الأمومة خلف القضبان.. الأسيرات الحوامل والأطفال في مواجهة انتهاكات الاحتلال

17cb158231f26eab0e7a46ff94dfb1bc

لم تعد قضية الأسيرات الفلسطينيات مجرد ملف يتعلق بالاعتقال، بل أصبحت عنوانًا لانتهاكات متراكمة تطال المرأة الفلسطينية في أكثر مراحل حياتها هشاشة. فبين جدران السجون الإسرائيلية تقبع أمهات، وطالبات، وقاصرات، وإعلاميات، وطبيبات، وربات بيوت، ونساء حوامل، يواجهن ظروفًا تصفها المؤسسات الحقوقية بأنها “مخالفة للقانون الدولي الإنساني والمعايير الدولية لمعاملة السجناء” دون مطالبات جادة بإطلاق سراحهن.

وتكتسب قضية الأسيرات الحوامل خصوصية بالغة، إذ لا تقتصر آثار الاعتقال عليهن وحدهن، بل تمتد إلى الأجنة الذين يقضون أشهرهم الأولى في بيئة تفتقر إلى الرعاية الصحية والغذاء الكافي والمتابعة الطبية المنتظمة. أما الأطفال الفلسطينيون المعتقلون، فيُحرم كثير منهم من التعليم والاستقرار الأسري، ويتعرضون، وفق تقارير حقوقية، للاستجواب والاحتجاز في ظروف لا تراعي سنهم واحتياجاتهم.

ومنذ 22 ربيع الأول 1445هـ (السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م)، شهدت الضفة الغربية والقدس تصاعدًا غير مسبوق في حملات الاعتقال، رافقته إفادات موثقة عن سوء المعاملة، والإهمال الطبي، والحرمان من الزيارات، والعزل الانفرادي، والتجويع، والاعتداءات الجسدية واللفظية، ما دفع مؤسسات فلسطينية ودولية إلى التحذير من تدهور أوضاع الأسرى والأسيرات داخل السجون الإسرائيلية. وتشير التقارير إلى أن النساء الحوامل والأطفال يعدّون من أكثر الفئات عرضة للخطر في ظل هذه الظروف.

فقد بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي باعتقال النساء الفلسطينيات منذ عام 1386هـ (1967م)، وتوثق المؤسسات الفلسطينية أن آلاف النساء مررن بتجربة الاعتقال خلال العقود الماضية، شملت فتيات “قاصرات، وأمهات، ومسنات، وأكاديميات، وصحفيات، ونائبات في المجلس التشريعي، ومدافعات عن حقوق الإنسان”.

وتوضح هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني أن الاعتقالات لا تقتصر على حالات الاشتباه الأمني، بل تشمل الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة، إضافة إلى حملات اعتقال جماعية تتصاعد خلال فترات التوتر والعمليات العسكرية.

وبحسب البيانات الصادرة عن المؤسسات المختصة حتى 1448هت (منتصف عام 2026م):
يزيد عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية على 9400 أسير.

يبلغ عدد الأسيرات 99 أسيرة.
بينهن 3 أسيرات حوامل.
وتوجد 4 فتيات قاصرات.
كما يوجد أكثر من 350 طفلًا معتقلًا في السجون ومراكز التوقيف.
وبلغ عدد المعتقلين الإداريين أكثر من 3200 معتقل، وهو من أعلى الأرقام المسجلة خلال السنوات الأخيرة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن النساء يشكلن نسبة محدودة من إجمالي الأسرى، إلا أن طبيعة الانتهاكات الواقعة عليهن، ولا سيما الحوامل والقاصرات، تجعل قضيتهن من أكثر الملفات الحقوقية حساسية.

كما تشير التقارير الحقوقية إلى أن النساء يتعرضن خلال عملية الاعتقال إلى عدد من الانتهاكات، منها:

الاقتحام الليلي للمنازل.
تقييد الأيدي وتعصيب العينين.
التفتيش الجسدي المهين.
النقل لساعات طويلة في ظروف قاسية.
الحرمان من التواصل مع المحامي أو الأسرة خلال فترات التحقيق.
التحقيق المطول تحت الضغط النفسي.
التهديد باعتقال أفراد من العائلة.

وقد وثقت منظمات حقوقية فلسطينية ودولية شهادات متكررة حول هذه الممارسات، مع التأكيد على ضرورة التحقيق فيها وضمان حماية النساء أثناء الاحتجاز وفق المعايير الدولية.

وتشكل الأسيرات الحوامل إحدى أكثر الفئات ضعفًا داخل السجون، إذ تتقاطع احتياجات الحمل مع بيئة احتجاز تفتقر إلى الرعاية الطبية والغذاء المناسب.
وتؤكد المؤسسات الحقوقية أن الحمل داخل السجن يضاعف المخاطر الصحية على الأم والجنين، خصوصًا مع القيود المفروضة على الفحوصات الدورية، وتأخر تحويل الحالات إلى المستشفيات، وسوء التغذية، والضغط النفسي المستمر.

وتنص قواعد بانكوك الخاصة بمعاملة السجينات، إضافة إلى قواعد نيلسون مانديلا، على ضرورة توفير رعاية صحية متخصصة للنساء الحوامل، وضمان معاملتهن بما يحفظ كرامتهن وحقوقهن، وهو ما تؤكد المنظمات الحقوقية أنه لا يتحقق بصورة كافية في حالات عديدة داخل السجون الإسرائيلية.

وإلى جانب التحديات الصحية، تعيش الأسيرات الحوامل ضغوطًا نفسية كبيرة، تتمثل في:

الخوف على سلامة الجنين.
القلق من الولادة في ظل الاحتجاز.
الحرمان من وجود أفراد الأسرة خلال الحمل أو الولادة.
عدم معرفة مصير الأبناء الموجودين خارج السجن.
العيش في بيئة مغلقة تفتقر إلى الخصوصية.

ويؤكد مختصون في الصحة النفسية أن التعرض المستمر للتوتر خلال الحمل قد ينعكس على الصحة النفسية للأم، وقد يؤثر أيضًا في نمو الجنين، وهو ما يجعل توفير الدعم النفسي جزءًا أساسيًا من الرعاية الواجبة للحوامل المحتجزات.

وروت الأسيرة المحررة هنادي زعرب في إفاداتها أن أصعب ما واجهته خلال فترة الاعتقال كان الشعور بالعجز عن الحصول على الرعاية الطبية المناسبة، وأن أي ألم كانت تعانيه الأسيرات كان يُقابل غالبًا بتأخير في العلاج أو الاكتفاء بالمسكنات، وهو ما زاد من معاناتهن النفسية والجسدية.

كما وثقت الأسيرة المحررة إسراء جعابيص في مقابلاتها ما تعرضت له من إهمال طبي بعد إصابتها بحروق بالغة قبل اعتقالها، وأشارت إلى المعاناة الطويلة في الحصول على العلاج والجراحات اللازمة أثناء سنوات الأسر، لتصبح قضيتها إحدى أبرز القضايا التي تستشهد بها المنظمات الحقوقية في ملف الإهمال الطبي.

ويُعد اعتقال الأطفال من أكثر القضايا إثارة للجدل في ملف حقوق الإنسان بالأراضي الفلسطينية المحتلة، نظرًا لما يترتب عليه من آثار نفسية واجتماعية وتعليمية طويلة الأمد.

وتشير آخر الإحصاءات إلى أن:
يبلغ عدد الأطفال الفلسطينيين المعتقلين نحو 360 طفلًا.
يُحتجز معظمهم في سجني مجدو وعوفر.
يوجد بينهم معتقلون إداريون دون توجيه تهم.

شهد عام 1446هـ (2025م) اعتقال 981 طفلًا، بينهم 180 طفلًا رهن الاعتقال الإداري حتى نهاية العام.
تلقت الأمم المتحدة شهادات من 66 طفلًا أفادوا بتعرضهم للعنف الجسدي أو سوء المعاملة أثناء الاحتجاز.

وتفيد شهادات موثقة بأن غالبية الأطفال يُعتقلون ليلًا بعد اقتحام منازلهم، ثم يُنقلون مكبلي الأيدي إلى مراكز التحقيق، حيث تتكرر الانتهاكات الآتية:

الاقتحام الليلي للمنازل.
تقييد اليدين.
تعصيب العينين.
الحرمان من وجود أحد الوالدين أثناء التحقيق.
استجوابات طويلة.
الضرب أو التهديد والضغط النفسي.
حرمان بعض الأطفال من التعليم.

وتترك هذه الممارسات آثارًا نفسية عميقة، تشمل اضطرابات النوم، والقلق، والاكتئاب، وصعوبات الاندماج بعد الإفراج.

كما وثقت منظمات حقوقية إفادات لأطفال محررين ذكروا أنهم أُجبروا على توقيع إفادات مكتوبة بلغة لا يفهمونها بالكامل، إلى جانب تعرض بعضهم للضرب أو الاحتجاز لساعات طويلة دون السماح لهم بالتواصل مع ذويهم.

خاتمة

وتكشف أوضاع الأسيرات الفلسطينيات، ولا سيما الحوامل منهن، والأطفال المعتقلين، عن معاناة إنسانية عميقة تتجاوز حدود السجن، إذ تمتد آثارها إلى الصحة الجسدية والنفسية، والحياة الأسرية، ومستقبل الأطفال الذين يجدون أنفسهم في قلب تجربة قاسية في مرحلة يفترض أن تكون الأكثر أمنًا واستقرارًا.

فخلف كل رقم ترويه الإحصاءات، تقف أمٌّ تنتظر مولودها في ظروف استثنائية، أو طفلٌ حُرم من طفولته وتعليمه وأجواء أسرته.

وتشير الشهادات والتقارير الموثقة إلى أن النساء الحوامل والأطفال يواجهون تحديات مضاعفة داخل أماكن الاحتجاز، تبدأ من صعوبة الحصول على الرعاية الصحية المناسبة، ولا تنتهي عند الآثار النفسية والاجتماعية التي قد تلازمهم حتى بعد انتهاء تجربة الاعتقال.

وتؤكد هذه الوقائع الحاجة إلى إيلاء أوضاعهم اهتمامًا أكبر، والعمل، على الأقل، على تخفيف معاناتهم وضمان توفير احتياجاتهم الأساسية.

وفي النهاية، تبقى قضية الأسيرات الحوامل والأطفال من أكثر القضايا الإنسانية إيلامًا، لأنها تمس فئات هي الأشد ضعفًا وحاجة إلى الرعاية. وبين الأرقام والإحصاءات، تظل هناك حكايات لأمهات وأطفال ينتظرون نهاية هذه المعاناة، واستعادة حياة طبيعية حُرموا منها، لتبقى هذه القضية حاضرة في الوعي الإنساني ما دامت آثارها تمتد إلى الإنسان والأسرة والمجتمع بأسره.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *