اتفاق بشأن نزع سلاح الفصائل في غزة.. خطوة أولى أم عقدة جديدة أمام تنفيذ الهدنة؟

AFP 20260728 C3EH47Y v1 HighRes PalestinianIsraelConflictGaza 1785392877

أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق بشأن خطة لنزع سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة، في تطور وصفه ترامب بأنه «خطوة تاريخية» نحو إنهاء الحرب وإعادة تشكيل إدارة القطاع، إلا أن تفاصيل الاتفاق تكشف عن خلافات جوهرية لا تزال قائمة، خصوصًا بشأن ترتيب الخطوات بين نزع السلاح وانسحاب القوات الإسرائيلية.

وبحسب وثيقة حصلت عليها الجزيرة، وافقت حماس وفصائل فلسطينية أخرى على إطار يحدد مسارًا لنزع السلاح، على أن تُعد خارطة الطريق التفصيلية خلال 14 يومًا، مع إمكانية تمديد المهلة بموافقة هيئة دولية للتحقق وبموافقة جميع الأطراف.

لكن الاتفاق لا يعني أن عملية نزع السلاح بدأت فعليًا أو أن جميع الأطراف وافقت على تفاصيلها؛ إذ قال القيادي في حماس وعضو وفدها المفاوض غازي حمد إن الحركة لن تنفذ أي جزء من الاتفاق إذا لم تلتزم “إسرائيل” بتعهداتها، وعلى رأسها الانسحاب من غزة والتقدم في عملية إعادة إعمار القطاع.

السلاح تحت إدارة فلسطينية

وفق الوثيقة، تبدأ العملية بدخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة وقوة الاستقرار الدولية إلى القطاع، على أن تتولى اللجنة الوطنية الإشراف على عملية «جرد الأسلحة وتخزينها»، مع مراقبة لجنة دولية للتحقق ومشاركة الفصائل الفلسطينية.

وتنص الخطة على أن عملية تخزين الأسلحة ستكون مرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي التدريجي من غزة، كما تؤكد الوثيقة أن الأسلحة لن تُسلّم إلى “إسرائيل” أو إلى أي جهة غير فلسطينية، وأن اللجنة الوطنية ستكون الجهة الفلسطينية الوحيدة التي تحتفظ بالأسلحة داخل القطاع.

وهذه النقطة تمثل أحد أهم جوانب الخلاف؛ فالمصطلحات المستخدمة في الوثيقة لا تبدو متطابقة تمامًا مع مفهوم «نزع السلاح» الذي تطرحه “إسرائيل” والولايات المتحدة. وأشار محلل عسكري فلسطيني تحدث للجزيرة إلى أن «الجرد والتخزين» يختلفان عن التسليم المباشر للسلاح إلى طرف معادٍ.

وتقول مصادر من «مجلس السلام» إن الأسلحة الموجودة لدى الشرطة ستُنقل أولًا إلى إدارة اللجنة الوطنية، ثم تبدأ عملية إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة، مع وقف جميع الأنشطة العسكرية في غزة بصورة تدريجية.

ترامب: “إسرائيل” ستنسحب بعد نزع السلاح

وقدم ترامب الاتفاق باعتباره جزءًا أساسيًا من خطته لإنهاء الحرب في غزة، مؤكدًا أن “إسرائيل” ستنسحب من القطاع بمجرد استكمال عملية نزع السلاح.

وقال إن غزة ستنتقل في نهاية المطاف إلى إدارة فلسطينية جديدة تعمل بالتنسيق مع «مجلس السلام»، بينما تتولى قوة الاستقرار الدولية، بالتعاون مع قوة شرطة فلسطينية جديدة، مسؤولية الأمن خلال المرحلة الانتقالية.

وتشير الخطة إلى أن الإدارة الجديدة ستكون ذات طابع مدني وفني، في محاولة لإقامة بديل عن إدارة حماس وعن السلطة الفلسطينية بصورتها الحالية.

وكانت حماس قد أعلنت في 6 يوليو/تموز حل الهيئة التي قادت إدارة غزة لنحو عقدين، في خطوة مهدت لتسليم الإدارة المدنية إلى هيئة فلسطينية من التكنوقراط.

عقدة الترتيب: من يبدأ أولًا؟

تكمن العقبة الأساسية في ترتيب تنفيذ الالتزامات.

فواشنطن تطرح مسارًا يقوم على نزع السلاح تدريجيًا بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي تدريجي، بينما تشدد حماس على أن وقف الهجمات الإسرائيلية والانسحاب وزيادة المساعدات يجب أن تسبق تنفيذ التزاماتها المتعلقة بالسلاح.

وفي المقابل، تطالب “إسرائيل”، وفق ما نقلته رويترز، بنزع كامل لسلاح حماس وإخراج الأسلحة من غزة قبل تنفيذ الانسحاب، كما لم تعلن الحكومة الإسرائيلية بصورة واضحة قبولها النهائي لخارطة الطريق.

وهكذا يعود الخلاف القديم نفسه: هل تنسحب “إسرائيل” أولًا مقابل بدء عملية نزع السلاح، أم يبدأ نزع السلاح أولًا قبل الانسحاب؟

وهذه ليست مسألة إجرائية بسيطة، بل هي جوهر الاتفاق كله، لأن كل طرف يخشى أن يؤدي تنفيذ التزامه قبل الطرف الآخر إلى فقدان أهم أوراق الضغط لديه.

أشهر من المفاوضات

وقال نيكولاي ملادينوف، المبعوث الأعلى لـ«مجلس السلام» إلى غزة، إن التوصل إلى الاتفاق جاء بعد أشهر من المفاوضات الصعبة، مشيرًا إلى أن مراحل التنفيذ والتحقق ستكون أهم من الإعلان عن الاتفاق نفسه.

وتوسطت مصر وقطر وتركيا في المحادثات التي جرت في القاهرة بين حماس والوسطاء، فيما شارك ممثلو «مجلس السلام» الأمريكي في المفاوضات المتعلقة بالمرحلة الثانية من خطة ترامب.

ووفق رويترز، فإن الاتفاق الذي أعلن عنه ترامب يتضمن نزع السلاح على مراحل، وانسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا، وتشكيل قوة استقرار دولية وقوة شرطة فلسطينية جديدة، إلى جانب إدارة مدنية فلسطينية للقطاع.

حركة الجهاد الإسلامي تتحفظ

ورغم الإعلان عن موافقة حماس وفصائل أخرى على الوثيقة، فإن حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية قالت إن التقارير التي تتحدث عن اتفاق بين الفصائل و”إسرائيل” غير دقيقة، وأبدت تحفظات على الصياغة المتداولة.

وهذا يعني أن الحديث عن «اتفاق نهائي لنزع السلاح» قد يكون سابقًا لأوانه؛ فحتى مع موافقة حماس على الإطار العام، ما تزال هناك أسئلة حول موقف بقية الفصائل، وطريقة التعامل مع الأسلحة الخفيفة، وآلية التحقق الدولية، وحدود الانسحاب الإسرائيلي.

كما قالت مصادر رويترز إن “إسرائيل” لم تكن قد أيدت خارطة الطريق علنًا، بينما أبدت شخصيات إسرائيلية اعتراضًا عليها، ما يزيد من صعوبة الانتقال من الاتفاق السياسي إلى التنفيذ الميداني.

اتفاق هش وسط استمرار القتال

وتزداد هشاشة الاتفاق بسبب استمرار العمليات العسكرية على الأرض. فقد قُتل فلسطينيون في ضربات إسرائيلية على غزة في اليوم نفسه الذي أُعلن فيه التوصل إلى الاتفاق، بحسب تقارير نقلت عن مصادر طبية، في مؤشر على أن المسار السياسي لم يوقف العنف بصورة كاملة بعد.

كما أن الخلافات بشأن حجم الانسحاب الإسرائيلي، ومصير الأسلحة، وآلية عمل القوة الدولية، والجهة التي ستتولى الأمن والإدارة في القطاع، كلها ملفات لم تُحسم بصورة نهائية.

لذلك، فإن التطور الأهم في الاتفاق ليس إعلان «نزع سلاح حماس» بحد ذاته، وإنما محاولة وضع صيغة تجعل نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي عمليتين متلازمتين وتحت رقابة دولية. إلا أن نجاح هذه الصيغة سيبقى مرهونًا بقدرة الوسطاء على حل معضلة «من يبدأ أولًا»، وبمدى استعداد “إسرائيل” وحماس للالتزام بالترتيبات المتبادلة.

وفي حال نجحت هذه العملية، فقد تفتح الطريق أمام إدارة فلسطينية مدنية جديدة، وانسحاب إسرائيلي تدريجي، وإعادة إعمار القطاع. أما إذا تعثرت بسبب الخلاف حول السلاح أو الانسحاب، فقد يتحول الاتفاق إلى إطار سياسي جديد يضاف إلى سلسلة تفاهمات سابقة لم تتمكن من إنهاء الحرب بصورة مستدامة.

الخلاصة: الاتفاق المعلن يمثل تقدمًا تفاوضيًا مهمًا، لكنه ليس بعدُ اتفاقًا مكتمل التنفيذ. والأدق وصفه بأنه إطار مشروط لخطة نزع السلاح، لأن حماس تربط التنفيذ بالتزامات إسرائيلية، و”إسرائيل” لم تعلن قبولها النهائي، كما أن الجهاد الإسلامي أبدى تحفظات على الصياغة.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *