لماذا تمر أموال النفط العراقي عبر نيويورك؟ قصة نظام يمنح واشنطن نفوذًا على دولارات بغداد

iraq man counts us dollars basra 2022 27 dec afp.jpg

منذ أكثر من عقدين، تسلك مليارات الدولارات التي يجنيها العراق من بيع نفطه مسارًا قد يبدو غريبًا لدولة تمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم: تمر العائدات عبر نظام مالي يتمركز على بعد آلاف الكيلومترات، في نيويورك، قبل أن تصل إلى البنك المركزي العراقي.

بدأ هذا الترتيب بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وكان الهدف المعلن منه آنذاك حماية أموال النفط العراقي من مطالبات الدائنين وضمان استخدامها في إعادة الإعمار والاحتياجات الإنسانية. لكن النظام الذي وُلد في ظروف الاحتلال بقي، بصيغ مختلفة، قائمًا بعد أكثر من عشرين عامًا، وأصبح يمنح واشنطن قدرة مؤثرة على وصول بغداد إلى دولاراتها.

كيف بدأ النظام؟

في مايو/أيار 2003، أنشأت سلطة الائتلاف المؤقتة «صندوق تنمية العراق»، الذي جُمعت فيه إيرادات صادرات النفط والغاز العراقية.

وبموجب قرار مجلس الأمن رقم 1483، كانت هذه الإيرادات تُحوّل إلى حساب خاص باسم البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

وكانت نسبة 5% من الإيرادات تُقتطع لتعويض الكويت عن الأضرار الناجمة عن الغزو العراقي عام 1990، كما دخلت في النظام أصول مجمدة تعود إلى حكومة صدام حسين السابقة وفوائض من برنامج الأمم المتحدة «النفط مقابل الغذاء».

وكان أحد الأهداف الرئيسية لهذا الترتيب حماية الأموال العراقية من الدائنين الدوليين الذين كانوا يلاحقون مطالبات وديونًا تعود إلى عهد النظام السابق.

ولم يكن الصندوق، في تلك المرحلة، خاضعًا للولايات المتحدة وحدها؛ إذ أُنشئت هيئة دولية للرقابة والمتابعة ضمت ممثلين عن الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

انتهى الصندوق.. لكن الأموال بقيت في نيويورك

انتهى النظام المدعوم من الأمم المتحدة عام 2011 بطلب من الحكومة العراقية، لكن ذلك لم يؤد إلى إنهاء ارتباط عائدات النفط العراقية بالنظام المالي الأمريكي.

فقد أُنشئ حساب جديد يُعرف باسم IRAQ2 لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وأصبحت عائدات النفط تودع فيه قبل تحويلها إلى البنك المركزي العراقي.

وهكذا تغير الإطار القانوني، لكن الاعتماد الأساسي على البنية المالية الأمريكية بقي قائمًا.

وفي الوقت نفسه، فقد العراق الحماية الدولية الشاملة التي كان يتمتع بها في ظل النظام الأممي السابق، وأصبح يعتمد على أوامر تنفيذية أمريكية دورية توفر حصانة لأمواله السيادية.

لماذا لا ينقل العراق أمواله ببساطة؟

المسألة أكثر تعقيدًا من مجرد اتخاذ قرار بنقل الحساب من نيويورك.

فالنفط العراقي يُسعّر في الغالب بالدولار الأمريكي، كما يعتمد الاقتصاد العراقي بصورة كبيرة على الدولار في تمويل الواردات والتجارة الخارجية.

وفوق ذلك، تشير المادة إلى وجود نحو 40 مليار دولار من الديون الخارجية غير المسوّاة، وهو ما يثير مخاوف من أن يؤدي نقل الأموال خارج النظام الحالي إلى تعريض بعض الأصول العراقية لمطالبات الدائنين.

ويرى أحمد صدام، الأستاذ المشارك في الاقتصاد بجامعة البصرة، أن إبقاء حساب البنك المركزي في نيويورك يوفر للعراق فائدتين أساسيتين: حماية عائدات النفط من محاولات الحجز عليها بسبب ديون النظام السابق، وتسهيل بيع النفط وتسوية التجارة الدولية وخفض تكاليف التحويل.

لكن لهذه الحماية ثمنًا سياسيًا وماليًا.

فوجود الأموال ضمن النظام الأمريكي يمنح السلطات الأمريكية قدرة على تقييد وصول العراق إلى الدولار، وهو ما يرى صدام أنه يعني غياب «الاستقلال المالي الحقيقي».

نصف مليار دولار كشفت حجم النفوذ

برزت أهمية هذه المسألة بوضوح في أبريل/نيسان 2026، عندما أوقفت واشنطن شحنة نقدية تبلغ قيمتها نحو 500 مليون دولار كانت متجهة إلى العراق، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تضغط على بغداد بشأن الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران.

واللافت أن هذه الأموال لم تكن مساعدات أمريكية، وإنما أموالًا ناتجة عن عائدات النفط العراقي نفسه.

وقد أُعيدت الشحنة لاحقًا، لكن الواقعة أظهرت عمليًا مقدار النفوذ الذي يتيحه النظام المالي القائم لواشنطن.

واعتبر معين الكاظمي، العضو السابق في اللجنة المالية البرلمانية، حينها أن تجميد أو تأخير وصول مستحقات العراق من العملات الأجنبية يمس السيادة المالية والسياسية للدولة.

إيران في قلب المعادلة

أصبحت هذه الآلية أكثر أهمية مع تصاعد المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وإيران.

فالعراق يرتبط بعلاقات اقتصادية وسياسية وأمنية وثيقة مع طهران، كما تنشط داخله جماعات مسلحة مرتبطة بإيران. وتتهم واشنطن بنوكًا وشركات صرافة وشبكات مالية عراقية باستغلال النظام المالي لتحويل الدولارات إلى جهات خاضعة للعقوبات.

ومن هنا تحوّل وصول العراق إلى الدولار إلى إحدى أدوات الضغط الأمريكي لمنع تسرب العملة الأمريكية إلى إيران.

وفي مطلع عام 2025، أنهى العراق نظام مزاد الدولار، المعروف رسميًا باسم «نافذة بيع العملة الأجنبية»، بعد ضغوط أمريكية استمرت فترة طويلة. وكان هذا النظام يسمح للبنوك الخاصة وشركات الصرافة بالحصول على الدولار من البنك المركزي مقابل الدينار العراقي.

لكن النفوذ الأمريكي لا يقتصر على التحويلات المصرفية الإلكترونية، بل يمتد إلى شحنات الدولار النقدية التي تدخل العراق، كما أظهرت واقعة الـ500 مليون دولار.

هل يستطيع العراق التحرر من النظام؟

بحسب الخبير الاقتصادي أحمد صدام، يستطيع العراق نظريًا بيع جزء من نفطه باليورو أو اليوان الصيني إذا لم تمنع العقود ذلك، لكن هذا وحده لن يحرره من الدولار.

فالنفط في الأسواق العالمية ما زال مسعّرًا أساسًا بالدولار، وحتى إذا دفع المشتري بعملة أخرى فإن القيمة تُحسب عادةً على أساس السعر الدولاري ثم تُحوّل إلى العملة المستخدمة في السداد.

كما سيظل العراق بحاجة إلى الدولار لجزء كبير من تجارته الخارجية، بينما قد يؤدي التحول السريع إلى عملات أخرى إلى خسائر ناجمة عن تقلب أسعار الصرف وضغوط سياسية واقتصادية إضافية.

لذلك يقترح صدام بدلًا من القطيعة الكاملة مع النظام الأمريكي تنويع أماكن حفظ الإيرادات والعملات المستخدمة فيها.

ومن بين الخيارات التي طرحها فتح حسابات سيادية إضافية لدى البنك المركزي الأوروبي وبنوك مركزية في شرق آسيا، مع الإبقاء على الحساب الموجود في نيويورك.

كما يقترح بيع نحو 15 إلى 20% من النفط العراقي باليورو واليوان، مقابل استمرار بيع النسبة المتبقية، أي 80 إلى 85%، بالدولار، إلى جانب تطوير النظام المصرفي العراقي وبناء علاقات مباشرة بين البنوك العراقية والمؤسسات المصرفية الكبرى في أوروبا وآسيا.

بين السيادة ومخاوف الفساد

لكن القضية لا تُختزل في صراع بين السيادة العراقية والنفوذ الأمريكي.

فداخل العراق نفسه توجد مخاوف من أن يؤدي نقل الأموال بالكامل إلى المؤسسات المحلية، من دون إصلاح النظام المصرفي والرقابي، إلى زيادة فرص الفساد وتهريب الأموال.

وتنقل المادة آراء مواطنين عراقيين يرون أن الرقابة الأمريكية، رغم ما تطرحه من إشكالية سيادية، توفر في الوقت نفسه مستوى من الحماية والتدقيق قد لا يكون متاحًا إذا انتقلت الأموال مباشرة إلى النظام المصرفي المحلي.

ويرى هؤلاء أن المشكلة ليست فقط في مكان وجود الأموال، بل في قدرة الدولة العراقية على بناء مؤسسات مالية قوية وشفافة تستطيع حماية الثروة العامة من الفساد والتهريب.

إرث 2003 الذي لم ينتهِ

بعد أكثر من عشرين عامًا على الغزو الأمريكي، لم يعد «صندوق تنمية العراق» موجودًا بصورته الأصلية، وانتهى الإطار الأممي الذي أُنشئ لحماية عائدات النفط. لكن جزءًا أساسيًا من البنية التي نشأت بعد 2003 لا يزال حاضرًا.

عائدات النفط العراقي ما زالت تمر عبر حساب لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، والدولار ما زال يشكل عصب التجارة العراقية مع العالم، فيما تستطيع واشنطن استخدام موقعها داخل النظام المالي الدولي للتأثير في قدرة بغداد على الوصول إلى العملة الأمريكية.

وفي المقابل، فإن الخروج الكامل والسريع من هذا النظام يحمل مخاطر حقيقية تتعلق بالديون والدائنين والتجارة الدولية وسلامة النظام المصرفي العراقي.

وهكذا تبدو معضلة العراق أعمق من سؤال: لماذا توجد أموال النفط في نيويورك؟

السؤال الأهم هو: كيف يستطيع العراق بناء استقلال مالي أكبر من دون أن يفقد الحماية التي توفرها المنظومة الحالية، أو يعرّض أمواله لمطالبات الدائنين ومخاطر الفساد والاضطراب المالي؟

وبين هذين الخيارين، يبرز التنويع التدريجي للحسابات والعملات وتطوير القطاع المصرفي العراقي باعتباره أحد المسارات المطروحة لتقليل الاعتماد على واشنطن، من دون الدخول في قطيعة مالية مفاجئة قد تكون تكلفتها على بغداد أكبر من مكاسبها.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *