لم تعد الأبوة في قطاع غزة تعني توفير المأوى أو الطعام أو الطمأنينة للأبناء، بل أصبحت مع استمرار الحرب رحلة يومية من القلق والعجز، في ظل القصف المستمر والنزوح المتكرر وانعدام الأمن والغذاء، حيث يجد آلاف الآباء أنفسهم عاجزين عن تقديم أبسط الوعود لأطفالهم.
هذه الصورة المؤلمة يرسمها الكاتب الفلسطيني حسن حرز الله في شهادة إنسانية تستعرض معاناة الآباء داخل القطاع، موضحاً أن الحرب سلبت منهم القدرة على حماية أسرهم أو حتى طمأنة أطفالهم بشأن اليوم التالي.
خوف لا ينتهي
يروي الكاتب أنه نجا من غارة جوية استهدفت مخيماً قريباً من المكان الذي كان يجلس فيه، وعندما عاد إلى هاتفه وجد عشر مكالمات فائتة من والده الذي كان يجهل مصيره.
ويصف تلك اللحظات بأنها كشفت له حجم الخوف الذي يعيشه كل أب في غزة، إذ قد يخرج الابن صباحاً ثم يتحول في لحظات إلى أحد ضحايا القصف أو المفقودين، دون أن يملك الأب أي وسيلة لحمايته.
نزوح متكرر بلا وجهة آمنة
وتتكرر هذه المأساة مع آلاف الأسر الفلسطينية التي اضطرت للنزوح مرات عديدة، ومن بينها قصة أحمد عصفور، الذي اضطر إلى مغادرة مخيمه بعد توسيع مناطق الإخلاء.
ويقول إن أصعب ما واجهه كان سؤال طفله: “إلى أين سنذهب؟”، في وقت لم يكن يعرف فيه مكاناً آمناً يأوي إليه أسرته، بينما كان مطالباً أيضاً برعاية والدته المسنة التي تعجز عن الحركة.
وتبرز هذه القصة كيف يُجبر الآباء على إظهار الثبات أمام أطفالهم، رغم أنهم أنفسهم يعيشون حالة من الضياع وعدم اليقين.
ألم المفقودين
ومن بين أكثر القصص إيلاماً، تأتي قصة معاناة صالح المغير، الذي لا يزال يجهل مصير ابنه خالد منذ خروجه لجلب بعض الملابس في الأيام الأولى للنزوح من رفح.
ويعيش الأب بين الأمل والخوف، فلا يملك دليلاً على وفاة ابنه ولا معلومات تؤكد أنه ما زال حياً، الأمر الذي يدفعه إلى متابعة قوائم الضحايا وزيارة المستشفيات باستمرار بحثاً عن أي خبر يطمئن قلبه.
ولا يزال يُجهل مصير أكثر من 11 ألف شخص في غزة منذ بداية الحرب، وفق بيانات الأمم المتحدة.
الجوع… معركة أخرى
ولا يقتصر خوف الآباء على القصف، بل يمتد إلى تأمين الغذاء لأسرهم.
ومن ذلك قصة التاجر رائد فرحان، الذي كان يعيش حياة مستقرة قبل الحرب، لكنه أصبح يقضي أيامه في البحث عن الطعام لعائلته، حتى اضطر في بعض الأحيان إلى الاستدانة لتوفير احتياجات أطفاله.
ويقول إن أكثر ما يؤلمه سؤال ابنته عمّا إذا كانوا سيموتون جوعاً، وهو سؤال جعله ينظر إلى الطعام بوصفه هاجساً دائماً لا يغيب عن ذهنه.
عبء نفسي ثقيل
ويخلص الكاتب إلى أن الحرب لم تكتفِ بتدمير المنازل والبنية التحتية، بل حملت الآباء أعباء نفسية هائلة، إذ أصبحوا مطالبين بإشعار أطفالهم بالأمان في بيئة تخلو من أي مقومات للاستقرار.
ويؤكد أن أصعب ما فرضته الحرب على الآباء ليس فقط فقدان الأحبة أو الممتلكات، وإنما الشعور اليومي بالعجز عن حماية من يحبون، وتحمل مسؤولية أشياء لا يملكون القدرة على منعها أو تغييرها.






اترك تعليقاً