دخل رئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان عامه الرابع خلف القضبان، بالتزامن مع خروج آلاف من أنصار حزبه «حركة الإنصاف الباكستانية» (PTI) في احتجاجات بعدة مدن للمطالبة بالإفراج عنه، وسط تصاعد الانتقادات بشأن ظروف احتجازه وحقوقه في التواصل مع أسرته ومحاميه.
وشهدت عدة مناطق في باكستان، الأربعاء 5 أغسطس/آب 2026، احتجاجات لأنصار خان وسط انتشار أمني مكثف، في ذكرى مرور ثلاث سنوات على سجنه، بينما طالبت عائلته وحزبه ومنظمات حقوقية بإعادة حقوقه الدستورية وتحسين ظروف احتجازه.
ثلاث سنوات خلف القضبان
يبلغ عمران خان 73 عامًا، وكان قد تولى رئاسة الوزراء بين عامي 2018 و2022، قبل أن يُعزل من منصبه في تصويت بحجب الثقة في أبريل/نيسان 2022. وقال خان آنذاك إن إبعاده عن السلطة جاء نتيجة مؤامرة مدعومة من الجيش والولايات المتحدة، وهو ما نفته واشنطن والمؤسسة العسكرية الباكستانية.
وبعد قيادته احتجاجات ضد عزله، اعتُقل لفترة وجيزة في مايو/أيار 2023، ثم أودع السجن في 5 أغسطس/آب من العام نفسه على خلفية قضايا تتعلق بالفساد وتسريب أسرار الدولة، وهي اتهامات رفضها ووصفها بأنها ذات دوافع سياسية.
ومنذ ذلك الحين، أُدين خان وزوجته بشرى بيبي في عدة قضايا، فيما تعرض حزب PTI لحملة اعتقالات طالت قياداته، وحُظر عليه خوض الانتخابات العامة لعام 2024.
ويقضي خان حاليًا حكمًا بالسجن لمدة 14 عامًا في قضية فساد، بينما حُكم على زوجته بالسجن سبع سنوات في القضية نفسها. وفي ديسمبر/كانون الأول، صدر بحقهما حكم إضافي بالسجن 17 عامًا في قضية تتعلق بهدايا الدولة.

انتقادات حقوقية لظروف الاحتجاز
تزامن استمرار سجن خان مع انتقادات متزايدة من منظمات حقوقية دولية بشأن ظروف احتجازه.
وقالت منظمة العفو الدولية إن خان لم يلتقِ أفراد أسرته منذ أكثر من ثمانية أشهر، كما لم يحصل على وصول فعلي إلى محاميه منذ ديسمبر/كانون الأول.
واتهمت المنظمة السلطات الباكستانية بحرمانه بصورة منهجية من حقه في محاكمة عادلة، ووضعه في الحبس الانفرادي لفترات طويلة، وتقييد حصوله على الرعاية الطبية والزيارات.
كما طالبت السلطات بالسماح لخان وزوجته بالوصول إلى عائلتهما ومحاميهما، وتوفير الرعاية الطبية اللازمة وإنهاء الحبس الانفرادي.
وتأتي هذه الانتقادات في أعقاب مواقف صادرة عن آليتين تابعتين للأمم المتحدة؛ إذ خلص الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي في يوليو/تموز 2024 إلى أن احتجاز خان «تعسفي»، بينما حذرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالتعذيب، أليس جيل إدواردز، من أن ظروف عزله الانفرادي، التي قيل إنها تصل إلى 23 ساعة يوميًا مع مراقبة مستمرة بالكاميرات، قد ترقى إلى مستوى التعذيب.
أزمة صحية تزيد الضغوط

أصبحت صحة عمران خان أحد أبرز ملفات الجدل مع دخوله عامه الرابع في السجن.
وبحسب حزبه، شُخّص خان في يناير/كانون الثاني بمشكلة في شبكية العين اليمنى، وتلقى منذ ذلك الحين خمس حقن في مستشفى حكومي، قال الحزب إنها أُجريت دون إخطار مسبق لأسرته أو محاميه.
وفي الأسبوع السابق، وافقت المحكمة العليا على النظر في طلب قدمه خان لنقله إلى مستشفى خاص في إسلام آباد والسماح له بتلقي العلاج على يد أطباء يختارهم، بعد أن ظل الطلب معلقًا أمام المحكمة منذ فبراير/شباط.
وقال محامٍ مختص بالقانون الدستوري إن الحصول على الرعاية الطبية المناسبة «ليس امتيازًا تمنحه الدولة وفق تقديرها»، بل التزام دستوري وقانوني وأخلاقي.
الحكومة ترفض الاتهامات
في المقابل، ترفض الحكومة الباكستانية الاتهامات المتعلقة بالتعامل غير القانوني مع خان، وتؤكد أن ظروف احتجازه تخضع للرقابة القضائية.
وقال وزير الدولة للداخلية، طلال تشودري، إن ملاحظات المنظمات الدولية لا تتجاوز اختصاص المحاكم الباكستانية المستقلة وقرارات المؤسسات المختصة.
وأكد أن خان يحصل على ظروف إقامة وتجهيزات تتجاوز ما هو متاح عادة للسجناء، مشيرًا إلى توفير أماكن مخصصة للطهي ومرافق للتمرين وغيرها من الخدمات.
كما رفضت الحكومة فكرة التوصل إلى تسوية سياسية مع خان، مؤكدة أن أي تخفيف للعقوبة أو الإفراج عنه يجب أن يتم من خلال المسار القضائي وليس عبر مفاوضات سياسية.
الجيش مفتاح الأزمة السياسية؟
ويرى محللون أن مستقبل عمران خان لا يعتمد فقط على قرارات المحاكم، بل يرتبط أيضًا بموقف المؤسسة العسكرية الباكستانية، التي تتمتع بنفوذ كبير في الحياة السياسية للبلاد.
وقال محلل سياسي إن استمرار اعتبار خان منافسًا سياسيًا رئيسيًا من جانب الجيش والأحزاب الحاكمة يقلل الحوافز أمام الدولة لتسهيل عودته إلى الحياة السياسية، معتبرًا أن التطورات الحالية قد تجعل الإفراج عنه أقل احتمالًا.
في المقابل، يرى معلقون آخرون أن جزءًا من الأزمة يرتبط بموقف خان نفسه، إذ تشير تقديرات إلى أن المؤسسة العسكرية تريد منه الاعتذار عن أحداث 9 مايو/أيار 2023، عندما هاجم أنصار حزب PTI منشآت عسكرية خلال احتجاجات أعقبت اعتقاله.
لكن خان لم يقدم اعتذارًا أو مصالحة مع المؤسسة العسكرية.
صراع على مستقبل باكستان
لا تبدو قضية عمران خان مجرد نزاع قضائي حول أحكام فساد، إذ أصبحت رمزًا لصراع سياسي أوسع حول استقلال المؤسسات ومستقبل الديمقراطية في باكستان.
فحزب PTI يرى أن استمرار احتجاز زعيمه جزء من حملة سياسية تهدف إلى إبعاده عن المشهد، بينما تؤكد الحكومة أن القضايا المرفوعة ضده تخضع للقانون وأنه لا يمكن منحه معاملة تفضيلية أو تسوية سياسية خارج المسار القضائي.
وبين الروايتين، يبقى الجيش عنصرًا حاسمًا في تحديد اتجاه الأزمة، وفق محللين يرون أن أي تحول في حسابات المؤسسة العسكرية قد يفتح الطريق أمام أحكام قضائية أو تسوية سياسية تغير وضع خان.
ومع دخول عمران خان عامه الرابع في السجن، تبدو الأزمة أبعد من مجرد قضية سجين سياسي؛ فهي اختبار مستمر لاستقلال القضاء، وحدود نفوذ المؤسسة العسكرية، وقدرة المعارضة على العمل السياسي في باكستان. وفي ظل استمرار الاحتجاجات والضغوط الحقوقية، يبقى مستقبل خان مرتبطًا ليس فقط بمسار القضايا المرفوعة ضده، وإنما أيضًا بالتوازنات السياسية التي تحكم البلاد.





اترك تعليقاً