وصل للأخبار | السودان من مقصلة المحتل البريطاني
لم يكن التوغل البريطاني في القطر السوداني مجرد زحف عسكري عابر لنهب الموارد أو فرض نفوذ مؤقت؛ بل كان عملية بتر جراحية ممنهجة استهدفت اقتلاع الجذور الحضارية الإسلامية والهوية الأصيلة للمسلمين المشتركة لهذا الامتداد الاستراتيجي.
إن ما يشهده هذا القطر اليوم من تشظٍّ واقتتال ليس وليد الصدفة، وإنما هو الانفجار الحتمي لألغام هيكلية زرعها التخطيط الاحتلالي في صلب الدولة الحديثة.
لقد تعمد المحتل صياغة حدود اصطناعية، وفرض فواصل تشريعية واجتماعية مسمومة بين الأقاليم، لضمان إنتاج دولة وطنية مشوهة، ولدت مكبلة بتبعية إدارية وفكرية تمنعها من النهوض، وتجعل من استقلالها السياسي مجرد واجهة لهشاشة بنيوية ممتدة تعصف بكيان المجتمع وتجعله عرضة للاستنزاف المستمر.
أولاً: التأسيس البريطاني للاقتصاد الاستخلاصي وتوجيه موازنة السودان (1298 هـ الموافق 1881 – 1316 هـ الموافق 1899)
بدأ الحكم المصري للسودان في عهد الجائر محمد علي في عام 1235 هـ الموافق 1820، وحينها أُسِّست مدينة الخرطوم في عام 1238 هـ الموافق 1823 لتكون موقعاً عسكرياً رئيساً.
وعلى الرغم من أن الإدارة المصرية في ذلك الوقت شهدت تقلبات عدة وجور سواء على أهل مصر أو السودان، إلا أن القطر السوداني حقق في تلك الحقبة تطوراً اقتصادياً في مجالات الزراعة، والصناعة، والتعدين.
بيد أن هذا النفوذ تعرض للتآكل نتيجة تدفق الإداريين والمغامرين الأوروبيين بتخطيط اتخذ من الرحلات العلمية لاستكشاف منابع نهر النيل غطاءً له، ومستغلاً استعانة الإدارة بهؤلاء الأجانب وتعيينهم حكاماً في مديريات خط الاستواء، مما أدى إلى تغير موقف المسلمين من الإدارة الحاكمة، فاشتعلت الاضطرابات الرافضة للوجود الأجنبي بين عامي 1298 هـ الموافق 1881 و1314 هـ الموافق 1896.
وقد اضطربت الأوضاع اضطراباً شديداً في عهد الخديوي توفيق، نتيجة تسليم الموظفين البريطانيين المناصب الرئيسية وإدارة الولايات والمراتب العليا في الجيش، وما صاحب ذلك من سوء معاملة للمسلمين، وفجاجة في البغي عليهم عبر فرض الضرائب الباهظة، واحتكار المحاصيل والسلع، وانتشار الفساد الإداري.
كل هذه العوامل عجلت بظهور حراك إسلامي واسع لإنهاء الحكم الذي يعتمد على العناصر الأجنبية في عام 1298 هـ الموافق 1881، انطلق من جزيرة أبا واتخذ من الأبيض مركزاً له. واشتدت قوة هذا الحراك بعد خضوع مصر للاحتلال البريطاني المباشر في عام 1299 هـ الموافق 1882؛ وحينها، أوعزت بريطانيا إلى الخديوي توفيق بحل الجيش المصري في السودان لإضعاف أي قوة عسكرية مسلمة هناك. وإزاء هذا الوضع، خافت بريطانيا على مصالحها وموانئها في البحر الأحمر، فأجبرت الحكومة المصرية على إخلاء السودان، وأرسلت القائد غوردون إلى الخرطوم للإشراف على الانسحاب، إلا أن القوات المحلية تمكنت من دخول العاصمة وإنهاء قيادة غوردون في عام 1302 هـ الموافق 1885، مما أدى إلى انسحاب القوات المشتركة بالكامل، واتخاذ أم درمان عاصمة جديدة.
ولكن عقب فرض اتفاقية الحكم الثنائي لاحقاً في عام 1316 هـ الموافق 1899، تحول هذا التجريف إلى مأسسة فرضت الأنظمة والمحاكم الغربية؛ حيث وُجِّهت الموازنة العامة للبلاد بالكامل لخدمة المشاريع التي تضمن تدفق الثروات إلى الخارج.
وتمثل ذلك في شبكة السكك الحديدية والموانئ التي لم تُنشأ يوماً لربط أقاليم القطر ببعضها وتنمية الأسواق الداخلية للمسلمين، بل مُدّت خطوطها بمنهج احتكاري مكشوف لتربط مناطق الإنتاج الزراعي والمعدني بنقاط التصدير على البحر الأحمر مباشرة، مما جعل الهيكل البنيوي للاقتصاد السوداني يولد مشوهاً، خادماً للمراكز الصناعية الخارجية على حساب مقدرات المسلمين وتنميتهم المستقلة.
ثانياً: الحملات العسكرية البريطانية والكلفة البشرية الكبرى لاجتياح ديار المسلمين (1316 هـ الموافق 1898 – 1334 هـ الموافق 1916)
لم تكن بريطانيا لتتخلى عن أطماعها الاستراتيجية؛ فمهدت لإعادة احتلال السودان عبر إبرام اتفاقيات لتقاسم النفوذ مع الدول الأوروبية؛ فعقدت اتفاقاً مع إيطاليا في عام 1302 هـ الموافق 1885 يبيح للأخيرة التوسع في مصوع وإريتريا، واتفقت مع ألمانيا في عام 1307 هـ الموافق 1890 على تحديد حدود المستعمرات الإنجليزية من مصر إلى حدود الكونغو، ورسمت الحدود مع بلجيكا في عام 1311 هـ الموافق 1894.
وكان الدافع وراء ذلك هو السيطرة على موارد السودان، وتأمين الحدود الجنوبية لمصر، وإقامة مشاريع ري كبرى لضبط نهر النيل، فضلاً عن قطع الطريق أمام امتداد النفوذ الفرنسي من السنغال إلى جيبوتي.
وفي عام 1316 هـ الموافق 1898، أرسلت بريطانيا حملة عسكرية ضخمة اعتمدت على آلات الفتك والمدفعية الحديثة، وتجسد البغي في أشرس صوره في معركة “كرري” الشهيرة، حيث واجه المسلمون العزل الآلة الحربية الغربية بأسلحة تقليدية بسيطة دفاعاً عن دينهم وديارهم. وفي غضون خمس ساعات فقط، انهمر رصاص المدافع الرشاشة ليحصد أرواح أكثر من 11,000 من الضحايا المسلمين، وصُرع الآلاف وهم جرحى في أرض المعركة بعد أن أصدرت القيادة العسكرية البريطانية أوامر صريحة بعدم إسعاف أي جريح، وبلغ عدد الجرحى المتروكين للموت أو الإعاقة أكثر من 16,000 شخص من المسلمين.
وتلا ذلك معركة “أم دبيكرات” في عام 1317 هـ الموافق 1899 للقضاء على الجيوب المتبقية، مما أسفر عن حملات مطاردة وتهجير واسعة، بلغت نسبتها في مناطق النيل الأبيض وكردفان ما يقارب 30% من مجموع المسلمين الذين فروا نحو الأقاليم النائية.
وخلال زحفها نحو الجنوب، واجهت القوات البريطانية حملة فرنسية في “فاشودة”، مما كاد يفجر أزمة دولية بين البلدين، لولا تسويتها دبلوماسياً بانسحاب فرنسا وتنازلها عن دعاواها في أعالي النيل إرضاءً لبريطانيا في مواجهة الخطر الألماني الناشئ.
ولم يتوقف هذا البغي عند حدود العاصمة وحواضرها؛ فعندما أبدى إقليم دارفور المسلم ممانعة للنفوذ الإداري البريطاني في عام 1334 هـ الموافق 1916، جرى قصف الإقليم بالطائرات الحربية وضمه بالقوة بعد مقتل السلطان المحلي للإقليم، مما أسفر عن سقوط ما يزيد على 5,000 من الضحايا وتفكيك النظام الإداري والمالي التقليدي للإقليم الذي كان يدير ثرواته ذاتياً ويخدم أوقاف الحرمين الشريفين، ليتحول الإقليم إلى منطقة ملحقة تُنهب مواردها الضريبية والحيوانية لصالح الخزينة المركزية المرتبطة بالخارج.
ثالثاً: التفكيك القانوني ومحاربة الهوية الإسلامية عبر النظم والمشاريع الاحتكارية (1316 هـ الموافق 1899 – 1340 هـ الموافق 1922)
لم ينحصر الإجراء البريطاني في الجانب العسكري، بل ركّز على تجريف الهوية الثقافية والاجتماعية للمسلمين عبر مسارات إدارية منظمة؛ حيث أُسِّست كلية تعليمية غربية تذكارية في عام 1316 هـ الموافق 1899 وافتتحت رسمياً في عام 1320 هـ الموافق 1902 لتنشئة طبقة من الموظفين المحليين المشبعين بالثقافة الإدارية الغربية وإقصاء التعليم الإسلامي التقليدي القائم على الكتاتيب.
وفي الجانب القضائي، عمدت الإدارة الاستعمارية في عام 1316 هـ الموافق 1899 إلى فرض “قانون العقوبات السوداني” المستمد من المنظومة القانونية الوضعية البريطانية والهندية، وبموجب ذلك أُقصيت أحكام الشريعة الإسلامية وحُصِرت في نطاق ضيق يتعلق بالأحوال الشخصية فقط، وجُعِلت الجنايات والمعاملات خاضعة للقوانين المستوردة لتغريب المجتمع.
وازداد هذا التجريف عبر انتزاع آلاف الفدادين من المسلمين في وسط السودان لإنشاء “مشروع الجزيرة” وتخصيصه بالكامل لزراعة القطن طويل التيلة. هذا الإجراء فرض على المزارع المسلم نمط الإنتاج الإجباري الأحادي، وجعله رهينة لتقلبات الأسعار في البورصات العالمية بدلاً من زراعة المحاصيل الغذائية الشاملة التي تحقق الاكتفاء الذاتي للمجتمع المسلم. وصارت أرباح هذا المشروع الضخم تُوجّه لتسديد قروض الإنشاء وتغذية الأسواق الخارجية، بينما بقي المسلمون يواجهون شبح الأزمات المعيشية المتكررة نتاج تدمير نمطهم الزراعي التقليدي.
وفي عام 1340 هـ الموافق 1922، تكللت هذه السياسة التفكيكية بإصدار “قانون المناطق المقفلة” لعزل مديريات جنوب السودان، وجبال النوبة، والنيل الأزرق تماماً عن الشمال المسلم. وبموجب هذا القانون، حُظرت الأنشطة التجارية والتعليمية للشماليين المسلمين، وفُرِضت قيود صارمة على المظاهر الثقافية واللغة العربية، مقابل منح البعثات التنصيرية الغربية احتكاراً كاملاً للتعليم والصحة، بهدف صناعة حزام ثقافي واجتماعي منفصل ومستهدف للهوية الإسلامية، وهو ما فجّر الحروب الأهلية الطويلة والمدمرة في مرحلة ما بعد الاستقلال.
كما استغلت الإدارة الاستعمارية النزعات والولاءات الفرعية في تلك الحقبة، فدعم وثبّت مظاهر التمييع العقدي عبر تعظيم القبور وتشيد الأضرحة والبدع المحدثة، وقدمت الامتيازات المادية والأراضي لبعض المجموعات المنحرفة عقائدياً، لضمان انصراف العامة عن حقائق الدين وقضايا التحرر الشامل، مما أسهم في خلق بيئة سياسية واجتماعية هشة تخدم مصالح المحتل وتطيل أمد وجوده.
رابعاً: حراكات الاستقلال ومأزق توارث الهياكل الإدارية الاحتلالية (1343 هـ الموافق 1924 – 1409 هـ الموافق 1989)
مع مرور العقود، ظهرت توجهات صاغت الحراك السياسي العام (مثل التوجهات التي أطلقت ثورة عام 1343 هـ الموافق 1924 وتم قمعها بالقوة بعد تطورات سياسية واغتيال الحاكم العام البريطاني في القاهرة).
إلا أن الإشكال البنيوي الذي واجه هذه التوجهات في تلك المرحلة تَمثَّل في قبولها بالنموذج السياسي الغربي المعاصر للسيادة بحدوده الجغرافية الاصطناعية التي وضعها المحتل نفسه؛ فبدلاً من إقامة مرجعية شرعية نابعة من الخصوصية الحضارية للمجتمع المسلم، اعتُمِدت الهياكل الوضعية المستوردة، مما جعل الدولة الوليدة ترث أزمات هيكلية كامنة وتدخل في أزمة الدولة الوطنية التي تفصل الدين عن الإدارة والتشريع.
وعلى الرغم من إعلان الحكومة المصرية في ظل النظام الملكي حينها في عام 1370 هـ الموافق 1951 إلغاء اتفاقية الحكم الثنائي ومعاهدة عام 1355 هـ الموافق 1936، إلا أن التطورات قادت إلى توقيع اتفاق عام 1372 هـ الموافق 1953 الذي منح السودانيين حق تقرير المصير خلال فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات.
وجرت الانتخابات النيابية، ثم أُعلِن الاستقلال التام في عام 1375 هـ الموافق 1956، وانضم السودان لجامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة، ليرث بنية إدارية مأزومة، قادت القطر إلى دوامة من عدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية المتتالية التي تبادلت السلطة عبر حقبات وحيازات عسكرية متتالية (مثل حقبة عام 1389 هـ الموافق 1969، وحقبة عام 1405 هـ الموافق 1985، وصولاً إلى حقبة عام 1409 هـ الموافق 1989).
خامساً: الاستنزاف الممتد وبتر القطر عبر الحروب الأهلية وانفصال جنوب السودان (1374 هـ الموافق 1955 – 1432 هـ الموافق 2011)
كانت السياسات والتقسيمات الإدارية التي زرعها الاحتلال، وفي مقدمتها قانون المناطق المقفلة ومحاربة الامتداد الإسلامي، هي الفتيل الذي فجّر الصراعات العرقية والإقليمية في مرحلة ما بعد خروج القوات البريطانية، حيث وظفت القوى الخارجية هذه الثغرات لإضعاف التماسك البنيوي للبلاد؛ مما قاد القطر إلى استنزاف طاقاته وثرواته في حروب أهلية مدمرة وقع عبئها الأكبر على المسلمين:
– الحرب الأهلية الأولى والثانية: اندلعت الجولة الأولى بين عامي 1374 هـ الموافق 1955 و1392 هـ الموافق 1972 مسفرة عن سقوط 500,000 من الضحايا. ثم اشتعلت الحرب الثانية بين عامي 1403 هـ الموافق 1983 و1425 هـ الموافق 2005، وأدت إلى سقوط أكثر من 2,000,000 (مليوني) شخص من الضحايا نتيجة القتال والمجاعات المرافقة له، وتهجير ما يزيد عن 4,000,000 (أربعة ملايين) إنسان داخلياً وخارجياً من المسلمين (ما يعادل 15% من مجموع المسلمين في تلك المناطق).
– انفصال الجنوب (1432 هـ الموافق 2011): تحقق المخطط الاحتلالي القديم لعزل الجنوب وتنصيره عبر توقيع اتفاقية إطارية في عام 1426 هـ الموافق 2005 بين الحكومة والحركة الشعبية، وجرى الاستفتاء في عام 1432 هـ الموافق 2011، ليتم بتر ثلث مساحة السودان الجغرافية وذهاب 75% من عائداته النفطية لصالح قيام دولة منفصلة برئاسة الحركة الانفصالية هناك، لتفقد الدولة معظم أوعيتها المالية وتدخل في نفق التراجع الاقتصادي الحاد.
– نزيف صراع دارفور (1423 هـ الموافق 2003): نتيجة عقود من غياب التنمية المتوازنة وتغذية النزاعات القبلية في هذا الإقليم المسلم من قوى دولية وظفت الثغرات للضغط على الدولة، أسفر الصراع عن سقوط 300,000 من الضحايا المسلمين، وتهجير قسري لأكثر من 2,500,000 نازح، لتبلغ نسبة المهجرين من المسلمين في الإقليم أكثر من 40% خارج دورتهم الإنتاجية والزراعية التقليدية.
سادساً: النزاع المسلح المعاصر وفاتورة البغي ومجازر ميليشيات الدعم السريع في حواضر السودان (1444 هـ الموافق 2023 – 1447 هـ الموافق 2026)
وصلت أزمة الدولة القائمة على القوانين الوضعية والهياكل الموروثة إلى ذروتها الكارثية بانفجار الصراع المسلح المعاصر في عام 1444 هـ الموافق 2023، والمستمر بشراسة حتى وقتنا الحالي في عام 1447 هـ الموافق 2026. وفي هذا السياق، تصدرت ميليشيات الدعم السريع مشهد البغي والعدوان المباشر، حيث شنت حرباً تدميرية واستباحة ممنهجة لفرض نفوذها بالقوة، متسببة في أكبر أزمة نزوح بشري في العالم المعاصر باقتلاع أكثر من 11,000,000 إنسان من المسلمين من ديارهم (ربع المسلمين في البلاد)، ووضع 25 مليون إنسان تحت مقصلة المجاعة الحادة. وقد تعمدت هذه الميليشيات المجازر الجماعية وتدمير البنى التحتية، ونهب المقدرات والمصارف، واستباحة وتدمير بيوت الله والمساجد والمكتبات الأثرية الإسلامية، وتجسد إجرامها وبغيها في محارق مروعة طالت حواضر القطر:
– حصار ومجازر الفاشر بجرائم ميليشيات الدعم السريع (بين عامي 1445 هـ الموافق 2024 و1447 هـ الموافق 2026): فرضت ميليشيات الدعم السريع حصاراً خانقاً وقصفاً مدفعياً وصاروخياً عشوائياً استهدف الأحياء السكنية ومراكز النزوح المكتظة للمسلمين مثل “معسكر زمزم”، في خطوة عدوانية صريحة لعزل المدينة وتجويع أهلها، مما أسفر عن سقوط أكثر من 4,500 من الضحايا المسلمين، وبلغت نسبة الدمار في المرافق الصحية والخدمية الأساسية بفعل هذا القصف الميليشياوي الممنهج أكثر من 65%، وتسبب الحصار في
تهجير قسري لأكثر من 80% من المسلمين من أهل المدينة الذين فروا في البيئات النائية ليموت المئات منهم افتقاراً للمقومات الأساسية.
– حملات الإبادة ومجزرة الجنينة بأيدي الميليشيا (1444 هـ الموافق 2023): قادت ميليشيات الدعم السريع مواجهات دموية وإبادة جماعية بشعة ذات طابع جهوي وقبلي مدفوع بحسابات خارجية وبدعم حكومة الإمارات ضد المسلمين في المدينة، حيث أحرقت الميليشيا المربعات السكنية بالكامل، وسقط ما يقارب 15,000 من الضحايا المسلمين تقبلهم الله من الشهداء في غضون أسابيع جراء بطشها وتنكيلها المباشر، وتم دفن المئات في مقابر جماعية، وبلغت نسبة التهجير القسري للمسلمين في المدينة وأطرافها أكثر من 90% بعد فرارهم كلاجئين نحو دولة تشاد هرباً من الفتك والانتهاكات.
مجزرة ود النورة واستباحة ريف الجزيرة (1445 هـ الموافق 2024): اقتحمت قوات ميليشيات الدعم السريع القرية مستخدمة الأسلحة الثقيلة والمدافع ضد منازل المسلمين العزل، مما أسفر في يوم واحد عن سقوط أكثر من 150 من الضحايا من المسلمين، وتلا ذلك عمليات نهب واسعة واستباحة كاملة للممتلكات وتدمير الآليات الزراعية على يد عناصر الميليشيا. ولم تكن ود النورة إلا نموذجاً لاستباحة الميليشيا لأكثر من 120 قرية للمسلمين في ريف ولاية الجزيرة خلال عامي 1445 هـ الموافق 2024 و1446 هـ الموافق 2025، حيث بلغت نسبة القرى التي هجرتها الميليشيا عُنوة بالكامل حوالي 70%، مما أدى لشلل تام في الإنتاج الزراعي بأكبر مشروع ري في البلاد وتعميق الأزمة الغذائية الشاملة كأداة بغي وتجويع مسلّطة ضد المجتمع المسلم.
شبكات الإمداد الخارجي والتواطؤ الإماراتي والخارجي في تدمير الحواضر: تظهر الشواهد والتحليلات البنيوية أن استباحة مدن القطر وتدمير حواضره على يد ميليشيات الدعم السريع لم يكن ليستمر ويتمدد لولا الدعم المالي، والسياسي، واللوجستي المباشر الذي تقدمه الحكومة الإماراتية لهذه الميليشيات.
إن هذا التدخل الممنهج يعري طبيعة هذه الحكومة المتطرفة التي تسعى بشتى السبل والوسائل إلى إلحاق الضرر البالغ بالإسلام والمسلمين، واستهدافهم مباشرة في دينهم، وعقيدتهم، ودماء أبنائهم العزل. ومن خلال هذا الإصرار على تمويل آلة الحرب، غدت السياسة الإماراتية شريكاً رئيساً في نشر البغي، وتوسيع رقعة الدمار، وتغذية محارق الحواضر الإسلامية لإطالة أمد الأزمة وتفكيك المجتمعات الإسلامية وسلب سيادته.
سابعاً: التوظيف الأيديولوجي والانحراف العقدي: استغلال ميليشيات الدعم السريع لبعض الطرق الصوفية (1444 – 1447 هـ الموافق 2023 – 2026)
لم يتوقف بغي ميليشيات الدعم السريع عند حدود الفتك العسكري والتدمير المادي لحواضر المسلمين، بل تجاوز ذلك إلى محاولات خبيثة لضرب الهوية العقائدية وتزييف وعي الأمة عبر توظيف ورقة الدجل وتكريس الانحراف العقدي والديّني.
وقد سعت الميليشيا بشكل دؤوب إلى صناعة حاضنة وشرعية دينية زائفة تبرر استباحتها لدماء المسلمين وأموالهم، فوجدت ضالتها في مظاهر التميع العقدي المتمثلة في عبادة القبور والتعلق بالأضرحة والممارسات المبتدعة التي تتبناها منصات التصوف السياسي، بهدف إشغال العامة عن حقائق دِينهم وشوكة عقيدتهم.
وقد تجسد هذا التحالف المشبوه بشكل معلن وموثق في مواقف مشهودة مع رجالات ورموز طرق صوفية معينة داخل القطر، وفي مقدمتها الطريقة السمانية، والطريقة الكباشية، وطريقة اليعقوباب؛ حيث ظهرت الخطابات المصورة والموثقة التي تباهى فيها قائد الميليشيا المجرم “حميدتي” علانية وبكل صلف بالدعم والولاء الذي تتلقاه قواته الباغية من قيادات هذه الطرق.
ولم يكن هذا الثناء المتبادل مع أهل البدع إلا نتاجاً لسياسة انتهازية متبادلة قامت على شراء الولاءات، وتكفل الميليشيا ببناء وتشييد وتوسيع المقامات والأضرحة لرموز تلك الطرق، لنشر الجهل ولتضليل العامة وسوق الأتباع والمريدين وتجنيدهم ليكونوا وقوداً لحرب الميليشيا، مما ألحق ضرراً فادحاً بعقيدة المسلمين ودينهم ودماء أبنائهم، وأسهم مباشرة في تفتيت النسيج الإسلامي وتسهيل استباحة الديار تحت غطاء ديني بدعي مشوه.
حتمية الاعتصام بحبل الله والعودة إلى جذور الدين
إن الحاصل المؤلم لمأساة القطر السوداني يثبت بالأرقام والوقائع أن محارق المدن التي تقودها ميليشيات الدعم السريع، والتجريف الذي أسس له المحتل البريطاني، ما هي إلا ثمار مُرّة لترك تحكيم الوحي والارتهان للنظم الوضعية الموروثة.
وإن النصح الصادق والسبيل الأوحد لحقن دماء المسلمين واستعادة عزتهم وسلطانهم لا يكمن في المداهنات والحلول السياسية الهشة، بل في التوبة النصوح والعودة الصارمة إلى جذور الدين الحنيف ونقاء العقيدة، وتطهير الديار من البدع والمحدثات؛ فما أُصيبت الأمة في عقر دارها إلا يوم أن نُحيت الشريعة وفشت منكرات التميع العقدي، ولن يَصلح آخر هذا القطر إلا بما صَلح به أوله؛ بالتوحيد الخالص والاعتصام بحبل الله المتين.






اترك تعليقاً