تقرير حقوقي: “إسرائيل” تُزيل أنقاض غزة وسط تحذيرات من طمس أدلة محتملة على جرائم حرب وإبادة جماعية

HOyc56OWsAAkqQA

حذرت المنظمة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان من أن “إسرائيل” تنفذ عمليات واسعة ومنظمة لإزالة أنقاض المباني المدمرة في قطاع غزة، معتبرة أن هذه العمليات لا تقتصر على رفع الركام، بل قد تؤدي إلى طمس أدلة مادية مهمة يمكن أن تستخدم في التحقيقات الدولية المتعلقة باتهامات ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الإبادة الجماعية.

وقالت المنظمة، ومقرها جنيف، إن القوات الإسرائيلية، إلى جانب شركات مدنية تعمل تحت حمايتها، تقوم بإزالة الركام من المناطق الخاضعة لسيطرتها العسكرية داخل القطاع ونقله إلى خارجه، دون وجود رقابة مستقلة أو توثيق رسمي لحجم المواد المنقولة، وقبل أن تتمكن لجان التحقيق الدولية والمحلية من معاينة مواقع الدمار وتوثيقها.

مخاوف من طمس الأدلة

وترى المنظمة أن إزالة الأنقاض بهذه الطريقة قد تؤدي إلى إخفاء أدلة مادية مرتبطة بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن العديد من مواقع الدمار قد تحتوي على بقايا ضحايا ما زالوا تحت الأنقاض، أو مقابر جماعية محتملة، أو آثار يمكن أن تساعد المحققين على إعادة بناء تفاصيل الهجمات، وتحديد نوع الأسلحة المستخدمة، ومسار إطلاق النار، وهوية الضحايا، وغير ذلك من الأدلة الجنائية.

وأكدت أن عمليات سحق الركام وخلطه ونقله من أماكنه الأصلية تؤدي إلى تدمير مسرح الجريمة، وقطع سلسلة حفظ الأدلة، وهو ما قد يجعل من الصعب أو المستحيل استخدامها مستقبلاً أمام المحاكم الدولية.

ركام يحمل ذاكرة الحرب

وبحسب تقديرات مشتركة أصدرها البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، فإن قطاع غزة يحتوي على نحو 68 مليون طن من الأنقاض، نتجت عن ما يقرب من ثلاثة أعوام من العمليات العسكرية، والتي أسفرت عن دمار واسع طال أكثر من 80% من مباني القطاع بين تدمير كلي أو جزئي.

وتشير المنظمة إلى أن ما لا يقل عن 10 ملايين طن من الركام قد أزيلت بالفعل أو سُحقت أو نُقلت من مواقعها الأصلية داخل المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، باستخدام مئات الآليات الثقيلة التابعة لشركات مدنية إسرائيلية تعمل تحت حماية الجيش.

وأضافت أن الركام لا يمثل مجرد مخلفات إنشائية، بل يحتوي على ممتلكات خاصة ووثائق رسمية وأغراض شخصية ومواد بناء يمكن إعادة استخدامها في عمليات الإعمار، فضلاً عن أنه قد يخفي رفات آلاف المفقودين الذين ما زالت عائلاتهم تنتظر معرفة مصيرهم.

مخالفات للقانون الدولي

وترى المنظمة أن إزالة الركام واستغلاله أو نقله دون موافقة أصحابه أو تعويضهم قد يرقى، بحسب ظروف كل حالة، إلى مصادرة غير قانونية أو نهب، وهو ما تحظره اتفاقية جنيف الرابعة ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

كما اعتبرت أن هذه العمليات تأتي ضمن نمط أوسع يشمل، وفق وصفها، تجريف مواقع يشتبه في احتوائها على مقابر جماعية، واقتحام مستشفيات ومنشآت طبية، واستهداف صحفيين، وهدم مبانٍ في المناطق الواقعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.

مخالفة لقرارات محكمة العدل الدولية

وأشارت المنظمة إلى أن محكمة العدل الدولية كانت قد أصدرت، خلال عام 2024، أوامر مؤقتة طالبت فيها إسرائيل باتخاذ تدابير فعالة للحفاظ على الأدلة المتعلقة بالادعاءات المقدمة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وذلك في إطار القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، والتي انضمت إليها أو دعمتها عدة دول.

ويرى معدو التقرير أن إزالة الأنقاض قبل انتهاء أعمال التوثيق والتحقيق قد تتعارض مع تلك الأوامر، لأنها قد تؤدي إلى إتلاف أدلة لا يمكن تعويضها لاحقاً، حتى مع توفر الصور الجوية أو شهادات الشهود، إذ تعتمد التحقيقات الجنائية الدولية أيضاً على الأدلة المادية الموجودة في مواقع الأحداث.

إعادة الإعمار أم تغيير الواقع؟

وأكدت المنظمة أن أي جهود مستقبلية لإزالة الأنقاض أو إعادة إعمار قطاع غزة ينبغي أن تكون بقيادة الفلسطينيين أنفسهم، وبمشاركة أصحاب الأراضي وعائلات المفقودين، مع ضمان الحفاظ على الأدلة، وانتشال الرفات، وإزالة الذخائر غير المنفجرة، وإعادة استخدام مواد البناء داخل القطاع.

كما حذرت من أن تتحول مشاريع إعادة الإعمار إلى وسيلة لترسيخ واقع جديد على الأرض أو لإحداث تغييرات جغرافية أو ديموغرافية في القطاع، مشددة على ضرورة احترام حقوق السكان وممتلكاتهم وفق قواعد القانون الدولي.

وفي ظل استمرار الحرب وتعثر جهود وقف إطلاق النار، تتزايد الدعوات الحقوقية المطالبة بتمكين لجان تحقيق دولية مستقلة من الوصول إلى مواقع الدمار قبل إجراء أي تغييرات قد تمحو معالمها. ويرى مراقبون أن الحفاظ على الأدلة لا يتعلق فقط بإثبات المسؤوليات القانونية، بل يمثل أيضاً حقاً للضحايا وعائلاتهم في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة، حتى لا تضيع آثار ما جرى تحت ركام الحرب.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *