في الوقت الذي يتركز فيه اهتمام كثير من المحللين على سؤال واحد: هل سيتمكن اليوان الصيني من إزاحة الدولار الأمريكي من صدارة النظام المالي العالمي؟، تبدو بكين منشغلة بهدف مختلف وأكثر واقعية؛ فبدلاً من السعي إلى استبدال الدولار مباشرة، تعمل الصين بهدوء وعلى مدى سنوات على إنشاء بنية مالية عالمية تقلل اعتمادها واعتماد شركائها على النظام المالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.
وخلال منتدى “لوجيازوي” المالي، الذي يُعد أهم مؤتمر للسياسات المالية في الصين ويُشبّه أحياناً بمنتدى دافوس الاقتصادي العالمي، كشفت الحكومة الصينية عن حزمة جديدة من الإجراءات التي تعكس انتقال هذه الاستراتيجية إلى مرحلة أكثر تقدماً، في وقت تتزايد فيه المنافسة الجيوسياسية بين بكين وواشنطن.
استراتيجية طويلة الأمد وليست خطوة مفاجئة
الإجراءات التي أعلنتها الصين لم تكن مجرد إصلاحات مالية تقليدية، بل تضمنت توسيع استخدام اليوان خارج الحدود الصينية، وتعزيز مكانة شنغهاي كمركز مالي عالمي، وإنشاء تسهيلات سيولة جديدة للبنوك المركزية الأجنبية وصناديق الثروة السيادية، وتوسيع التجارة العابرة للحدود باليوان، إضافة إلى فتح قطاعات جديدة من الأسواق المالية الصينية أمام المستثمرين الأجانب.
ورغم أن كثيراً من هذه المبادرات سبق الإعلان عن أجزاء منها خلال السنوات الماضية، فإن أهميتها تكمن في أنها أصبحت اليوم جزءاً من خطة وطنية شاملة، وليست مجرد مشاريع منفصلة أو تجارب محدودة.
المعركة ليست على العملة… بل على النفوذ
يرى مراقبون أن الخطأ الشائع في الغرب يتمثل في الاعتقاد بأن الصين تحاول استبدال الدولار باليوان بصورة مباشرة، بينما الهدف الحقيقي لبكين يتمثل في تقليص النفوذ المالي الأمريكي الذي تستمده واشنطن من هيمنة الدولار على التجارة والتمويل العالميين.
فعلى مدى ما يقارب ثمانية عقود، منح الدولار الولايات المتحدة أدوات هائلة للتأثير في الاقتصاد العالمي، من خلال فرض العقوبات الاقتصادية، والتحكم في أنظمة المدفوعات الدولية، والقدرة على عزل الدول والشركات عن النظام المالي العالمي، وهو ما تعتبره الصين أحد أهم مصادر القوة الأمريكية.
ولهذا تعمل بكين على توفير بدائل مالية تسمح للدول بإجراء تجارتها واستثماراتها بعيداً عن القنوات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة.
مشروع بدأ منذ أزمة 2008
لم تبدأ الصين هذا المشروع اليوم، بل يعود إلى ما بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين شرعت الحكومة الصينية في تنفيذ خطة طويلة الأجل لتدويل اليوان.
وشملت هذه الخطة إنشاء مراكز مقاصة للعملة الصينية خارج البلاد، وتوقيع اتفاقيات تبادل عملات مع عشرات الدول، وتطوير أنظمة دفع بديلة، وفتح أجزاء من أسواق المال الصينية تدريجياً أمام المستثمرين الأجانب.
ورغم أن هذه الخطوات لم تُضعف هيمنة الدولار بصورة مباشرة، فإنها أسست تدريجياً لنظام مالي يمنح الصين هامشاً أكبر من الاستقلالية في مواجهة الضغوط الأمريكية.
الخطة الخمسية الخامسة عشرة… نقطة التحول
ما يمنح التحركات الأخيرة أهمية خاصة هو تزامنها مع بدء تنفيذ الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين، التي رفعت القطاع المالي إلى مستوى “هدف استراتيجي قومي”.
وتتضمن الخطة بناء “قوة مالية عالمية”، وتعزيز دور شنغهاي وهونغ كونغ كمركزين ماليين دوليين، وتوسيع استخدام اليوان في التجارة الدولية، وتطوير أنظمة المدفوعات العابرة للحدود، وتسريع تدويل العملة الصينية.
وفي الصين، لا تُعد الخطط الخمسية مجرد وثائق سياسية أو شعارات إعلامية، بل تمثل خارطة طريق تُوجّه قرارات البنوك الحكومية، والشركات المملوكة للدولة، والحكومات المحلية، والجهات التنظيمية، وهو ما يمنح هذه الأهداف زخماً تنفيذياً كبيراً.
هل يكرر الغرب خطأ “صنع في الصين 2025″؟
يشبّه مراقبون ما يحدث اليوم بما جرى مع برنامج “صنع في الصين 2025″، الذي قوبل في بدايته بتشكيك واسع من الخبراء الغربيين، بسبب الحديث عن ضعف التكنولوجيا الصينية وسوء تخصيص الموارد وتدخل الدولة.
لكن بكين واصلت تنفيذ خطتها بهدوء، عبر توجيه التمويل، ودعم الصناعات، والاستثمار في التعليم والبحث العلمي، حتى أصبحت منافساً رئيسياً في قطاعات استراتيجية عديدة، وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء اندلاع الحرب التجارية الأمريكية الصينية عام 2018.
ومن هذا المنطلق، يحذر مراقبون من أن تجاهل الاستراتيجية المالية الصينية قد يكون تكراراً للخطأ نفسه.
وول ستريت أمام معضلة جديدة
قد تبدو الإجراءات الصينية فرصة مغرية للمستثمرين العالميين، إذ تعني أسواقاً أوسع، وسندات أكثر، وفرصاً استثمارية جديدة.
لكن مراقبون يرون أن بكين لا تفتح أسواقها بهدف التحول إلى اقتصاد ليبرالي بالكامل، وإنما بهدف تحقيق استقلال مالي أكبر عن الولايات المتحدة، وهو ما قد يزيد المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالاستثمار في الصين مستقبلاً.
كما يتوقع أن يعود الكونغرس الأمريكي إلى تشديد الرقابة على تدفقات الأموال الأمريكية نحو الشركات الصينية، سواء بقيادة الجمهوريين أو الديمقراطيين، في ظل وجود توافق متزايد داخل الحزبين بشأن الحد من تمويل القطاعات الصينية ذات الأهمية الاستراتيجية.
لماذا تجد الصين آذاناً صاغية؟
تشير التطورات الدولية الأخيرة، بما فيها النزاعات الجيوسياسية والعقوبات الاقتصادية والخلافات التجارية، إلى أن عدداً متزايداً من الدول أصبح يبحث عن بدائل تقلل اعتماده على النظام المالي الأمريكي.
فدول في الجنوب العالمي، والشرق الأوسط، وحتى بعض حلفاء واشنطن، باتت ترى في تنويع أدواتها المالية وسيلة لتعزيز استقلال قرارها الاقتصادي، دون أن يعني ذلك التخلي الكامل عن الدولار أو الارتماء في أحضان الصين.
وهنا تكمن فرصة بكين الحقيقية؛ فهي لا تحتاج إلى أن يصبح اليوان العملة الأولى في العالم، بل يكفيها أن يصبح أحد الخيارات الموثوقة إلى جانب الدولار.
نظام مالي متعدد الأقطاب
يخلص المراقبون إلى أن السؤال الحقيقي لم يعد: هل سيحل اليوان محل الدولار؟ بل: هل تستعد الولايات المتحدة بالشكل الكافي لعالم لم يعد الدولار فيه الخيار الوحيد؟
فإذا تمكنت الصين خلال السنوات المقبلة من توسيع شبكة استخدام اليوان في التجارة والطاقة والاحتياطيات المالية وأنظمة المدفوعات الدولية، فإن العالم سيدخل مرحلة جديدة تتسم بتعدد مراكز القوة المالية، حتى وإن بقي الدولار محتفظاً بموقعه الأول.
وبذلك، قد يكون ما يجري اليوم في شنغهاي بداية لتحول طويل الأمد في بنية النظام المالي العالمي، لا يعتمد على إسقاط الدولار، وإنما على تقليص احتكاره للنظام المالي الدولي وبناء بدائل تمنح الدول خيارات أوسع في إدارة علاقاتها الاقتصادية.






اترك تعليقاً