في ظل التصعيد الأخير بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، والذي شهد ضربات متبادلة، تتكشف أبعاد أعمق للصراع تتجاوز الردود العسكرية المباشرة. فبينما ينشغل الرأي العام بتحليل حجم الضربات وتداعياتها الفورية، يظهر التحليل إلى أن ما يحدث هو جزء من مخطط أكبر يهدف إلى إعادة تشكيل النفوذ في المنطقة، وأن الأطراف الرئيسية لا تسعى بالضرورة إلى إنهاء الصراع، بل إلى استغلاله لتحقيق مكاسب استراتيجية على حساب دول الخليج العربي.
شروط مستحيلة: إيران والولايات المتحدة تضعان العراقيل
تظهر بنود مسودة الاتفاقات المقترحة بين الأطراف المتصارعة أن كلاً من إيران والولايات المتحدة (التي تعتبر الاحتلال الإسرائيلي جزءاً لا يتجزأ من استراتيجيتها) تضعان شروطاً شبه مستحيلة، مما يعكس عدم رغبتهما الحقيقية في التوصل إلى حل سلمي في الوقت الراهن.
مطالب إيران:
1. حرية الملاحة في مضيق هرمز: تصر إيران على ضمان حرية الملاحة في المضيق، لكن تحت سيطرتها الكاملة ومع فرض رسوم عبور. هذا الشرط يمنح إيران نفوذاً اقتصادياً وسياسياً كبيراً على حركة التجارة العالمية.
2. رفع العقوبات الشاملة: تطالب إيران برفع جميع العقوبات الأولية والثانوية المفروضة عليها، بما في ذلك تلك التي تستهدف الأفراد والكيانات والشركات والبنوك المرتبطة بها.
3. الإفراج عن الأموال المجمدة مع الفوائد: تطالب إيران بالإفراج عن جميع أموالها المجمدة في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى فوائد سنوية لمدة 40 عاماً، معتبرة هذه الأموال استثمارات وليست مجرد ودائع.
4. تعويضات عن الأضرار: تطالب إيران بتعويضات ضخمة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات عن الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية المدنية والعسكرية جراء القصف الأمريكي.
مطالب الولايات المتحدة:
1. إنهاء البرنامج النووي الإيراني: تصر الولايات المتحدة على إنهاء البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل، وصولاً إلى صفر بالمئة تخصيب، وهو ما ترفضه إيران بشدة بعد التضحيات التي قدمتها للحفاظ على هذا البرنامج.
2. تجميد البرنامج الصاروخي: تطالب بتجميد البرنامج الصاروخي الإيراني لمدة خمس سنوات دون إنتاج أو تطوير، وهو ما تعتبره إيران تنازلاً عن سلاحها الوحيد الرادع.
3. حرية الملاحة في مضيق هرمز دون قيود: تطالب الولايات المتحدة بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز دون أي رسوم أو شروط، وهو ما يتعارض مباشرة مع المطالب الإيرانية.
4. وقف دعم الوكلاء الإقليميين: تطلب الولايات المتحدة من إيران وقف تمويل ودعم وكلائها في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الشيطان، وهو ما يمثل تنازلاً عن أحد أهم أوراق نفوذها الإقليمي.
الخليج: الضحية المحتملة في لعبة النفوذ
يشير التحليل إلى أن هذه الشروط المستحيلة من الطرفين تهدف إلى إبقاء الصراع قائماً، أو على الأقل عدم التوصل إلى اتفاق ينهيه، وذلك بهدف الضغط على طرف ثالث: دول الخليج العربي، وتحديداً قطر والإمارات والكويت. هذه الدول هي الأكثر تضرراً من أي إغلاق أو تقييد لحركة الملاحة في مضيق هرمز، مما يجعلها الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
يبدو أن الهدف الخفي هو دفع دول الخليج لتحمل تكاليف الصراع، سواء كان ذلك من خلال دفع تعويضات لإيران أو للولايات المتحدة، أو الانضمام إلى اتفاقيات إبراهام.
استغلال التوقيت والانتخابات: ورقة ضغط إيرانية وأمريكية
تستغل إيران التوقيت الحالي، بما في ذلك قرب كأس العالم، للضغط على الولايات المتحدة لدفع دول الخليج للموافقة على مطالبها. فالولايات المتحدة، بقيادة الرئيس السابق دونالد ترامب (الذي لا يزال له تأثير كبير)، لا ترغب في أن تبدأ كأس العالم في ظل تصعيد عسكري واسع النطاق.
من جهة أخرى، يبدو أن ترامب يستخدم هذا التصعيد كجزء من استراتيجيته السياسية الأوسع. فقد ألمح في تصريحات سابقة إلى إمكانية العودة إلى الرئاسة لولاية ثالثة، مشيراً إلى وجود طرق غير تقليدية لتحقيق ذلك.
تفاصيل المقابلة المثيرة للجدل حول “الولاية الثالثة”:
فيمقابلة هاتفية جرت في 30 آذار2025 على قناة NBC News، حيث واجهت المذيعة كريستين وولكر دونالد ترامب بتلميحاته المتكررة حول حكم أمريكا لأربع سنوات إضافية (ولاية ثالثة).
ترامب لم ينكر ذلك، بل أكد أن هناك قطاعاً واسعاً من الأمريكيين يرغبون في بقائه، مشدداً بقوله: “أنا أتحدث بجدية، لا تظني أنني أمزح”.
وفي ذات المقابلة، أوضح جي دي فانس (نائب ترامب) الآلية التي يمكن من خلالها الالتفاف على الدستور وتحقيق هذا الهدف، مبيناً أن الخطة قد تتضمن ترشحه هو للرئاسة في الدورة المقبلة، وبمجرد فوزه يقوم بتعيين ترامب نائباً له، ثم يقدم فانس استقالته ليصبح ترامب رئيساً رسمياً للبلاد، وهو ما يعزز الفرضية القائلة بأن التصعيد مع إيران ليس إلا وسيلة لخدمة هذا المخطط السياسي للبقاء في السلطة. انتهت المقابلة.
أو قد تكون بإعلان حالة الحرب والأحكام العرفية: في حال فوز الديمقراطيين بالانتخابات النصفية، قد يعلن ترامب حالة الحرب على إيران، مما يسمح له بفرض الأحكام العرفية وسحب الصلاحيات من الكونجرس، وبالتالي البقاء في السلطة لولاية ثالثة أو أكثر، وربما تعديل الدستور لإلغاء بند الولايتين الرئاسيتين.
هذه السيناريوهات، تشير إلى أن حسم الملف الإيراني مرتبط بشكل وثيق بمستقبل ترامب السياسي.
العرب: الخاسر الأكبر في لعبة الأمم
يخلص التحليل إلى أن العرب هم الخاسر الأكبر في هذا الصراع، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي. فبينما تتصارع القوى الإقليمية والدولية على النفوذ والمصالح، وتتقاسم المنطقة، يظل العرب منقسمين وغير مدركين لحجم المؤامرة التي تحاك ضدهم. فالصراع ليس وجودياً بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، بل هو صراع مصالح وتقاسم للمنطقة، يتم فيه ابتزاز العرب ودفعهم لتحمل التكاليف.
استغلال القضية الفلسطينية: قناع للمصالح الذاتية
في خضم هذا الصراع المعقد على النفوذ والمصالح، تبرز القضية الفلسطينية كأداة يتم استغلالها ببراعة من قبل بعض الأطراف، وعلى رأسها إيران وحلفاؤها، مثل حزب الله في لبنان. فبينما يرفع هؤلاء شعارات المقاومة وتحرير فلسطين، فإن الأفعال على أرض الواقع تكشف عن أجندات جيوسياسية أوسع تخدم مصالحهم الذاتية في المقام الأول.
إن استخدام القضية الفلسطينية كغطاء لتحقيق مكاسب سياسية وتوسيع النفوذ الإقليمي ليس بجديد. فلطالما كانت هذه القضية الحساسة ورقة رابحة في أيدي من يسعون لتعبئة الجماهير وكسب الشرعية، دون أن يكون لديهم التزام حقيقي بتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني.
إن الشعارات الرنانة التي تطلقها هذه الأطراف، والتي توهم الكثيرين بأنها تدافع عن قضية عادلة، ما هي إلا وسيلة لخداع الناس وتجنيدهم في صراعات لا تخدم إلا أهدافها الضيقة، بعيداً عن أي مصلحة حقيقية للشعب الفلسطيني الذي يظل يعاني من الاحتلال والظلم.
إن الحقيقة المرة هي أن إيران وحلفاءها لا تهمهم إلا مصالحهم الخاصة، سواء كانت اقتصادية، سياسية، أو توسعية. والقضية الفلسطينية، في هذا السياق، تتحول إلى مجرد أداة دعائية يتم التلويح بها لتحقيق هذه المصالح، بينما يظل الشعب الفلسطيني هو الضحية الحقيقية لهذه اللعبة الجشعة، حيث يتم التضحية بمعاناته وآماله على مذبح الأجندات الإقليمية والدولية.
الخلاصة:
إن التصعيد الحالي بين إيران والاحتلال الإسرائيلي ليس مجرد ردود فعل عسكرية، بل هو جزء من استراتيجية معقدة تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. الأطراف الرئيسية، إيران والولايات المتحدة، تستخدمان شروطاً مستحيلة في المفاوضات لإبقاء الصراع مشتعلاً، بهدف الضغط على دول الخليج العربي لدفع الثمن. وفي خضم هذه اللعبة، يبرز دور ترامب السياسي ومحاولاته لاستغلال الأوضاع لتحقيق مكاسب داخلية، بينما يظل العرب هم الخاسر الأكبر في هذا الصراع على النفوذ والمصالح.






اترك تعليقاً