يواجه المسلمون في الهند اعتداءات ومضايقات مستمرة ترعاها الدولة والأحزاب الهندوسية المتطرفة.
حكم القومية الهندوسية
مجتمع المسلمين في الهند، البالغ عددهم أكثر من 200 مليون نسمة (نحو 15% من إجمالي السكان)، يواجه ما يصفه مراقبون بأنه أخطر أزمة وجودية منذ تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947.
هذا المكون الأصيل الذي قاد البلاد لقرون، وساهم في البناء المعماري، والسياسي، يجد نفسه اليوم محاصرًا بين ترسانة تشريعية حكومية تستهدف نزع مواطنته، وموجات عنف ميداني تغذيها أيديولوجية “الهندوتفا” (الفوقية الهندوسية) التي تسعى لتحويل الهند إلى “دولة هندوسية” نقيّة (هندو راشترا).
الترسانة القانونية والسياسية: الاضطهاد برعاية الدولة
لم يعد التضييق على المسلمين مجرد ممارسات فردية أو نزاعات محلية، بل تحول إلى سياسة دولة ممنهجة تدار عبر المؤسسات التشريعية والتنفيذية تحت قيادة حزب “بهاراتيا جاناتا” (BJP).

قوانين المواطنة وسلاح “نزع الجنسية”
شكل إقرار قانون تعديل المواطنة (CAA)، بالتوازي مع التهديد بتعميم السجل الوطني للمواطنين (NRC)، طعنة في قلب الدستور الهندي العِلماني.
الآلية الملتوية:
يسمح القانون بمنح الجنسية للمهاجرين من الدول المجاورة بشرط ألا يكونوا مسلمين.
النتيجة الكارثية في ولايات مثل “آسام”، جُرِّد ملايين المسلمين (خاصة الناطقين بالبنجالية) من مواطنتهم بجرة قلم تحت ذريعة أنهم “مهاجرون غير شرعيين”، وتم إيداع الآلاف منهم في معسكرات احتجاز أشبه بالسجون، في عملية تطهير واضحة.
“عدالة الجرافات”
ابتكرت السلطات الهندية أسلوبًا جديدًا للعقاب الجماعي يُعرف إعلاميًا في الهند بـ “عدالة الجرافات”.
عند حدوث أي احتجاجات أو توترات طائفية، تسارع السلطات المحلية (بدعم حكومي أمني) إلى هدم منازل ومحلات ومساجد المسلمين دون أي إجراءات قانونية أو حكم قضائي، تحت مزاعم واهية بأنها “مبانٍ غير مرخصة”. هذه السياسة تهدف إلى سحق الحاضنة الاقتصادية والاجتماعية للمسلمين وإرهابهم لمنعهم من أي تعبير عن الرأي.
قانون الأوقاف الإسلامية وتأمين الممتلكات
تسعى الحكومة الهندوسية بجدية عبر تعديلات قانونية مستمرة إلى تقويض استقلالية “مجالس الأوقاف الإسلامية”.
هذه المحاولات تهدف عمليًا إلى وضع يد الدولة على آلاف العقارات والأراضي التابعة للأوقاف، مما يهدد بتفكيك البنية التحتية الدينية والخيرية التي تعتمد عليها الأقلية المسلمة لإدارة شؤونها.
الإرهاب الميداني: مليشيات الشارع وغياب المحاسبة
بالتوازي مع الضغط القانوني، تطلق الحكومة العنان للمجموعات الهندوسية المتطرفة مثل منظمة “راشتريا سوايامسيفاك سانغ” (RSS) وباجرانغ دال (Bajrang Dal) لممارسة العنف والقتل ضد المسلمين، في ظل تواطؤ أمني سافر وإفلات تام من العقاب.
جرائم الإعدام الميداني
تحت شعار “حماية الأبقار” (المقدسة لدى الهندوس)، تحولت شوارع الهند إلى مسارح لجرائم وحشية.
تترصد عصابات “حراس الأبقار” بالمزارعين والسائقين المسلمين، ويتم سحلهم وقتلهم في واضحة النهار لمجرد الاشتباه بنقلهم لحوم الأبقار أو المتاجرة بها. وغالبًا ما يتم تصوير هذه الجرائم وبثها على منصات التواصل الاجتماعي كنوع من المفاخرة وبث الرعب.
صناعة مصطلحات شيطنة الآخر
اخترعت الآلة الإعلامية والسياسية القومية الهندوسية مصطلحات خبيثة تهدف إلى شيطنة المسلمين وجعلهم هدفًا مشروعًا لعامة الهندوس، ومنها:
“جهاد الحب” (Love Jihad)
فرية تدعي أن الشباب المسلمين يتزوجون من فتيات هندوسيات بهدف تحويلهن إلى الإسلام لتغيير التركيبة الديموغرافية، وصدرت بناءً على ذلك قوانين في عدة ولايات تحظر الزواج بين الأديان وتسمح بسجن الزوج المسلم.
علمًا أن الإسلام يحرم الزواج من غير المسلمات باستثناء الكتابيات (نساء أهل الكتاب اليهود والنصارى)، كما لا يصح زواج المسلمة من غير المسلم سواء كان كتابيًا أو مشركًا وثنيًا.
“جهاد الأرض” و”جهاد الكورونا”
اتهامات مستمرة للمسلمين بالسيطرة على الأراضي، أو بنشر الأوبئة عمدًا، مما أدى إلى حملات مقاطعة اقتصادية واجتماعية شاملة للمتاجر والباعة المسلمين.
التطهير الثقافي ومحو التاريخ
لا يقتصر الاستهداف على الحاضر، بل يمتد إلى الماضي لنسف الرواية التاريخية الإسلامية للهند:
تغيير أسماء المدن: تم تغيير أسماء مدن تاريخية كبرى ارتبطت بالحضارة الإسلامية.
تزوير المناهج الدراسية
حذفت وزارة التعليم الهندية فصولًا كاملة من كتب التاريخ تتعلق بالحقبة المغولية الإسلامية، في محاولة لتربية الأجيال الجديدة على أن المسلمين لم يكونوا سوى “غزاة ومخربين”.
استهداف المساجد التاريخية
بعد هدم مسجد “بابري” عام 1992 وبناء معبد هندوسي على أنقاضه، قُتل آنذاك نحو ثلاثة آلاف شخص، معظمهم من المسلمين، في أعمال عنف تلت ذلك. وتشهد الهند اليوم موجة قضائية وشعبية شرسة تستهدف مساجد تاريخية أخرى مثل مسجد “جيانفابي” في فاراناسي ومسجد “شاهي إدغاه” في ماثورا بدعوى أنها بُنيت فوق معابد هندوسية هُدمت قديمًا.
القضاء والأمن: أدوات في يد الأيديولوجية الهندوسية المتطرفة
أصبح النظام القضائي والأمني في الهند أداة طيعة في يد السلطة الحاكمة عوضًا عن كونها ملاذًا للمظلومين
قوانين مكافحة الإرهاب الفضفاضة (UAPA) تُستخدم هذه القوانين الصارمة لاعتقال قادة الرأي، والصحفيين، والطلاب المسلمين الذين ينتقدون سياسات الحكومة. بموجب هذا القانون، يمكن احتجاز الشخص لسنوات دون توجيه تهمة واضحة ودون إمكانية الحصول على كفالة
تواطؤ الشرطة
في معظم اعتداءات الهندوس على المسلمين، توثق الكاميرات وقوف رجال الشرطة متفرجين أثناء اعتداء الهمج الهندوس على أحياء المسلمين، بل وفي معظم الحالات شاركت الشرطة في الاعتداء واعتقال الضحايا المسلمين بدلًا من الجناة.
خلاصة مريرة
إن ما يحدث لمسلمي الهند اليوم يتجاوز مفهوم “التمييز الطائفي” التقليدي؛ إنه تحول هيكلي نحو نظام همجي هندوسي يُقاد بأيديولوجية ترى في المسلم عدوًا داخليًا يجب إما صهره وثنيه عن دينه، أو تجريده من حقوقه وتحويله إلى مواطن من الدرجة الثانية بلا صوت ولا أثر، أو دفعه نحو التهجير القسري.
إن صمت المجتمع الدولي والإعلام العربي أمام هذه المأساة المستمرة ينذر بكارثة إنسانية قد تفوق في حجمها وآثارها كل ما شهده القرن الحالي.
14 محرم 1448هـ
المصادر:
هيومن رايتس ووتش
مجلس العلاقات الخارجية (CFR)
https://www.cfr.org/backgrounders/india-muslims-marginalized-population-bjp-modi





اترك تعليقاً