شمال لبنان بين المشاريع التنموية والتجاذبات الإقليمية

يشهد شمال لبنان، ولا سيما مدينة طرابلس ومحيطها، اهتماماً متزايداً في الأوساط السياسية والاقتصادية مع تجدد الحديث عن إعادة تشغيل مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات وتطوير مرفأ طرابلس، في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالبلاد والتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

image 58

ويُعد مطار القليعات، الواقع في محافظة عكار شمالي لبنان، أحد أبرز المشاريع المطروحة منذ سنوات بهدف تعزيز البنية التحتية للنقل الجوي وتخفيف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت. ويرى مؤيدو المشروع أن تشغيل المطار من شأنه تحفيز التنمية الاقتصادية في الشمال وخلق فرص عمل جديدة، إضافة إلى تعزيز حركة النقل والتجارة والسياحة.

1379277954

أما مرفأ طرابلس، ثاني أكبر المرافئ اللبنانية، فيحظى باهتمام متزايد نظراً لموقعه الاستراتيجي على ساحل البحر المتوسط وقربه من الحدود السورية. وتعتبره جهات اقتصادية بوابة محتملة للمساهمة في عمليات إعادة الإعمار والتبادل التجاري الإقليمي مستقبلاً، خصوصاً في حال تحسن الظروف السياسية والأمنية في سوريا.

في المقابل، تثير هذه المشاريع نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية اللبنانية. فبينما ينظر إليها البعض باعتبارها مشاريع إنمائية ضرورية لإنعاش الاقتصاد اللبناني، يرى آخرون أنها ترتبط بحسابات جيوسياسية أوسع في ظل التنافس الدولي المتصاعد على النفوذ في شرق المتوسط وممرات التجارة والطاقة.

ويأتي هذا الجدل في وقت يواجه فيه لبنان تحديات سياسية واقتصادية غير مسبوقة، تشمل أزمة مالية مستمرة وتراجعاً في الخدمات العامة والبنية التحتية، ما يجعل أي مشروع استراتيجي في البلاد موضع اهتمام داخلي وخارجي على حد سواء.

ويرى الباحث والمحلل السياسي أحمد القصص أن المشاريع المطروحة في شمال لبنان، وفي مقدمتها إعادة تشغيل مطار القليعات وتطوير مرفأ طرابلس، لا يمكن قراءتها من زاوية اقتصادية بحتة، بل تأتي ضمن ترتيبات إقليمية ودولية أوسع تسعى إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ في المنطقة. ويعتبر أن الموقع الاستراتيجي لطرابلس والشمال اللبناني يجعلهما جزءاً من صراع جيوسياسي يتجاوز الحدود اللبنانية، محذراً من أن بعض المشاريع التنموية قد تُستغل لخدمة أجندات سياسية وأمنية خارجية تحت عناوين الاستثمار والتنمية.

ويرى مراقبون أن مستقبل هذه المشاريع سيعتمد بصورة كبيرة على قدرة الدولة اللبنانية على تأمين التمويل اللازم، وتحقيق توافق سياسي داخلي، إضافة إلى التطورات الإقليمية التي تؤثر بشكل مباشر في موقع لبنان ودوره ضمن المعادلات الاقتصادية والأمنية في المنطقة.

وفي ظل استمرار النقاشات حول مستقبل الشمال اللبناني، تبقى طرابلس وعكار في قلب التحديات والفرص معاً، بين الحاجة الملحة إلى التنمية الاقتصادية من جهة، والتجاذبات السياسية والإقليمية التي تحيط بالمشاريع الكبرى من جهة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *