“جئنا فقط لإنقاذ حياتنا، لا للبقاء.”
في مخيم كوتوبالونغ -مخيم للاجئين في بنغلاديش – تستمع الناجية “ليلى بيغوم” إلى صوت المطر المتساقط على سقف مأواها البلاستيكي. يعود بها هذا الصوت إلى صباح 8 ذو الحجة 1438هـ. (30 أغسطس 2017)، اليوم الذي انهارت فيه حياتها.
كانت تبلغ من العمر 18 عاماً آنذاك. تروي ليلى بيغوم ما حدث عندما حاصر الجيش الميانماري، برفقة قرويين مسلحين من عرقية الراخين (عرقية بوذية في ولاية راخين)، قريتها “تولا تولي” في شمال ولاية راخين (منطقة ساحلية غرب ميانمار، موطن الروهينغيا) وبدأوا بإطلاق النار عشوائياً على مسلمي الروهينغيا. بحلول نهاية ذلك الصباح، كان والداها وأربعة من أشقائها الستة قد لقوا حتفهم.
تتذكر ليلى الأطفال وهم يُحرقون أحياءً. تتذكر كيف ركض شعبها هارباً بأرواحهم. تتذكر أعمدة الدخان التي تصاعدت من المنازل المحترقة. تتذكر الناس الذين قُتلوا بالرصاص والمناجل. تتذكر عائلتها.
تستعيد ليلى كيف بدأ الصباح بإطلاق نار. في حوالي الساعة الثامنة صباحاً، أطلق الجيش النار على فتى في الشارع وقتله. قُتل العديد أثناء محاولتهم الفرار؛ أُلقي بالأطفال الرضع والصغار في النيران وأُحرقوا أحياءً.
تقول: “فررت فوراً نحو مقبرة على الحافة الغربية لقريتي لأختبئ”. “بعد دقائق، حلقت مروحية في الأعلى لتلقي الذخائر والبنزين، وأطلقت وابلاً من الطلقات المتواصلة في قريتي وعلى ضفة النهر”.
من مخبئها، تقول إنها شهدت الجيش والقرويين الراخين المسلحين وهم يقطعون النهر ويطلقون النار على الروهينغيا الذين يصادفونهم: قُتل العديد بالرصاص أثناء محاولتهم الهروب؛ وأُلقي بالأطفال الرضع والصغار في النيران وأُحرقوا أحياءً. تقول ليلى إنها رأت أحد أشقائها يُطلق عليه النار ويُقتل بينما كان يحاول إنقاذ ابنه، بينما أُحرقت زوجته الحامل حية.
على ضفة النهر، فُصلت النساء عن الرجال. تقول: “أولاً، فُصل الرجال وأُجبروا على الركوع، ثم أُطلق عليهم النار حتى الموت. أما أولئك الذين نجوا من الرصاص، فقد قُطعوا بالمناجل لاحقاً”. تضيف: “أحضر الجنود النساء إلى منازلهم في مجموعات صغيرة؛ مكثوا لمدة نصف ساعة؛ غادر الجنود؛ وبعد ذلك، كل ما رأيته كان أعمدة دخان تتصاعد من تلك المنازل”.
مجزرة موثقة
تتوافق تفاصيل رواية ليلى مع النتائج التي وثقتها منظمة هيومن رايتس(منظمة حقوقية) ووتش، التي قابلت ناجين من “تولا تولي” ووجدت أن الجنود والقرويين الراخين المسلحين حاصروا الروهينغيا المتجمعين بالقرب من ضفة النهر، وفصلوا الرجال عن النساء والأطفال، وقتلوا عدة مئات من الأشخاص في ذلك اليوم. استخدمت المنظمة أيضاً صور الأقمار الصناعية لتأكيد أن تولا تولي والقرية الروهينغية المجاورة لها، قد دُمرتا بشكل واسع بالحرق.
تخطيط مسبق واستهداف متعمد
تقول ليلى: “في الليلة التي سبقت الهجوم، كان القرويون(الروهينجا) قد تلقوا تحذيرات من رئيس راخين المحلي”. أخبرهم أنهم سيكونون أكثر أماناً إذا تجمعوا بالقرب من ضفة النهر. اتبع معظم القرويين النصيحة.
تعتقد ليلى الآن أن هذا التجمع ساعد الجيش على قتل الروهينغيا بأعداد كبيرة: “لو لم يُنصح الروهينغيا بالذهاب إلى ضفة النهر، لما كان الجيش قادراً على قتلنا بهذا الحجم”.
بعد ساعتين من القتل، تقول إن الجنود كوموا الجثث وأشعلوا فيها النار باستخدام البنزين. وتقول: “أخي الوحيد الناجي من التجمع اتصل على هاتف زوجي، وأخبرني أن والدي أُطلق عليه النار وأن والدتي أُحرقت حية. وانقطع الاتصال”.
في وقت لاحق من ذلك اليوم، تقول ليلى إنها وزوجها بدأا المشي عبر الغابة باتجاه بنغلاديش.
كانت الرحلة التي استغرقت يومين سيراً على الأقدام شاقة. شعرت أنها فقدت كل شيء ولم تكن تعرف ما إذا كان أشقاؤها لا يزالون على قيد الحياة. في النهاية، وصلوا إلى شاطئ نهر ناف(نهر حدودي بين بنغلاديش ومينمار). لم يبقَ مع ليلى سوى القليل من المال. لكنها كانت لا تزال تحمل دبوس انف ذهبياً. استخدمته لدفع ثمن عبور القارب عبر النهر إلى بنغلاديش. وفي يومهم الثالث، وصلوا إلى كوتوبالونغ.
هربت من المجزرة، لكنها لم تستطع محو ما رأته أو ما فقدته. مرت تسع سنوات في مخيم اللاجئين، لكن المشاهد المروعة لا تزال تنعكس في قلبها. تفتقد والديها وأشقاءها. تقول: “ليس لدي أحد لأشاركه. لقد فقدت كل شيء”.
بالنسبة ليلى، “تولا تولي” هي أكثر من مجرد مكان للعنف، إنها المكان الذي وُلدت فيه؛ إنها المكان الذي نشأت فيه مع عائلتها؛ إنها المكان الذي فقدت فيه والديها وأشقاءها. ما زالت تريد العودة. تقول: “جئنا فقط لإنقاذ حياتنا، لا للبقاء”.
وأوضحت ليلى إنها تتمنى أن ترى التراب الذي قُتل فيه أفراد عائلتها. “لم أستطع دفنهم، لكن يمكنني على الأقل رؤية التراب الذي قُتلوا عليه”.
بطء مسارات “العدالة” الدولية
قصة ليلى هي جزء من جهد أكبر بكثير لإرساء المساءلة عن العنف ضد الروهينغيا. واجهت هذه الأقلية عقوداً من التمييز وعوملت كأجانب في بلدهم. جعل قانون الجنسية لعام 1982 العديد من الروهينغيا عديمي الجنسية فعلياً ورسخ استبعادهم من المواطنة الكاملة.
خلال الحملة الإبادة الجماعية عام 2017، تعرضت زعيمة الحكومة آنذاك، أونغ سان سو تشي، الحاصلة على جائزة نوبل للسلام، لانتقادات لفشلها في إدانة تصرفات الجيش ولتقليلها من شأن ادعاءات الفظائع. بعد ذلك بعامين، ذهبت إلى أبعد من ذلك، دافعة عن ميانمار ضد ادعاءات الإبادة الجماعية في ما تسمى “محكمة العدل الدولية”، أعلى محكمة في الأمم المتحدة.
تعلم ليلى أن العدالة الدولية لا يمكنها أن تعيد ما فقدته. لكنها تريد منها أن تهيئ الظروف لعودتها إلى وطنها بأمان وكرامة وحقوق.
بعد تسع سنوات بعيداً عن المنزل، لا تزال ليلى تريد العودة لأنه في مكان ما تحت ذكريات ذلك الصباح، توجد ذاكرة أخرى: لمكان عاشت فيه عائلتها ذات يوم معاً.
تنبيه: هذا المقال مترجم عن تقرير أصلي من The New Humanitarian، وقد تم التعديل عليه بتصرف.





اترك تعليقاً