تحقيق: حرب ميانمار تدفع الروهينجا إلى موجة جديدة من التهجير والانتهاكات

images 16 1

سلّط تحقيق جديد لوحدة تحقيقات الجزيرة الضوء على مرحلة أكثر تعقيدًا من أزمة مسلمي الروهينجا في ميانمار، كاشفًا عن شهادات ومواد توثيقية تتحدث عن عمليات تهجير قسري وتجنيد وانتهاكات وتهريب للبشر في ولاية أراكان، في وقت وجد فيه الروهينجا أنفسهم عالقين بين الجيش الحاكم وجيش أراكان الذي بسط سيطرته على أجزاء واسعة من موطنهم التاريخي.

والتحقيق الذي نشرته الجزيرة، الخميس 20 أغسطس/آب 2026، الموافق 7 ربيع الأول 1448هـ، ضمن سلسلة «Myanmar Exposed»، اعتمد على وثائق مسرّبة وتصوير سري ومقابلات حصرية، إلى جانب تحقيقات أجرتها شبكة Myanmar Witness وصحفيون مواطنون من الروهينجا، في محاولة لتوثيق ما حدث للأقلية المسلمة مع تغير خريطة السيطرة العسكرية في أراكان.

image 112

أكثر من 150 ألف روهينجي في موجة نزوح جديدة

بحسب تحقيق الجزيرة، أدت الحرب الأهلية التي تصاعدت بعد الانقلاب العسكري في ميانمار عام 2021 إلى تهجير أكثر من 150 ألفًا من الروهينجا من منازلهم، ودفعهم للبحث عن ملاذ في دول آسيوية أخرى.

وتضاف هذه الموجة إلى النزوح الهائل الذي أعقب الحملة العسكرية التي شنها جيش ميانمار عام 2017، والتي أدت إلى فرار أكثر من 700 ألف من الروهينجا إلى بنغلاديش.

ويعيش اليوم نحو مليون من الروهينجا في مخيمات مكتظة في بنغلاديش، معظمهم في منطقة كوكس بازار، وسط أوضاع إنسانية شديدة الصعوبة وتراجع في التمويل والمساعدات وفرص محدودة للعودة الآمنة إلى بلادهم.

لكن الفارق في الموجة الحالية أن مصدر الخطر، وفق شهادات جمعها التحقيق، لم يعد مقتصرًا على الجيش الذي نفذ عمليات 2017، بل بات الروهينجا يجدون أنفسهم وسط حرب بين الجيش وخصمه الأقوى في أراكان، جيش أراكان (Arakan Army).

الروهينجا بين الجيش وجيش أراكان

يسيطر جيش أراكان حاليًا على مساحات واسعة من ولاية أراكان، بما فيها مناطق كان يعيش فيها تاريخيًا عدد كبير من الروهينجا.

ونقل تحقيق الجزيرة شهادات لروهينجا تتهم عناصر من جيش أراكان بارتكاب انتهاكات تشمل هجمات استهدفت مدنيين، والتهجير والإكراه، فيما قال بعض الشهود إن ما تعرضوا له تحت سيطرة الجماعة يعيد إلى أذهانهم الانتهاكات التي رافقت حملة الجيش عام 2017.

وتظل هذه اتهامات محل نزاع؛ إذ سبق لقيادات جيش أراكان أن نفت استهداف المدنيين أو مسؤوليتها عن مذابح نُسبت إليها.

ادعاءات بشأن مذابح يصعب الوصول إلى مواقعها

وتواجه عمليات التحقق من الانتهاكات في أراكان صعوبة خاصة بسبب القيود الشديدة على الوصول إلى مناطق القتال.

وأجرت «Myanmar Witness» تحقيقًا سابقًا في تقارير تحدثت عن مقتل أعداد كبيرة من الروهينجا في قرية هتان شوك خان بمنطقة بوثيدونغ في مايو/أيار 2024. وتمكن المحققون من تحديد موقع بعض أماكن وجود الرفات البشرية باستخدام الصور والتحليل الجغرافي، لكنهم أكدوا أنهم لم يستطيعوا تحديد هوية القتلى بصورة مستقلة. كما نفى جيش أراكان الاتهامات المتعلقة بقتل مدنيين من الروهينجا.

وهذه الصعوبة في الوصول والتحقق تجعل الحرب في أراكان واحدة من أقل جبهات الصراع في ميانمار وضوحًا للعالم الخارجي، رغم حجم التحولات التي يشهدها الإقليم.

تجنيد قسري واستخدام الروهينجا في الحرب

ومن أبرز أبعاد الأزمة الجديدة دخول الروهينجا أنفسهم في دائرة التجنيد العسكري.

ويتناول تحقيق الجزيرة شهادات عن أفراد من عائلات روهينجية تعرضوا للتجنيد القسري مع اتساع الحرب بين الجيش وجيش أراكان.

وكانت تقارير أممية قد وثقت سابقًا قيام جيش ميانمار بتجنيد رجال من الروهينجا، رغم حرمان معظم أفراد هذه الأقلية من حقوق المواطنة لعقود. وبحسب الأمم المتحدة، استُخدم مزيج من الإكراه والإغراءات، بما فيها وعود بالحصول على الجنسية ومزايا أخرى لم تتحقق، فيما تعرض بعض الرافضين للضرب أو الاعتقال أو الطرد من قراهم.

كما تحدثت تقارير عن نشاط جماعات روهينجية مسلحة داخل الصراع. ويقول تحقيق الجزيرة إن زيادة نشاط مجموعات روهينجية مسلحة يُعتقد أن بعضها يقاتل ضد جيش أراكان إلى جانب أو بالتنسيق مع الجيش الحاكم أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد.

لكن جيش إنقاذ روهينجا أراكان (ARSA) نفى للجزيرة اتهامات بحرق منازل المدنيين أو ممارسة أنشطة تضر بالقرى الروهينجية أو تشجيع اللاجئين على الانضمام إلى القتال ضد جيش أراكان.

تهريب البشر.. طريق الهروب يتحول إلى خطر آخر

ولا يتوقف تحقيق الجزيرة عند الانتهاكات داخل أراكان، بل يتتبع أيضًا شبكات تهريب تنقل الروهينجا الفارين من ميانمار.

ويقول التحقيق إنه توصل إلى أدلة وشهادات تتعلق بصلات بين عناصر مرتبطة بجيش أراكان وعمليات تهريب الروهينجا خارج البلاد، بينهم نساء وأطفال، مع تعرض بعض الفارين للعنف والاستغلال الجنسي أثناء رحلات التهريب. ولم يقدم جيش أراكان ردًا تفصيليًا على هذه المزاعم الواردة في الفيلم.

وتتوافق المخاوف المتعلقة بالنساء والأطفال مع تحذيرات أممية أوسع. فقد قالت الأمم المتحدة مطلع 2026 إن استمرار العنف في أراكان رافقته تقارير عن تعرض نساء وفتيات من الروهينجا للعنف الجنسي، سواء داخل مناطق الصراع أو خلال الفرار إلى دول مجاورة، إضافة إلى مخاطر الاتجار والاستغلال الجنسي.

وبالنسبة إلى آلاف الروهينجا، يعني ذلك أن الفرار من مناطق القتال لا يؤدي بالضرورة إلى الأمان، إذ قد تبدأ بعد مغادرة القرية رحلة أخرى عبر شبكات تهريب وقوارب مكتظة ومسارات بحرية خطرة باتجاه بنغلاديش وماليزيا وإندونيسيا.

بنغلاديش تريد إعادتهم.. لكن إلى أين؟

ويطرح التحقيق سؤالًا أكثر إلحاحًا بشأن مصير نحو مليون روهينجي يعيشون في بنغلاديش.

فدكا تريد إعادة اللاجئين إلى ميانمار، فيما أعلن الجانب الميانماري مؤخرًا أنه تحقق من أن 308,797 شخصًا من القوائم التي سلمتها بنغلاديش كانوا من سكان ولاية أراكان، في واحدة من أبرز التطورات المتعلقة بملف العودة خلال السنوات الأخيرة.

وكانت بنغلاديش قد قدمت بيانات لنحو 828,824 لاجئًا، فيما قالت سلطات ميانمار إنها لم تتحقق من أهلية 113,507 أشخاص، وربطت 4,241 آخرين بما وصفته بأنشطة «إرهابية». وفي الوقت نفسه، ما تزال سلطات ميانمار ترفض الاعتراف بالروهينجا بوصفهم مجموعة عرقية أصيلة وتستخدم تسميات أخرى للإشارة إليهم.

كما أن قبول أسماء مئات الآلاف لا يعني أن العودة باتت قريبة؛ إذ تقول ميانمار نفسها إن عملية الإعادة لن تبدأ إلا بعد تحسن الوضع الأمني في أراكان.

وهنا تظهر المفارقة التي يبرزها التحقيق: الروهينجا مطلوب منهم العودة إلى منطقة تحولت نفسها إلى واحدة من أعقد ساحات الحرب في ميانمار، بينما لا تزال ضمانات الجنسية والحقوق والحماية والأمن غير محسومة.

أزمة 2017 لم تنتهِ.. بل تغيرت أطرافها

تكمن أهمية تحقيق الجزيرة في أنه يعيد صياغة صورة أزمة الروهينجا التي ارتبطت عالميًا طوال سنوات بأحداث عام 2017 والجيش الميانماري.

فالجيش الذي اتُّهم بتنفيذ حملة تطهير عرقي ضد الروهينجا ما زال طرفًا رئيسيًا في الأزمة، لكن الحرب التي أعقبت انقلاب 2021 غيرت موازين القوى في أراكان، وأصبحت جماعات مسلحة أخرى تسيطر فعليًا على مناطق واسعة كانت خاضعة سابقًا للحكومة.

وبذلك لم تنته أزمة الروهينجا بخسارة الجيش أراضي في أراكان، بل دخلت مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا: جيش يرفض الاعتراف بحقوقهم ويجند بعضهم في حربه، وقوة متمردة صاعدة تواجه بدورها تحديات كبيرة في الواقع وعلى الإعلام، وجماعات روهينجية مسلحة تنخرط في الصراع، وشبكات تهريب تستفيد من اليأس، ومليون لاجئ ينتظرون في بنغلاديش عودة لا تتوافر لها حتى الآن شروط الأمان.

وبعد تسع سنوات تقريبًا على موجة النزوح الكبرى عام 2017، يكشف المشهد الحالي أن أزمة الروهينجا لم تعد مجرد ملف لاجئين عالق منذ الماضي؛ بل أزمة تتجدد مع كل تحول في حرب ميانمار، فيما يبقى المدنيون الروهينجا الطرف الأكثر عرضة لدفع ثمن صراع لا يملكون السيطرة على مساره.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *