لم يعد الأمر مجرد زلة لسان أو خطأ في نطق اسم مرشح انتخابي. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرر، على الملأ، أن يسمي المرشح المسلم لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، عبد السيد، باسم «محمد»، ثم أعلن أنه سيفعل ذلك لأنه رئيس الولايات المتحدة، ويستطيع أن يسميه بما يشاء.
وخلال تجمع انتخابي في مدينة كلاركسفيل بولاية تينيسي، السبت 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قال ترامب عن منافس حزبه، وهو طبيب أمريكي من أصول مصرية:
«أنا أسميه محمد. قال لي أحدهم إن اسمه ليس محمد، بل عبد. فقلت: بالنسبة إليّ، هو محمد. أنا الرئيس، ويمكنني أن أسميه بما أشاء».
ثم مضى في وصفه بأنه «جهادي متطرف»، مؤكدًا أنه لا يريد جهاديًا عضوًا في مجلس الشيوخ عن ميشيغان.
لم يكن هذا التصريح معزولًا؛ فقد سبق لترامب أن خاطب المرشح باسم «محمد» في منشورات متكررة على منصته «تروث سوشيال»، ووصفه بأنه متعاطف مع الإرهاب، كما شن هجومًا على المهاجرين الصوماليين في مينيسوتا، وصور وجودهم باعتباره تهديدًا للولاية.
لماذا يصر ترامب على اسم «محمد»؟
المرشح الذي يستهدفه ترامب هو عبد الرحمن محمد السيد، المعروف سياسيًا باسم عبد السيد. أي إن «محمد» جزء من اسمه الكامل بالفعل، لكنه ليس الاسم الذي يستخدمه المرشح للتعريف بنفسه.
وهذه نقطة مهمة، لأن الإشكال ليس في استخدام اسم عربي موجود ضمن اسمه الرسمي، بل في إصرار ترامب على استبدال الاسم الذي يعرف به الرجل نفسه، بعد تنبيهه إليه، وتحويل هذا الإصرار إلى مادة للسخرية أمام جمهوره، ثم ربطه بأوصاف تتعلق بالجهاد والإرهاب.
واسم محمد ليس اسمًا عاديًا في وجدان المسلمين، فهو اسم نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يحظى بمكانة عظيمة لدى المسلمين في أنحاء العالم. ويُفدى بالنفس والنفيس!
إن استخدام الاسم محمد في سياق التهكم والتخويف من المرشح المسلم يمنح التصريح دلالة دينية مستفزة لا يمكن تجاهلها.
فلماذا يصر الرئيس الأمريكي على اختيار الاسم المرتبط بالهوية الإسلامية تحديدًا، ثم يقرنه باتهامات الإرهاب والتطرف؟
ولو كان الأمر خلافًا انتخابيًا طبيعيًا، لأمكن مناقشة أفكار عبد السيد وبرنامجه ومواقفه السياسية، والاعتراض عليها بشدة إن اقتضى الأمر. أما تحويل هويته الإسلامية إلى وسيلة للانتقاص منه، فهو مسار مختلف تمامًا.
الرئاسة ليست تصريحًا مفتوحًا للاستخفاف بالمعتقدات
الأشد استفزازًا في كلام ترامب ليس الاسم وحده، بل تبريره لهذا السلوك بكونه رئيسًا.
فحين يقول رئيس دولة إنه يستطيع أن يسمي شخصًا بما يشاء لأنه الرئيس، فإن ذلك يعكس فهمًا مقلقًا للعلاقة بين السلطة والاحترام؛ وكأن المنصب يمنح صاحبه الحق في تجاوز أبسط قواعد التعامل مع الآخرين.
والحقيقة أن السلطة لا تعفي صاحبها من المسؤولية الأخلاقية، بل تضاعفها.
وإذا كان من الممكن أن يُنظر إلى تهكم شخص عادي على اسم مسلم باعتباره سلوكًا فرديًا، فإن صدور الكلام نفسه عن رئيس الولايات المتحدة يمنحه وزنًا سياسيًا وإعلاميًا أكبر بكثير.
فكلمات الرئيس لا تبقى داخل قاعة انتخابية، بل تُنقل إلى ملايين المشاهدين، ويتلقاها مؤيدوه وخصومه، وقد تسهم في ترسيخ صور نمطية تصور المسلمين باعتبارهم غرباء أو مصدر تهديد لمجرد هويتهم الدينية.
وهذا ما يجعل التهاون مع هذا النوع من الخطاب أمرًا يتجاوز قضية مرشح واحد إلى مكانة المسلمين وحقوقهم وأمنهم داخل المجتمع الأمريكي.
سفاهة أم عداوة أم كلاهما معا؟
هل ما صدر عن ترامب مجرد تصرف سفيه يفتقر إلى الحصافة والاتزان اللذين يُفترضان في رئيس دولة، أم أنه تعبير عن عداء للإسلام والمسلمين بات يوظفه في معاركه السياسية؟ أم كلاهما معا؟
إن استمرار ترامب في استفزاز المسلمين أكد أن سلوكه محسوب لا عفوي، وأنه مدركٌ لما تثيره كلماته من استفزاز لكنه مع ذلك يصر عليها لاستمالة جمهوره.
فالرجل لم يخطئ في اسم مرشح ثم صحح خطأه، بل أُبلغ بالاسم الصحيح، فأصر على سخريته، متذرعًا بمنصبه الرئاسي، ثم ألحقها باتهامات التطرف والإرهاب. وهذا يجعل السؤال يتجاوز نواياه الشخصية إلى طبيعة الخطاب الذي يختار توجيهه إلى ملايين الأمريكيين.
فهل أصبحت إثارة العداء للمسلمين وسيلة للكسب السياسي أم هي حقيقة الدوافع السياسية الأمريكية بالأساس؟ وإذا كان الرئيس نفسه يتعامل بهذا الاستخفاف مع الهوية الإسلامية، فأي رسالة يبعث بها إلى من يتخذون من كلماته مرجعًا لمواقفهم؟ وإلى من يتحالفون معه من الدول في العالم الإسلامي؟
إن المسألة ليست اختبارًا لسلامة عقل ترامب، بل اختبار لمسؤوليته السياسية والأخلاقية؛ ففي الحالتين، سواء كان ما يفعله استهتارًا أم استفزازًا مقصودًا، فإن النتائج قد تكون واحدة: توثيق الكراهية، وتعريض علاقات الولايات المتحدة بالمجتمعات الإسلامية لمزيد من التوتر الذي لا يحتاج إليه الرئيس الأمريكي في هذه المرحلة بالتأكيد.
فإن كان خطاب ترامب يوثق حقيقة العداء الأمريكي للإسلام، أو كان يطعن في سلامة عقل ترامب، فإن قيادة الولايات المتحدة يبدو واضحا أنها لا تدرك أين هي ماضية!
التنديد وحده لا يكفي
لم يعد كافيًا أن يصدر بيان يستنكر التصريحات، ثم تنتهي القضية إلى أن يكرر ترامب الأسلوب نفسه في مناسبة جديدة.
إن احترام الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم، ليس منحة يقدمها الرئيس الأمريكي متى شاء، بل واجب يفرضه الإسلام نفسه وتفرضه مصالح الرئيس الأمريكي في العالم الإسلامي، ويقتضي أن يتوقف استخدام الهوية الدينية للمسلمين مادة للسخرية والتحريض السياسي وأن يغلظ عليه قبل أن يدفع ثمن تداعياتها القادمة لا محالة.
ومن ثم، فإن الرد المناسب ينبغي أن يكون واضحًا ومنظمًا؛ بالمطالبة العلنية بتصحيح التصريحات والاعتذار عن الإساءة، وبتحرك المؤسسات الحقوقية والقيادات الدينية والمدنية لإظهار خطورة هذا الخطاب، والإعلان عن رفضه تماما، ومحاسبة المسؤولين عنه بأي وسيلة ممكنة.
ليتعلم الأمريكي وحلفه الحذر من الانتقاص من المسلمين بسبب انتمائهم للإسلام.
فمن حق ترامب معارضة عبد السيد سياسيًا، وليس من المقبول أن يتحول انتماء الرجل إلى الإسلام إلى تهمة قائمة بذاتها.
الاستفزاز الديني ليس في مصلحة أمن الأمريكيين
ثمة جانب آخر يبدو غائبًا عن مثل هذا الخطاب: أن الرئيس الأمريكي لا يمثل نفسه وحده في نظر العالم، بل يمثل دولة ترتبط بعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية مع مجتمعات إسلامية واسعة.
وحين يكرر رئيس الولايات المتحدة لغة تستفز المشاعر الدينية للمسلمين أو تربط الإسلام بالسخرية والتهكم، فإنه يخاطر بتعميق العداء وتغذية روح الانتقام في سبيل نصرة الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، في وقت تحتاج فيه العلاقات الأمريكية إلى قدر أكبر من الحنكة وضبط الخطاب.
وهذه ليست مسألة مشاعر دينية فقط، بل مسؤولية أمنية أيضًا.
فالتصريحات المستفزة تقدم الدوافع الشرعية لاستهداف الولايات المتحدة، وتصوير الأمريكيين جميعًا كأعداء للإسلام، بما يزيد مخاطر الاستهداف الذي لا يفرق بين أمريكي وآخر. وكون المسلمين سبق أن تمكنوا من استهداف الأمريكيين حتى في الداخل الامريكي وفي أشد المدن تحصنا، وفي أهم المؤسسات رمزية، فعلى القيادة الأمريكية أن تعيد التفكير في تصرفات رئيسها الخرقاء.
فالقيادة الأمريكية هي التي تتحمل مسؤولية كلمات رئيسها، وتتحمل عواقب تحويل الغضب المشروع إلى استهداف مستمر للأمريكيين.
والأمن لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما كذلك بتجنب العداوات التي يمكن الاستغناء عنها، وباحترام المجتمعات التي تختلف مع الولايات المتحدة في الدين والثقافة والسياسة.
الاحترام ليس ضعفًا.. والاستهتار ليس قوة
يستطيع ترامب أن يخوض معاركه الانتخابية كما يشاء، وأن ينتقد خصومه ويجادلهم في برامجهم ومواقفهم، لكن مكانته رئيسًا لدولة كبرى تمر بمرحلة حرجة في عمرها، تقتضي منه التمييز بين المنافسة السياسية والاستخفاف بالإسلام العظيم.
وإذا كان يرى أن بإمكانه تسمية خصمه بما يشاء لمجرد أنه رئيس، فذلك لا يجعل تصرفه أكثر مشروعية، بل يجعل المسؤولية عنه أكبر.
إن ملايين المسلمين، داخل الولايات المتحدة وخارجها، ليسوا طرفًا في معركة ترامب الانتخابية مع عبد السيد. وليس من المقبول أن تُستدعى هويتهم الدينية إلى هذه المعركة بوصفها أداة للتخويف أو السخرية.
والرسالة التي ينبغي أن يسمعها ترامب واضحة: احترام الإسلام والمسلمين لا يتعارض مع حرية نقد مرشح سياسي لسياساته، ولا ينتقص من سلطة الرئيس، بل ينسجم مع المسؤولية التي يفترض أن يتحملها.
فالرئيس الذي يستطيع أن يأمر الجيوش ويتخذ قرارات تؤثر في مصائر الملايين، ينبغي أن يكون قادرًا، على الأقل، على مخاطبة خصمه باسمه دون تحويل دينه إلى مادة للاستهزاء ستكون مكلفة ومكلفة جدا عبر امتداد محور الزمن، كما وثق ذلك تاريخ المسلمين مع أعدائهم.
إن قوة المنصب لا تمنح صاحبه حق إهانة الآخرين، واحترام الإسلام العظيم ليس مجاملة سياسية، بل من أبسط مقتضيات الحنكة والمسؤولية. فإن خسر ترامب العقل والأدب، فإن الزمن كفيل بأن يكشف مصير الطغاة المتغطرسين أمثاله، ولن تكون نهايته أفضل من نهاية من سبقه من رؤساء أمريكيين، إلى مزبلة التاريخ ولا كرامة. وسيبقى الإسلام معززًا، وسيبقى اسم “محمد” محببًا، وسيذلّ الله الكافرين وأعداء الدين، مهما طال الزمن أو قصر، قال الله جل جلاله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 32–33]





اترك تعليقاً