فخّ أرقام الضحايا في غزة.. حين تتحول المأساة الإنسانية إلى إحصاءات يومية

8a6cd240 8148 11ee a2c0 75bbeb28cb15.jpg

في غزة، لم تعد أرقام القتلى والجرحى مجرد بيانات تُحدَّث في نشرات الأخبار؛ فقد تحولت كثرة تكرارها إلى ظاهرة تهدد بإفراغ المأساة من بعدها الإنساني. فحين يتكرر يوميًا خبر مقتل عشرات الفلسطينيين وإصابة آخرين، قد تتحول الأرقام تدريجيًا من صدمة إنسانية إلى إحصاء روتيني، رغم أن كل رقم يمثل إنسانًا وعائلة وقصة حياة.

هذا هو جوهر المقال الذي كتبه رمزي بارود في 31 يوليو/تموز 2026، والذي يحذر فيه من الوقوع فيما يسميه «فخ عدّ الضحايا»: أي الاكتفاء بتسجيل أعداد القتلى والجرحى، بينما يستمر القتل وتتراكم الخسائر دون أن يتحول توثيق المأساة إلى فعل قادر على وقفها.

حين يفقد الرقم معناه

الأخبار التي تتحدث عن «مقتل 13 فلسطينيًا وإصابة آخرين» قد تثير الحزن والصدمة في البداية، لكن تكرار الصيغة نفسها يومًا بعد يوم يمكن أن يجعلها مألوفة للقارئ.

وبحسب الأرقام التي أوردها المقال نقلًا عن وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، فقد تجاوز عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا أو أصيبوا منذ بدء الحرب في عام 2023 250 ألف شخص، بينما يتواصل تحديث حصيلة القتلى بصورة يومية مع استمرار الهجمات.

لكن المشكلة، وفق بارود، لا تكمن في الأرقام نفسها، وإنما في الطريقة التي يمكن أن تجعلنا بها الأرقام ننسى البشر الذين يقفون خلفها.

فخلف كل رقم شخص كان له اسم وعائلة وأصدقاء وحياة وتفاصيل يومية، قبل أن تتحول قصته إلى سطر في خبر عاجل.

خلف كل رقم عائلة

يورد المقال مثالًا على ذلك من عائلة فلسطينية قُتل عدد من أفرادها في ضربة واحدة في 21 يوليو/تموز، بينهم أربعة أطفال.

وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي صورة لثلاثة من الأطفال الذين قُتلوا، بينهم طفل يرتدي قميصًا يحمل اسم «Santa Monica Beach»، وشقيقته التي ترتدي نظارة وتحمل شهادة تفوق مدرسية، إلى جانب شقيقتهما الصغرى.

هذه التفاصيل الصغيرة تكسر حاجز الأرقام؛ فهي تذكر بأن الأطفال الذين يُختصرون في الإحصاءات كانوا طلابًا وأبناءً وإخوةً وأفرادًا في أسر لها أحلامها وحياتها اليومية.

ويشير المقال إلى تقديرات أممية ودولية تفيد بمقتل أكثر من 21 ألف طفل في غزة، إضافة إلى عشرات الآلاف ممن أصيبوا أو ما زالوا تحت الأنقاض.

وهنا يصبح الرقم نفسه صادمًا، لكنه لا يستطيع وحده أن ينقل حجم المأساة؛ لأن كل طفل في هذا العدد يمثل مأساة مستقلة لأسرة بأكملها.

مأساة يعرفها العالم ولا يوقفها

المفارقة الأكبر، وفق المقال، هي أن مأساة غزة لم تعد مجهولة للعالم.

فالمجتمع الدولي يعرف أعداد الضحايا، ويرى صور الدمار، وتصدر المنظمات الدولية تقارير متتالية عن الوضع الإنساني، بينما تستمر الحرب.

وأشار المقال إلى تقرير مشترك صدر في 23 يوليو/تموز عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO واليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي WFP، أفاد بأن نحو 1.4 مليون فلسطيني في غزة يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي.

وحذر التقرير كذلك من أن أكثر من 74 ألف طفل دون الخامسة قد يحتاجون إلى علاج عاجل من سوء التغذية الحاد خلال العام التالي.

وفي اليوم نفسه، كانت السلطات الصحية في غزة قد رفعت حصيلة القتلى، وفق المقال، إلى أكثر من 73,311 فلسطينيًا، مع استمرار ارتفاع الرقم بعد ذلك.

كما نقل المقال عن ثمين الخيطان، من مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، قوله في 23 يوليو/تموز إن «لا مكان في غزة يمكن اعتباره آمنًا».

لكن السؤال الذي يطرحه المقال ليس ما إذا كان العالم يعرف ذلك، بل: ماذا يفعل العالم بعدما عرف؟

من التوثيق إلى الاعتياد

المشكلة، بحسب بارود، أن المجتمع الدولي بات قادرًا على متابعة المأساة لحظة بلحظة دون أن تتغير النتيجة.

يُعلن عدد جديد من القتلى، ثم يصدر بيان إدانة، وتُحدَّث التقارير الإنسانية، وتتكرر الدعوات إلى حماية المدنيين، ثم يأتي اليوم التالي بحصيلة جديدة.

وبهذه الطريقة، يتحول التوثيق نفسه إلى طقس متكرر لا يصاحبه بالضرورة تغيير في الواقع.

وهنا تكمن خطورة الاعتياد على أرقام الضحايا؛ إذ يمكن أن يصبح ارتفاع الحصيلة مجرد خبر جديد، بدل أن يكون مؤشرًا على مأساة إنسانية تستدعي تحركًا عاجلًا.

الجوع جزء من المأساة

ولا تختصر المأساة في القصف والقتل.

فتقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية تشير إلى أن الحرب أوجدت أزمة واسعة في الغذاء وسوء التغذية، ما يجعل الأطفال والفئات الأكثر ضعفًا عرضة لتبعات طويلة الأمد.

وبحسب التقرير المشترك الذي أورده المقال، فإن 1.4 مليون شخص يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، فيما يواجه عشرات الآلاف من الأطفال خطر سوء التغذية الحاد.

وهكذا تتجاوز آثار الحرب لحظة القصف نفسها؛ فهناك أسر تواجه فقدان أفرادها، وأطفال معرضون لسوء التغذية، ونازحون يعيشون في ظروف قاسية، وبنية تحتية مدمرة، ومجتمع بأكمله يواجه آثارًا إنسانية ونفسية واجتماعية متراكمة.

واقع جديد على الأرض

ويشير المقال كذلك إلى استمرار تغير الواقع الجغرافي داخل قطاع غزة، متحدثًا عن سيطرة إسرائيل على مساحات إضافية من القطاع رغم ما يوصف بأنه وقف لإطلاق النار.

كما يتحدث عن إقامة حواجز ترابية واسعة داخل القطاع، يقدر امتدادها بنحو 23 كيلومترًا، بما قد يؤدي إلى فرض واقع جغرافي جديد على الأرض.

وهذه التطورات تثير سؤالًا يتجاوز العمليات العسكرية اليومية: هل تتحول الحرب من حملة عسكرية مؤقتة إلى إعادة تشكيل طويلة الأمد لجغرافيا القطاع؟

ويحذر المقال من أن استمرار السيطرة العسكرية وتضييق مساحة الحركة أمام الفلسطينيين قد يجعل الأزمة الإنسانية أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع استمرار النزوح والدمار.

القانون الدولي أمام اختبار جديد

ويعكس المقال أيضًا حالة من فقدان الثقة لدى الفلسطينيين تجاه قدرة المؤسسات الدولية على تحقيق العدالة، في ضوء عقود من الصراع منذ نكبة 1948 وما تبعها من حروب وتهجير ومصادرة أراضٍ.

وبالنسبة إلى الكاتب، فإن الفارق الأساسي بين الماضي والحاضر هو أن ما يحدث في غزة لم يعد بعيدًا عن أعين العالم؛ فالتطورات تُوثق بصورة مستمرة عبر وسائل الإعلام والصور وشهادات المدنيين والمنظمات الدولية.

ومن هنا، فإن القضية لم تعد قضية نقص المعلومات، بل الفجوة بين المعرفة والفعل.

العالم يرى الأرقام، ويسمع شهادات الناجين، ويقرأ التقارير الإنسانية، لكنه لا يزال يواجه عجزًا عن وقف المأساة بصورة حاسمة، بحسب المقال.

لا تجعلوا الضحايا مجرد أرقام

في النهاية، لا يدعو الكاتب إلى التخلي عن إحصاء الضحايا، فتوثيق أعداد القتلى والجرحى أمر بالغ الأهمية لفهم حجم الكارثة، وتوثيق الانتهاكات، وحفظ الأدلة، وتحديد المسؤوليات.

لكن التحذير هو من الاكتفاء بالأرقام.

فوراء كل رقم قصة، ووراء كل طفل قتيل أسرة فقدت مستقبلها، ووراء كل مصاب حياة تغيرت، ووراء كل عائلة مكلومة مجتمع كامل تتراكم فيه الخسائر يومًا بعد يوم.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول ارتفاع عدد الضحايا إلى مجرد تحديث يومي في شريط الأخبار.

فالرقم يوثق المأساة، لكنه لا يستطيع أن يجسدها كاملة.

وإذا كان العالم قد أصبح يعرف ما يحدث في غزة بصورة غير مسبوقة، فإن التحدي لم يعد في الحصول على المعلومات، وإنما في منع هذه المعلومات من التحول إلى اعتياد على المأساة.

وفي هذا المعنى، فإن مقاومة «فخ الأرقام» لا تعني تجاهل أعداد القتلى، بل تعني النظر إلى كل رقم باعتباره إنسانًا له اسم ووجه وأسرة وحياة كانت قائمة قبل أن تنتهي تحت وطأة الحرب.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *