كأن الزمن توقف في منطقة الريف ليعاني من جمود يخنق التنمية في الخارج، وعزلة تقيد معتقلي حراكها في الداخل. فبينما كان الشارع ينتظر انفراجةً لملفٍ تبلور حول حقوقٍ مشروعة، اختارت السلطات منطق الحسم والتعنت؛ لينتهي المطاف بنشطاء الحراك وهم يدفعون كلفة باهظة من سلامتهم النفسية والجسدية وسنوات عمرهم، في خطوة تقرأها الأوساط الحقوقية كرسالة ردعٍ واضحة وعبرةٍ لمن هم خارج أسوار السجون.
نبذة تاريخية
في عام 1437هـ (2016م)، هزت انتفاضة الريف السلطة المغربية عقب وفاة بائع السمك، محسن فكري، الذي سُحق داخل شاحنة نفايات أثناء محاولته استعادة بضاعته التي صادرتها السلطات في مدينة الحسيمة الساحلية. ولم تكن الاضطرابات التي تلت ذلك مجرد تعبير عن التضامن الشعبي مع الضحية، بل كانت شرارة لحركة شعبية واسعة تنتقد السياسة العامة التي مالت إلى تهميش وإهمال منطقة الريف وسكانها لسنوات طويلة.
الحراك لم ينطلق بمطالب سياسية أو إيديولوجية، بل تبلور في ملف مطلبي، اجتماعي، حقوقي واقتصادي بامتياز، تمثل أساساً في:
- إنشاء مستشفى إقليمي: لعلاج مرضى السرطان، نظراً لارتفاع نسب الإصابة في المنطقة تاريخياً.
- تأسيس جامعة مستقلة: تضمن لأبناء المنطقة متابعة دراستهم الجامعية دون تحمل مشاق وتكاليف الاغتراب.
- إنهاء المظاهر العسكرية: إلغاء وضعية العسكرة غير المعلنة عن الإقليم، وجلب استثمارات حقيقية لتقليص نسب البطالة المرتفعة.
على مدار عام تقريباً، توالت المظاهرات وضمت سكاناً من جميع الفئات؛ شباباً ورجالاً ونساءً وأطفالاً يواجهون الصعوبات الحياتية ذاتها. واستمر الوضع كذلك إلى أن اتخذت السلطات حادثة مقاطعة ناصر الزفزافي — وهو أبرز الوجوه التي قادت الحراك وأصبح رمزاً له — لخطبة الجمعة ذريعةً للتدخل التعسفي، وإيقاف هذا الحراك، واعتقال مئات الأشخاص، وإسكات الاحتجاج عبر نشر آلاف من رجال الشرطة والجيش في المنطقة.
وعندما زارت صحيفة “لوموند” مدينة الحسيمة للمرة الثالثة في 1439هـ (أغسطس 2017م)، وجدت مدينة تعيش تماماً تحت وطأة حصار شديد.
وانتهت هذه المسارات القضائية بأحكام وُصفت بالقاسية والتاريخية؛ حيث كان السجن عشرين عاماً هو الحكم الذي عوقب به ناصر وثلاثة قادة آخرين بتهمة “المؤامرة للمس بأمن الدولة”. كما حُكم على ثلاثة متهمين آخرين بالسجن لمدة 15 عاماً، وعلى سبعة منهم بـ 10 سنوات، وعلى عشرة آخرين بـ 5 سنوات؛ بينما تراوحت بقية الأحكام بين سنتين وثلاث سنوات سجناً.
لتمر السنين وهي تحمل فصولاً متجددة من المعاناة النفسية والجسدية للنزلاء وأهاليهم.
فبالرغم من ترحيل ناصر الزفزافي ورفاقه من قادة النواة الصلبة للحراك إلى سجون الشمال (مثل سجن “طنجة 2”) لتقريبهم نسبياً من مسقط رأسهم، إلا أن هذا الإجراء لم يوقف نزيف المأساة الإنسانية التي تطوق عائلاتهم.
وتتجلى ذروة هذه المرارة في تلك المفارقة الأليمة التي يعيشها ناصر الزفزافي خلف القضبان؛ فبينما بحّ صوته مطالباً بمستشفى إقليمي لعلاج الأورام تحت وطأة نسب مرتفعة في حالات الإصابة، نهش هذا المرض الخبيث بيته دون رحمة. فقد انقضّ على والده ولم يتركه إلى أن أسقطه ميتاً، في حين لا تزال والدته تصارعه وسط تدهور وضعها الصحي، ليدفع ناصر عقوداً من عمره في العزلة ثمنًا للمطالبة بملجأ طبي لم يسعف أقرب الناس إليه.






اترك تعليقاً