231

عاد شبح الحرب إلى إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، بعدما اندلعت مواجهات جديدة بين القوات الحكومية الإثيوبية ومقاتلين مرتبطين بجبهة تحرير شعب تيغراي، ما دفع مئات الأشخاص إلى عبور الحدود نحو السودان بحثًا عن الأمان، في تطور يثير مخاوف من انهيار اتفاق السلام الذي أنهى الحرب السابقة في الإقليم.

واندلعت الاشتباكات في منطقة شيريرينا غربي تيغراي، بالقرب من الحدود السودانية، واستخدمت خلالها المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة، وفق مصادر أمنية وطبية سودانية ومصادر من جبهة تحرير شعب تيغراي نقلت عنها وكالة الصحافة الفرنسية. وبدأ القتال في وقت مبكر من السبت واستمر حتى الأحد، قبل أن تهدأ حدته لاحقًا.

مئات يعبرون إلى السودان

دفعت المعارك الجديدة مئات الإثيوبيين من تيغراي إلى الفرار نحو السودان عبر الحدود، وكان من بين الوافدين مقاتلون مصابون، وفق مصدر أمني سوداني في مدينة حمديت الحدودية.

وقالت مصادر طبية إن المصابين تلقوا الإسعافات الأولية في مركز صحي حدودي، قبل نقلهم إلى منطقة الحشابة الواقعة على بعد نحو 15 كيلومترًا داخل الأراضي السودانية، وهي منطقة تستضيف منذ سنوات أعدادًا كبيرة من النازحين الذين فروا من الحرب السابقة في تيغراي.

وسمع سكان المناطق السودانية القريبة من الحدود أصوات انفجارات وإطلاق نار متواصل خلال ساعات القتال، بينما أفاد شهود بسماع انفجارات قوية ورؤية طائرات تحلق جنوب غربي حمديت.

كما فر سكان من قرى قريبة من الحدود، من بينها قرية القديمة، عبر نهر ستيت مع استمرار المواجهات.

القتال يمتد إلى مخيمات اللاجئين في السودان

وتطور الوضع بصورة أكثر خطورة مع وصول آثار القتال إلى الجانب السوداني من الحدود.

فقد أعلنت وزارة الداخلية السودانية أن مقذوفات سقطت داخل عدة مخيمات للاجئين خلال المواجهات بين القوات الإثيوبية ومقاتلي تيغراي، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.

ولم تحدد الوزارة عدد الضحايا، لكنها قالت إن لجنة شؤون اللاجئين تتابع الوضع “بقلق بالغ”، محذرة من أن استمرار الحشد العسكري على الحدود قد يؤدي إلى تدفق جديد للاجئين ويزيد المخاطر الأمنية والإنسانية.

وتكتسب هذه التطورات حساسية خاصة لأن السودان نفسه يعيش حربًا مستمرة منذ أبريل/نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ما يعني أن موجة نزوح جديدة ستصل إلى بلد يعاني أصلًا من واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

اتفاق السلام يواجه اختبارًا جديدًا

تأتي المواجهات بعد نحو أربع سنوات من توقيع الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي اتفاق السلام في جنوب إفريقيا في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، بوساطة الاتحاد الإفريقي.

ونص الاتفاق على إنهاء الحرب ووقف دائم لإطلاق النار ونزع سلاح قوات تيغراي وإعادة السلطة الفيدرالية إلى الإقليم. إلا أن عددًا من بنوده لم يُنفذ بالكامل، وظلت قضايا سياسية وإقليمية حساسة دون حل.

وكانت التوترات قد تصاعدت منذ أشهر، مع حشد القوات الفيدرالية وقوات تيغراي على الحدود الشمالية للإقليم. وشهد يناير/كانون الثاني 2026 اشتباكات بين الجيش الإثيوبي وقوات مرتبطة بتيغراي في منطقة تسيلمتي، في أول مواجهات من هذا النوع منذ انتهاء الحرب السابقة، بحسب مكتب المفوض العام للاجئين وعديمي الجنسية في بلجيكا.

وتشير المعطيات نفسها إلى أن الأزمة السياسية في تيغراي لم تُحل، فيما لا يزال إقليم تيغراي الغربي محل نزاع وسيطرة عسكرية، الأمر الذي يمنع مئات الآلاف من النازحين من العودة إلى مناطقهم.

تيغراي لم تتعافَ بعد من الحرب السابقة

وتأتي المواجهات الجديدة في منطقة لم تتعافَ أصلًا من آثار الحرب التي دارت بين عامي 2020 و2022.

ويقدّر الاتحاد الإفريقي أن الحرب السابقة أودت بحياة نحو 600 ألف شخص، بينما خلفت أكثر من مليون نازح، وفق تقارير حديثة عن الوضع الإنساني في الإقليم.

ولا تزال تداعيات الحرب حاضرة في الحياة اليومية؛ إذ تعاني تيغراي من اضطراب اقتصادي وتدهور في البنية التحتية، كما تعمل الخدمات العامة بصورة جزئية، فيما تواجه المنطقة نقصًا مزمنًا في الوقود واضطرابات في سلاسل إمداد الأدوية والمساعدات الإنسانية.

وتظهر بيانات النزاعات للفترة من يناير/كانون الثاني 2025 حتى منتصف يونيو/حزيران 2026 أن إقليم تيغراي شهد 110 حوادث مرتبطة بالعنف، أسفرت عن 176 وفاة وفق بيانات مشروع ACLED التي أوردها مكتب المفوض العام للاجئين في بلجيكا.

السودان أمام موجة نزوح جديدة

ويزيد موقع المواجهات من خطورة الأزمة؛ فالحدود السودانية كانت في السابق ملاذًا لآلاف الفارين من حرب تيغراي، لكنها اليوم تقع بجوار بلد غارق في حربه الخاصة.

وفي عام 2020، عندما اندلعت الحرب الأولى في تيغراي، عبر عشرات الآلاف من الإثيوبيين إلى السودان عبر مناطق حدودية من بينها حمديت، حيث عملت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على تسجيل الوافدين وتوفير المساعدات لهم.

لكن قدرة السودان على استيعاب موجة نزوح جديدة أصبحت أكثر محدودية بسبب الحرب الدائرة داخل أراضيه، وما خلفته من نزوح واسع وتدمير للبنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية.

ولهذا حذرت السلطات السودانية من أن استمرار التصعيد العسكري قرب الحدود يمكن أن يؤدي إلى مزيد من تدفق اللاجئين وتفاقم المخاطر الأمنية والإنسانية، ودعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى التحرك لحماية اللاجئين وتوفير المساعدات العاجلة.

توتر إثيوبي سوداني يزيد المشهد تعقيدًا

ولا تأتي التطورات الجديدة في فراغ سياسي؛ إذ تشهد العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا توترًا متزايدًا خلال الأشهر الأخيرة، وسط اتهامات متبادلة بشأن دعم أطراف مسلحة في النزاعات الداخلية للبلدين.

وفي مايو/أيار الماضي، تصاعدت الأزمة بعد تبادل اتهامات بين الحكومتين بشأن هجمات بطائرات مسيّرة ودعم جماعات مسلحة، فيما اتهمت إثيوبيا القوات السودانية بدعم مقاتلين من تيغراي، وهي اتهامات نفتها الخرطوم.

ويجعل ذلك الحدود الإثيوبية السودانية نقطة شديدة الحساسية، خصوصًا مع وجود نزاعات حدودية قديمة وتداخل ملفات الحرب السودانية مع الصراع السياسي والعسكري في تيغراي.

هل تعود إثيوبيا إلى الحرب؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤكدة على اندلاع حرب شاملة جديدة في تيغراي، كما أن القتال الأخير تراجع بعد مواجهات استمرت لساعات طويلة، وفق أحدث التقارير. لكن استخدام المدفعية والطائرات المسيّرة، وسقوط مقذوفات داخل مخيمات اللاجئين في السودان، يمثلان تصعيدًا مقلقًا مقارنة بالتوترات السابقة.

ويكمن الخطر الأكبر في أن تتحول الاشتباكات المحدودة إلى صراع أوسع، خصوصًا في ظل استمرار الحشود العسكرية والانقسامات داخل تيغراي، وعدم تنفيذ عدد من بنود اتفاق السلام، إضافة إلى هشاشة الوضع الإنساني.

وبالنسبة إلى السودان، فإن السيناريو الأسوأ لا يتمثل فقط في عودة الحرب إلى تيغراي، بل في تحول الحدود الشرقية إلى جبهة جديدة للصراع والنزوح، في وقت لا يزال فيه السودان نفسه عاجزًا عن الخروج من حربه المستمرة.

وهكذا يجد المدنيون على جانبي الحدود أنفسهم مرة أخرى أمام معادلة قاسية: من يهرب من الحرب في تيغراي يعبر إلى سودان يعيش حربًا أخرى، بينما تقترب أصوات القتال من مخيمات يفترض أن تكون ملاذًا آمنًا للاجئين.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *