شهدت أروقة الكونغرس الأمريكي تحركًا غير معتاد بالتزامن مع الحملة السنوية التي تنظمها منظمة «المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل» (CUFI)، إذ أطلقت مجموعة من رجال الدين النصارى واليهود المناهضين للحرب حملة مضادة تهدف إلى مواجهة نفوذ أكبر اللوبيات النصرانية المؤيدة للاحتلال الإسرائيلي، في مؤشر على اتساع الانقسام داخل الأوساط الدينية الأمريكية بشأن الحرب في غزة والسياسة الأمريكية في “الشرق الأوسط”.
وجاءت الحملة بالتزامن مع المؤتمر السنوي لمنظمة CUFI، التي تُعد أكبر منظمة صهيونية نصرانية في الولايات المتحدة، وتقول إنها تضم أكثر من 10 ملايين عضو، وتُعرف بتأثيرها الكبير على صناع القرار الجمهوريين ودعمها الثابت للاحتلال الإسرائيلي.
تحذير من “أجندة إسرائيل أولًا”
وقادت القس هانا ساكس، بالتعاون مع الحاخام التقدمي آبي شتاين، جولات داخل مكاتب أعضاء مجلس الشيوخ ضمن حملة تنظمها شبكة Interfaith Action for Palestine، وهي ائتلاف يضم مؤسسات دينية تمثل نحو مليون أمريكي.
ووزع الناشطون منشورات تحذر من أن جماعات دينية متشددة تدفع الولايات المتحدة نحو مزيد من الانخراط العسكري في الشرق الأوسط، معتبرين أن بعض اللوبيات المؤيدة لما يسمى “إسرائيل” تتبنى سياسة تقوم على مبدأ “إسرائيل أولًا” على حساب المصالح الأمريكية.
وأكدت ساكس خلال لقاءاتها مع موظفي الكونغرس أن دعم “إسرائيل” لا ينبغي أن يكون مبررًا لتجاهل معاناة المدنيين الفلسطينيين، مشددة على أن “محبة الجار لا تعني قتله”، في إشارة إلى رفضها للحرب في غزة.
لوبي مؤثر داخل الحزب الجمهوري
وتُعد منظمة CUFI من أبرز جماعات الضغط المؤيدة للاحتلال الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة، إذ أسسها القس الإنجيلي جون هيغي عام 2006، واستطاعت خلال السنوات الماضية بناء علاقات وثيقة مع قيادات الحزب الجمهوري.
وشهد مؤتمرها الأخير مشاركة شخصيات بارزة، من بينها رئيس مجلس النواب مايك جونسون، وعدد من المحافظين الأمريكيين، إضافة إلى السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر، بينما ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كلمة عبر تقنية الفيديو.
ويرى مراقبون أن الحركة الإنجيلية الصهيونية لعبت دورًا مهمًا في دعم سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المؤيدة للاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وتأييد السياسات المتشددة تجاه إيران.
تراجع التأييد لإسرائيل بين الشباب
ورغم استمرار نفوذ المنظمة، تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع ملحوظ في مستوى التأييد للاحتلال الإسرائيلي داخل المجتمع الأمريكي، خاصة بين الأجيال الشابة.
فوفق استطلاع أجرته جامعة ميريلاند عام 2025، فإن 51% من الإنجيليين الأكبر سنًا يفضلون “إسرائيل” في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بينما تنخفض النسبة إلى 24% فقط بين الإنجيليين دون سن الخامسة والثلاثين.
كما أظهر الاستطلاع أن 35% فقط من الكاثوليك الأمريكيين و33% من البروتستانت السود ينظرون بإيجابية إلى “إسرائيل”، في حين تشير البيانات إلى أن 37% فقط من اليهود الأمريكيين يعرّفون أنفسهم اليوم بأنهم صهاينة.
نفوذ متزايد للتيار المؤيد لفلسطين
ويرى تقرير Responsible Statecraft بعنوان: Religious activists challenge CUFI’s influence on Capitol Hill أن الحركة المؤيدة لفلسطين لم تعد تعتمد فقط على الاحتجاجات الشعبية، بل بدأت تحقق حضورًا داخل المؤسسات السياسية الأمريكية.
ويبرز في هذا السياق صعود شخصيات يسارية جديدة داخل الحزب الديمقراطي تتبنى مواقف داعمة للحقوق الفلسطينية، إلى جانب تزايد عدد المرشحين الذين يخوضون الانتخابات على أساس رفض استمرار الدعم العسكري الأمريكي للاحتلال الإسرائيلي.
وأعرب الحاخام آبي شتاين عن اعتقاده بأن الانتخابات المقبلة قد تفضي إلى كونغرس يضم عددًا أكبر من النواب التقدميين، وهو ما قد يمنح التيار المطالب بإعادة النظر في السياسة الأمريكية تجاه “إسرائيل” نفوذًا أكبر داخل المؤسسة التشريعية.
تحول في المشهد السياسي
ويخلص التقرير إلى أن النفوذ التقليدي للوبيات المؤيدة للاحتلال الإسرائيلي لا يزال قويًا داخل واشنطن، لكنه يواجه تحديًا متزايدًا من تحالفات دينية وسياسية جديدة ترى أن الدعم غير المشروط لما يسمى “إسرائيل” يتعارض مع المبادئ الإنسانية ويقود الولايات المتحدة إلى مزيد من الانخراط في صراعات الشرق الأوسط.
ويشير هذا التحول إلى تغير تدريجي في المزاج العام داخل قطاعات من المجتمع الأمريكي، خصوصًا بين الشباب والتيارات التقدمية، بما قد ينعكس مستقبلاً على طبيعة النقاش الدائر داخل الكونغرس بشأن السياسة الأمريكية تجاه الاحتلال الإسرائيلي وفلسطين.






اترك تعليقاً