كيف تحول الصين العلاقات الإنسانية إلى أدوات لقمع أصوات الإيغور

76ujgh 1761825262


بقلم: آسيا أويغور (كاتبة ومحللة سياسية أويغورية مقيمة في هولندا)

إن نموذج الحكم الذي اختُبر داخل منازل الأويغور يُشكّل اليوم الشبكات الخارجية، والعلاقات التجارية، والتواصل الثقافي، والترتيبات الشرطية للصين حول العالم.

غالباً ما يُناقش قمع الحزب الشيوعي الصيني في منطقة الأويغور (إقليم تركستان الشرقية / شينجيانغ في شمال غرب الصين) باعتباره أزمة حقوق إنسان إقليمية، لكنه أكثر من ذلك؛ فقد أصبحت المنطقة “مختبراً” لنموذج حكم يدمج التنمية، والرفاه، والسياسة الثقافية، والروابط العائلية، والتجارة، والإعلام، والشرطة في نظام واحد للسيطرة السياسية.

وتوضح وثائق بكين الرسمية ذلك بوضوح؛ فبرنامج “مساعدة شينجيانغ” (سياسة تدفع المقاطعات الصينية الغنية لنقل الأموال والكوادر لشينجيانغ) ليس مجرد مساعدات اقتصادية، وعبارة “الوحدة العرقية” ليست مجرد دعوة للاحترام المتبادل، ومبادرة “أن نصبح عائلة واحدة” ليست مجرد برنامج الاجتماعي. إنها في الحقيقة أدوات لدخول الحياة الخاصة، وجمع المعلومات، وإعادة صياغة الهوية السياسية، وضمان الولاء لدولة الحزب.

ويمتد منطق الحكم نفسه إلى ما وراء حدود الصين عبر منظمات الصينيين في المغترب، والشبكات التجارية، وشراكات “مدن الصداقة” (توأمة المدن الصينية مع مدن أجنبية لتسهيل التغلغل)، والمؤسسات الثقافية، والإعلام، والتعليم باللغة الصينية، والباحثين الأجانب المتخصصين في الشؤون الصينية، والترتيبات الشرطية في الخارج.

في داخل منطقة الأويغور، يُنفذ هذا النظام عبر الإكراه المباشر. أما في الخارج، فيتقدم عبر التنظيم، والنفوذ، والروابط الاقتصادية، والتعبئة السياسية، والتحكم في الرواية الإعلامية. الأساليب تختلف، لكن الهدف السياسي واحد: توسيع نفوذ بكين عبر تحويل العلاقات الإنسانية إلى بنية تحتية للدولة.

إعادة صياغة الهوية والسيطرة على المنازل

ذكر مقال نُشر في يوليو 2024 في صحيفة “المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني” (صحيفة رسمية تابعة لأعلى جهاز استشاري للحزب الشيوعي) صراحةً أن: “المساعدة المزدوجة لشينجيانغ لم تكن يومًا مجرد عمل اقتصادي”.
يربط هذا النظام 19 مقاطعة وبلدية صينية بمنطقة الأويغور من خلال الكوادر الحزبية، والشركات الحكومية، والمدارس، والاستثمارات، والمشاريع الصناعية، والبرامج الثقافية. وتتلخص أهدافه الرسمية في “الاستقرار الاجتماعي”، و”الأمن طويل الأجل”، وصياغة هوية وطنية مشتركة.

كما نقل المقال نفسه صياغة الرئيس شي جين بينغ لسياسة “التغذية الثقافية لشينجيانغ” (سياسة تهدف لمحو الثقافة الأويغورية وزرع الهوية الصينية من الجذور) لمعالجة مسألة الولاء السياسي.
وكان التعبير المحلي الأكثر وضوحاً لهذا النموذج هو زرع المسؤولين الحكوميين داخل منازل الأويغور.

في عام 2014، أُطلقت حملة “فانغ هوي جيو” (اختصار لـ “زيارة الشعب، وإفادة معايشهم، وجلب قلوبهم”، وهي حملة مسح وتجسس مجتمعي مكثفة)، حيث أُرسل مئات الآلاف من المسؤولين للإقامة في القرى. وشملت مهام الحملة إنشاء ملفات لكل أسرة، ومراقبة تحركات الناس، وبناء نظام سيطرة كامل.

ثم توسعت الحملة عبر مبادرة “لاقِ القرابة وكون عائلة” (برنامج يُجبر فيه الأويغور على استضافة موظفين صينيين في منازلهم للأكل والنوم معهم ومراقبتهم). دخل المسؤولون المنازل، وجمعوا معلومات عن أفكار الأسر ودينهم، وأجروا لهم توجيهًا سياسيًا. ووثقت المنظمات الحقوقية أن العائلات لم تكن تملك خيار الرفض. وبذلك دمر الحزب الحد الفاصل بين الحياة الخاصة وسلطة الدولة، ومحوّلًا المراقبة إلى صورة “قرابة”.

تصدير النموذج إلى الخارج

تطبق بكين المبدأ نفسه في الخارج؛ إذ لا تتعامل مع الصينيين في المغترب كجاليات منفصلة سياسيًا، بل كمورد عابر للحدود يُعبأ لخدمة الحزب.

في عام 2018، أُدمج “مكتب شؤون الصينيين المغتربين” ضمن “دائرة عمل الجبهة المتحدة” (الجهاز الحزبي المسؤول عن إدارة نفوذ الصين والتأثير على القوى غير الحزبية داخل وخارج البلاد). ويهدف هذا العمل لتجنيد المغتربين ورجال الأعمال لدعم سياسات بكين ومشاريعها مثل “مبادرة الحزام والطريق” (مشروع صيني ضخم لبناء شبكات موانئ وطرق وسكك حديدية عالمية لتوسيع نفوذها).

كما تُستخدم هذه الشبكات لتكذيب التقارير الحقوقية حول منطقة الأويغور؛ فبينما يُحرم الأويغور في الداخل من الحديث عن الاعتقالات الجماعية والعمل القسري، يُدفع رجال الأعمال والجمعيات الصينية في الخارج لنشر رواية بكين حول “الازدهار والوحدة العرقية”.

وتُشكل “مدن الصداقة” (التوأمة بين المدن) طبقة أخرى من هذه البنية؛ فمثلاً تُستخدم الشراكة بين “شانغهاي” و”بارسلونا”، أو شبكة مدينة “شنجن” الخارجية، لفتح قنوات نفوذ دائم لربط المؤسسات والشركات الأجنبية بالاستراتيجية الصينية.

وحتى المساعدات الخارجية الصينية، أشار مقال في صحيفة “الشعب” اليومية (اللسان الرسمي للحزب الشيوعي) عام 2019 أنها ليست “سخاءً مجانيًا”، بل أداة لفتح الأسواق أمام الشركات الصينية وفرض المعايير الصينية وتنسيق التبعية الاقتصادية.

وفي جانب السيطرة الأمنية، أطلقت مدينة “فوتشو” منصة “110 عبر البحار” (رقم الطوارئ الشرطي الصيني مُحولاً لخدمة عابرة للحدود)، والتي كشفت منظمة “سافغارد ديفيندرز” الحقوقية أنها تُستخدم كـ “محطات شرطة خارجية سريّة” لضغط وإجبار المعارضين في الخارج على العودة للصين دون أطر قضائية رسمية.

وأخيراً، تسعى بكين لاستغلال الباحثين والمستشرقين الأجانب (العلماء الغربيين المتخصصين في تاريخ وثقافة الصين) كـ “بذور” لنشر صوت بكين، عبر إنشاء قواعد بيانات حول أفكارهم وتوجيههم لتبني النظرة الصينية.

الخلاصة

يعرف الأويغور تماماً ماذا تعني المصطلحات الصينية: “التنمية” تعني التجريد من الممتلكات، “المساعدة” تعني التغلغل الإداري، “الوحدة العرقية” تعني اقتحام المنازل، “الخدمة” تتحول إلى مراقبة، و”التغذية الثقافية” تعني استبدال لغة الشعب ودينه وهويته.
تتغير المصطلحات في الخارج، لكن النظام والمنطق الحاكم يظلان كما هما: تحويل العلاقات الإنسانية إلى أداة لسلطة الدولة.

ترجم المقال من موقع: بيتر وينتر (Bitter Winter)

وتم التعديل عليه بتصرف يسير.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *