وصل للأخبار | المخطط الاحتلالي البريطاني في مصر
إن تاريخ الغزو الغربي للبلاد المصرية لا يمكن فهمه كمجرد صراع على ثروات أو ممرات بحرية فقط، بل هو في أصله امتداد للصراع العقائدي التاريخي ضد الإسلام والمسلمين لإضعافهم، وأن تاريخ هيمنة المسلمين بسبب دينهم العظيم يشكل تهديداً للإمبراطوريات الكافرة، ولذلك تم التخطيط بشكل منظم ومستمر لضرب هذه القوة، وعزل البلاد عن عمقها الشامل، وتفكيك الروابط الإسلامية التي تجمع المسلمين تحت راية الدين، وإحلال أفكار ومناهج تغريبية ووطنية وقومية تفصل الأمة عن هويتها ومصدر عزتها المتمثل في دينها.
أولاً: الحصار الغربي المالي كأداة لإخضاع ديار المسلمين في مصر (من عام 1286 هـ الموافق 1869 إلى عام 1299 هـ الموافق 1882)
بدأ الحصار الاحتلالي البريطاني الفرنسي يشتد على مصر لضرب مكانتها، وتضاعف هذا الاستهداف عقب افتتاح قناة السويس في عام 1286 هـ الموافق 1869، حيث سعى المحتل لإنشاء موطئ قدم دائم يتحكم من خلاله في بلاد المسلمين، ولتأمين مصالحة المادية.
وقد استغلت القوى الغربية إغراق البلاد في أزمة مالية خانقة جراء القروض الضخمة (الديون الكبيرة) بفوائد ربوية عالية من البنوك الأجنبية، والتي جُلبت بدعوى إدخال مظاهر الحياة الأوروبية الحديثة في عهد إسماعيل باشا. فاتخذ المحتل الغربي من هذه الديون حجة وعذراً للتدخل المباشر في الشؤون الداخلية وإذلال الإرادة المحلية.
وتعمق هذا النفوذ في عهد في عهد توفيق باشا، حيث تم تمكين المؤسسات والشركات المالية الاقتصادية الأوروبية من الأسواق المصرية، فسيطرت على البنوك العقارية وشركات المقاولات وتكرير السكر برؤوس أموال أجنبية كاملة، مما أدى إلى شلل تجارة أهل البلد وسلب المسلمين قدرتهم على التحكم في اقتصاد ديارهم وإبقائهم تحت رحمة المحتل الأجنبي.
ثانياً: انتفاضة المقاومة للتصدي للتدخل الغربي ووقوع فتنة الإسكندرية (من عام 1298 هـ الموافق 1881 إلى عام 1299 هـ الموافق 1882)
أدى ضعف الإدارة السياسية ورضوخ السلطة المحلية للتوجيهات البريطانية، إلى جانب اتباع سياسة منع الحريات، وملاحقة القوى الرافضة للتدخل الأجنبي، وزيادة الضرائب، وبيع حصة مصر من أرباح قناة السويس إلى تصاعد الغضب الشعبي والعسكري. وتجمعت القوى المعارضة في مواجهة هذا الواقع، مطالبة بحماية البلاد من التدخل الأوروبي.
وفي عام 1298هـ الموافق 1881، توجهت القوات العسكرية والجماهير إلى قصر الحكم للمطالبة بإجراء إصلاحات سياسية وإدارية في البلاد، وهو ما أثار قلق بريطانيا وفرنسا؛ إذ رأت الدولتان في هذه التحركات تهديدًا لمصالحهما ونفوذهما.
ومع تصاعد الأحداث، سارعتا إلى إرسال أسطولين بحريين إلى مياه الإسكندرية دعمًا لسلطة حاكم البلاد، تمهيدًا للتدخل المباشر في الشؤون المصرية.
وفي شهر شعبان لعام 1299 هـ الموافق 11 حزيران 1882، اندلعت “فتنة الإسكندرية” المدبرة إثر إقدام أحد الرعايا التابعين للحكومة البريطانية على قتل مواطن مسلم، مما فجر صدامات مسلحة عنيفة بين السكان المحليين والرعايا الأجانب، أسفرت عن سقوط أكثر من 250 قتيلاً من الطرفين قبل تدخل القوات المحلية.
واستغلت بريطانيا هذه الدماء كذريعة جاهزة لإعلان غياب الأمن وحماية رعاياها، فقام أسطولها بقصف وحشي لمدينة الإسكندرية بالمدافع واحتلالها، في حين تراجعت القوات المحلية إلى منطقة كفر الدوار لإقامة خط دفاعي ثانٍ.
ثالثاً: معركة التل الكبير وتدشين مخطط التفكيك العقائدي واللغوي (عام 1299 هـ الموافق 1882)
وقعت قوات المقاومة في خطأ عسكري واستراتيجي كبير تمثل في إهمال دفاعات الجبهة الشرقية وثقتها وراء وعود إدارة الشركة الفرنسية لقناة السويس التي زعمت التزام الحياد وعدم السماح بمرور السفن الحربية.
واستغل الجيش البريطاني هذه الثغرة، فأنزل قواته عبر مدن القناة لضرب المسلمين من الخلف، وانتهت المواجهة بانهيار الدفاعات المحلية في معركة غير متكافئة بالتل الكبير في ذي القعدة لعام 1299 هـ الموافق سبتمبر 1882، ودخلت القوات البريطانية القاهرة وبدأ الاحتلال الرسمي.
وعقب تمكن المحتل من البلاد، شرع في تنفيذ مخططه الحقيقي لضرب هوية الأمة عبر إجراءات صارمة شملت:
– تعيين المسؤول البريطاني الأول (المعتمد) في مصر، ومنحه السلطة المطلقة لإدارة شؤون البلاد وفرض الإملاءات الغربية.
– حل الجيش وتفكيكه وإعادة تشكيله كقوة ضعيفة وقليلة السلاح تحت قيادة عسكرية بريطانية (“سردار” وضباط إنجليز)، مع إغلاق مصانع الأسلحة المحلية لضمان عدم قيام أي قوة عسكرية للمسلمين مجدداً.
– إلغاء نظام المراقبة الثنائية وتحويل اقتصاد البلاد ليكون مجرد تابع يخدم السوق البريطاني ويمد مصانع الغرب بالمواد الخام كالقطن.
– الحرب الفكرية والعقائدية المنظمة: تمثلت في محاربة اللغة العربية (لغة القرآن الكريم) وإحلال اللغة الإنجليزية مكانها لقطع صلة الأجيال بمصادر التشريع.
وبشكل غير مباشر حيث ساعدت البدع والخرافات والمقامات الشركية والزواية على تكريس مظاهر الانحراف العقدي المتمثلة في تعظيم الأضرحة وعبادة القبور لتشتيت الأمة عن عقيدة التوحيد الخالص ولجر بعض العامة نحو الشرك بالله، الذي يسبب الذل والضعف.
وقد أسهم في ذلك فئات من المنتسبين للعلم ممن وقعوا في البدع الشركية، مما أدى إلى تمرير سياسات المستعمر من خلال إلهام الناس وتعليقهم بالخرافات والقبور والتخلف، وصرفهم عن أصول الاعتقاد الصحيح والجهاد الشرعي لحماية الدين وديار المسلمين، مما جعل من أهل البدع والضلال عوناً للمحتل على تثبيت أركانه وحالوا دون نهضة الأمة الإسلامية.
وهذه المظاهر تتكرر من أهل البدع فالاستغاثة بالأموات والبدع سبيل للهزيمة والخنوع للأعداء.
كما نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن بعض الشعراء: “يا خائفين من التتر … لوذوا بقبر أبي عمر.
وهذا شرك بالله عظيم.
رابعاً: حادثة دنشواي وحصر المقاومة في أطر حزيبية علمانية مصطنعة (من عام 1310 هـ الموافق 1892 إلى عام 1325 هـ الموافق 1907)
في ربيع الآخر لعام 1324 هـ الموافق يونيو 1906، تجلت وحشية الاحتلال وحقده في “حادثة دنشواي” عندما قام خمسة ضباط إنجليز بصيد الحمام في إحدى القرى، فأصابت رصاصاتهم امرأة مسلمة وتسببت في حرق أجران القمح، وتصدى أهالي القرية للضباط الذين فروا ومات أحدهم بضربة شمس؛ فاستغلت سلطات الاحتلال الحادثة لإرهاب المسلمين عبر محاكمات عسكرية ظالمة قضت بإعدام وجلد عدد من الفلاحين علناً أمام عائلاتهم.
واستُخدمت هذه الفظائع إعلامياً لتأسيس حزب وطني في عام 1325 هـ الموافق 1907 للمطالبة بالاستقلال والدستور. وتكشف القراءة النقدية العميقة لهذه المرحلة أن حصر حركات المقاومة والجهاد في أطر أحزاب سياسية محلية تطالب بدستور وقوانين وضعية وافق وانسجم تماماً مع المخطط الاستعماري؛
اقرأ أيضًا: سياسة الاحتلال البريطاني في عُمان ومسار الهيمنة والواقع السياسي والخارجي
حيث أسهم ذلك في تقزيم القضية وحصرها داخل حدود ترابية وطنية مصطنعة رسمها المحتل (تزامناً مع توسعات بريطانية في إفريقيا مثل السيطرة على جنوب إفريقيا عام 1899 وسعي قياداتهم الاستعمارية لربط كيب تاون بالإسكندرية)، مما أدى إلى عزل مصر عن قضايا محيطها الإسلامي، وترسيخ سياسة التفكك بحيث يحارب كل بلد مسلم منفرداً داخل حدوده المصطنعة وبأدوات القوانين البشرية الوضعية بعيداً عن الرابطة الإسلامية الشاملة.
خامساً: فرض الحماية وإلغاء السيادة الإسلامية وانتفاضة عام 1919 (من عام 1333 هـ الموافق 1914 إلى عام 1340 هـ الموافق 1922)
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وجهت بريطانيا ضربة قاضية للهوية الإسلامية للبلاد؛ حيث ألغت السيادة الشكلية السابقة وأعلنت فرض “الحماية البريطانية” الرسمية عليها في عام 1333 هـ الموافق 1914، لتعزلها عن بلاد المسلمين .
وقامت بتعيين حاكم موالٍ لها بلقب “سلطان مصر” ليكون واجهة لتمرير قراراتها، وسخرت دماء ومقدرات المسلمين وأموالهم لخدمة جيوشها الحربية، وفرضت الأحكام العرفية الجائرة، وشددت الرقابة على المطبوعات.
وعقب انتهاء الحرب، تجمع وفد سياسي لمطالبة المسؤول البريطاني بالسماح لهم بالسفر لعرض قضية البلاد في مؤتمر الصلح بباريس. وجاء الرد البريطاني الاستعلائي برفض الطلب والقبض على أعضاء الوفد ونفيهم إلى جزيرة مالطا، مما فجر انتفاضة شعبية عارمة وثورة عارمة في عام 1337 هـ الموافق 1919 واجهت قوات الاحتلال هذه الانتفاضة بعنف وحشي مفرط أسفر عن سقوط مئات الضحايا والجرحى، وتنفيذ أحكام الإعدام بحق 49 شخصاً في القاهرة.
سادساً: الاستقلال الصوري ومعاهدة 1936 وتثبيت التبعية للمنظومة الغربية (من عام 1340 هـ الموافق 1922 إلى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1364 هـ الموافق 1945)
قاطع الشعب المسلم اللجنة البريطانية السياسية التي أُرسلت لتهدئة الأوضاع، وبسبب الإصرار على إلغاء التبعية للمحتل، لجأت بريطانيا إلى الحيل السياسية والدبلوماسية وأصدرت من طرف واحد تصريح 28 فبراير لعام 1922 (الموافق الأول من رجب لعام 1340 هـ)، والذي ألغى الحماية على الورق فقط واعترف بمصر مملكة مستقلة ذات سيادة تحت حكم ملك البلاد حينها، ولكنه وضع أربعة شروط مطلقة ألغت حقيقة وجوهر الاستقلال وأبقت البلاد تحت الوصاية الغربية، وهي:
– تأمين خطوط مواصلات الإمبراطورية البريطانية في مصر (لضمان تحريك جيوشهم ضد أي حراك إسلامي).
– الدفاع عن مصر ضد أي اعتداء أو تدخل أجنبي (لإبقاء البلاد بلا جيش حقيقي يحميها).
– حماية المصالح الأجنبية وحماية الأقليات في مصر (للتدخل في شؤون المسلمين وقوانينهم).
– إبقاء وضع السودان تحت نظام الحكم الثنائي المشترك .
أُلغيت الأحكام العرفية وأُفرج عن المعتقلين في عام 1341 هـ الموافق 1923، ووُضع دستور جديد مستمد من القوانين الوضعية الغربية بدلاً من الشريعة الإسلامية، وتشكلت حكومة عقب الانتخابات في عام 1342 هـ الموافق 1924، وتولى قائد الحزب الجديد رئاسة الحزب والوزارة لاحقاً. وتوج هذا المسار السياسي القائم على تقديم التنازلات والجري وراء الأنظمة الغربية بتوقيع “معاهدة عام 1936” في لندن (الموافق لعام 1355 هـ) بين الحكومة المحلية وبريطانيا، وجاءت بنودها لتقنن الاحتلال وتمنحه غطاءً تعاقدياً شرعياً كاذباً، حيث نصت على:
– إنهاء الاحتلال العسكري التقليدي مع إبقاء 10 آلاف جندي بريطاني في منطقة قناة السويس لضمان الهيمنة العسكرية.
– التزام البلاد بوضع كافة طرق مواصلاتها وموانئها ومطاراتها تحت تصرف الجيش البريطاني في حالة وقوع حرب.
– فرض الأحكام العرفية والرقابة على المطبوعات والصحف عند الحاجة، وإنشاء الطرق العسكرية لخدمة قوات الاحتلال.
– منح سفير بريطانيا في القاهرة حق التقدم والامتياز العالي على جميع ممثلي الدول الدبلوماسية الأخرى ليبقى هو الحاكم الفعلي.
– تحديد مدة المعاهدة بـ عشرين عاماً، وفي حال الخلاف يلجأ الطرفان إلى مجلس عصبة الأمم (المؤسسة الغربية الصنع).
ورغم إلغاء الامتيازات الأجنبية في مؤتمر مونترو بسويسرا عام 1356 هـ الموافق 1937 ودخول مصر عصبة الأمم، إلا أن المعاهدة صاغت الاحتلال في قالب قانوني ودستوري جديد؛ فمع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تحولت مصر بالكامل إلى القاعدة العسكرية والتموينية الكبرى لجيوش بريطانيا النصرانية في الشرق الأوسط وإفريقيا، ووُضع الجيش والمقدرات المحلية تحت القيادة العسكرية البريطانية المباشرة، وقُطعت العلاقات مع دول المحور بناءً على أوامر استعمارية، مما يثبت تاريخياً وعملياً أن الانخراط في مفاهيم الدولة الوطنية، والحدود المعزولة، والاتفاقيات الثنائية، والقوانين الوضعية لم يزد البلاد إلا تشتتاً وتبعية كاملة للمنظومة الغربية، وأسهم في تمرير مخططات تفكيك المنطقة وتصفية قضايا المسلمين الكبرى.
حتمية العودة إلى التوحيد ونبذ المناهج الجاهلية
تثبت وقائع كفاح أهل مصر ضد البغي البريطاني، الممتد لعقود، أن التمسك بحدود الأوطان المصطنعة التي رسمها المحتل، والجري وراء القوانين البشرية الوضعية والتيارات القومية والوطنية الضيقة، كانا السبب الرئيس في تمزيق الجسد الواحد وتفريق الأمة إلى أجزاء متناثرة يسهل على المحتل الاستفراد بكل منها على حدة وإبقائها في فلك التبعية للغرب.
العزة والتمكين والتحرر الحقيقي من قبضة الاحتلال لا يكتملان إلا بإخلاص العبادة لله وحده (التوحيد الخالص)، واعتصام الأمة بحبل الله المتين وفق المنهج الحق والكتاب والسنة، وتطهير المناهج والقلوب من الأفكار الجاهلية والتغريبية المفرقة، والتحذير الشديد من مظاهر الانحراف العقدي والبدع المحدثة بكامل أنواعها كتحريف الأسماء والصفات والإيمان والقدر وعبادة القبور وتعظيم الأضرحة والتراخي الديني الذي بثه أهل البدع الذي ساعد المحتل لغرس الضعف وصرف الأمة عن توحيدها وجهادها الشرعي، فهي الأمانة العظمى التي يتعين على الأمة وعيها لمواجهة مخططات التفكيك الغربية المستمرة وحفظ دينها ومقدساتها.






اترك تعليقاً