بعد نحو تسع سنوات من حملة التهجير الجماعي التي شنها جيش ميانمار ضد مسلمي الروهينجا، تكشف صور الأقمار الصناعية عن فصل جديد من المأساة في ولاية أراكان غربي البلاد، حيث اختفت قرى بأكملها، وأُزيلت منازل ومزارع، وأُقيمت على أراضيها منشآت عسكرية ومخيمات للنازحين ومستوطنات جديدة، في مناطق أصبحت تحت سيطرة جيش أراكان، الجماعة المسلحة التي انتزعت معظم شمال الولاية من القوات الحكومية خلال عام 2024.
وكشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026، بالاعتماد على صور الأقمار الصناعية وشهادات ناجين وأبحاث للأمم المتحدة، عن الاستيلاء على ما لا يقل عن 800 هكتار من الأراضي في 23 قرية للروهينجا منذ عام 2024، وإعادة توظيفها في مشاريع لا يستطيع سكانها الأصليون العودة إليها.
وتشمل المنشآت الجديدة معسكرات عسكرية ومساكن لجماعات أخرى ومخيمات يعيش فيها الروهينجا النازحون تحت قيود مشددة على الحركة، فيما تشير شهادات جمعتها الصحيفة إلى إجبار بعض السكان على إزالة منازلهم والعمل في بناء المنشآت المقامة فوق أراضيهم.
وتثير هذه النتائج مخاوف من أن تكون المأساة قد تجاوزت التهجير المؤقت إلى تغيير دائم للتركيبة السكانية وملكية الأراضي، بما قد يجعل عودة مئات الآلاف من اللاجئين إلى قراهم أكثر صعوبة، حتى لو انتهى القتال.
قرى كانت مأهولة.. وأصبحت أراضي خالية

أظهرت مقارنة صور الأقمار الصناعية الملتقطة قبل سيطرة جيش أراكان على مناطق من بلدة بوثيدونغ وبعدها تغيرات واسعة في الأراضي التي كانت تضم تجمعات سكنية للروهينجا.
ففي بعض المواقع التي كانت تنتشر فيها المنازل والأشجار والمزارع والطرق المحلية، ظهرت مساحات خالية من المباني القديمة، أو منشآت جديدة تختلف في تخطيطها عن القرى التي كانت قائمة.
واستعان تحقيق الغارديان ببيانات تتبع الحرائق التي توفرها وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا»، إلى جانب مقاطع مصورة وشهادات لسكان سابقين، لتحديد توقيت بعض عمليات التدمير ومواقعها.
وفي قرية «يويت نيو تاونغ» الواقعة قرب نهر مايو، أظهرت مواد مصورة قدمها السكان السابقون دمارًا واسعًا طال المنازل والمرافق العامة.
وتحقق فريق الصحيفة من مواقع التصوير بمطابقة معالم جغرافية ظاهرة في المقاطع، بينها مدرسة كبيرة قرب النهر وتضاريس الجبال المحيطة بالقرية.
وتظهر المشاهد بقايا مبانٍ محترقة وأكوامًا من الطوب على جوانب الطرق، في مناطق قال السكان إن منازلهم ومساجدهم ومتاجرهم كانت قائمة فيها قبل اندلاع المعارك.
وتكتسب هذه المشاهد أهمية خاصة لأن بعضها يوثق ما حدث بعد تراجع شدة القتال، ما يثير تساؤلات بشأن أسباب استمرار إزالة المباني وتحويل الأراضي إلى استخدامات أخرى.
800 هكتار من الأراضي في 23 قرية

استند التحقيق إلى تقرير داخلي للأمم المتحدة حدد ما لا يقل عن 800 هكتار من الأراضي في 23 قرية للروهينجا جرى الاستيلاء عليها وإعادة استخدامها منذ عام 2024.
وتوزعت الاستخدامات الجديدة بين مواقع عسكرية ومراكز لإيواء النازحين وتجمعات سكنية أقيمت لجماعات أخرى.
وتعادل المساحة المرصودة نحو ثمانية كيلومترات مربعة، وهي مساحة لا تكشف وحدها الحجم الكامل للدمار، لكنها تشير إلى أن التغييرات لم تقتصر على منازل متفرقة، بل طالت أراضي زراعية وتجمعات سكانية واسعة.
كما وثقت أبحاث أممية حالات متكررة لمصادرة الأراضي أو تهجير السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة جيش أراكان، وفق ما نقلته وسائل إعلام بنغلاديشية عن التحقيق.
وتتركز المخاوف في أن إزالة المباني القديمة وإعادة تقسيم الأراضي قد تؤدي إلى فقدان معالم القرى وحدود الملكيات، بما يجعل إثبات حقوق السكان في المستقبل أكثر تعقيدًا.
وفي المناطق الريفية التي تعتمد فيها الأسر على الزراعة وتربية المواشي، لا يعني الاستيلاء على الأرض فقدان المسكن فقط، بل خسارة مصدر الغذاء والدخل والقدرة على الاستقرار.
عشرة مخيمات على الأقل.. والروهينجا تحت قيود الحركة

في قرية «هنيت ثاي» بمنطقة بوثيدونغ، كانت الأراضي تُستخدم لزراعة الأرز حتى عام 2024، قبل أن تتحول إلى موقع يضم نحو 120 مبنى وفق الصور التي راجعها التحقيق بحلول عام 2026.
ويعيش في الموقع روهينجا نزحوا من قرى مجاورة، بينهم ناجون من أعمال عنف شهدتها المنطقة خلال تقدم جيش أراكان.
ووفقًا لشهادات السكان التي أوردتها الغارديان، يخضع المقيمون هناك لقيود على الدخول والخروج، ولا يستطيعون مغادرة المخيم دون إذن من السلطات المسيطرة عليه.
وحدد التحقيق وجود عشرة مخيمات على الأقل أُنشئت في شمال أراكان بعد توسع سيطرة الجماعة المسلحة.
وتثير طبيعة هذه المواقع مخاوف حقوقية، خصوصًا مع التقارير التي تتحدث عن منع حرية التنقل، وتدهور ظروف المعيشة، ومحدودية الحصول على الغذاء والرعاية الطبية.
وفي المقابل، تقول جهات مرتبطة بسلطات أراكان إن بعض المواقع الجديدة أُنشئ لإعادة توطين النازحين الذين فقدوا منازلهم خلال المعارك، وتنفي أن تكون جميعها مراكز احتجاز.
غير أن الفارق الأساسي، من منظور حقوقي، يتمثل في ما إذا كان السكان يستطيعون مغادرة هذه المواقع بحرية والعودة إلى ممتلكاتهم، أم أن إقامتهم فيها مفروضة عليهم دون بديل فعلي.
شهادات عن هدم المنازل والعمل القسري

لم تقتصر الأدلة التي جمعها التحقيق على صور الأقمار الصناعية، بل شملت شهادات ناجين تحدثوا عن إجبارهم على مغادرة منازلهم ومصادرة أراضيهم وممتلكاتهم.
وقال محمد عريس، وهو شاب روهينجي يبلغ من العمر 18 عامًا ويقيم حاليًا في بنغلاديش، إن جرافات أزالت مناطق سكنية كاملة في قريته، وسوّت المنازل بالأرض، كما قُطعت الأشجار وأزيلت معالم التجمعات القديمة.
وأضاف أن منشآت عسكرية ونقاطًا تابعة لجيش أراكان أُقيمت في بعض المواقع التي هُدمت فيها منازل السكان.
أما محمد صادق، البالغ 26 عامًا، والمنحدر من قرية يويت نيو تاونغ، فقال إن عناصر الجماعة المسلحة منعوا السكان من مواصلة الزراعة، وأبلغوهم بأن الأراضي لم تعد ملكًا لهم.
وذكر أن السكان أُجبروا على أعمال شاقة، بينها شق الطرق وحفر الخنادق والعمل داخل المعسكرات، وأن أدواتهم الزراعية وأراضيهم صودرت دون إعادتها إليهم.
وتحدثت شهادات أخرى عن إجبار روهينجا على تفكيك مبانٍ في قراهم لاستخدام موادها في إنشاء منشآت عسكرية، إلى جانب فرض مدفوعات مالية ومصادرة المواشي وتقييد الحركة.
كما أورد التحقيق شهادات عن تجنيد قسري للرجال، بما في ذلك إجبار بعضهم على تلقي تدريبات عسكرية، إضافة إلى اتهامات باعتداءات جسدية وجنسية على نساء وفتيات.
وتتوافق هذه الاتهامات في جوانب منها مع ما وثقه مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بشأن الانتهاكات التي يتعرض لها الروهينجا من جانب أطراف الصراع في الولاية.
مجزرة «هويار سيري».. حين أصبحت القرية مقبرة لسكانها

من أبرز المواقع المرتبطة بالتحقيق قرية «هويار سيري» في بلدة بوثيدونغ، التي شهدت في 2 مايو/أيار 2024 واقعة قتل جماعي بحق مدنيين روهينجا خلال المعارك بين جيش أراكان والقوات الحكومية.
وفي تقرير موسع نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش في 18 مايو/أيار 2026، خلصت المنظمة إلى أن مقاتلي جيش أراكان ربما قتلوا ما لا يقل عن 170 مدنيًا روهينجيًا، بينهم نساء وأطفال، خلال الهجوم.
واستند التحقيق الحقوقي إلى مقابلات مع 41 شاهدًا، وصور أقمار صناعية، ومقاطع فيديو وصور فوتوغرافية خضعت للتحليل والتحقق.
وقالت المنظمة إن مسلحين أطلقوا النار على مدنيين عزل كانوا يحاولون الفرار من القتال قرب مواقع عسكرية، وإن عدد الضحايا الفعلي قد يكون أكبر من الحصيلة التي تمكنت من توثيقها.
وأظهرت صور راجعتها المنظمة بقايا بشرية في مواقع متعددة، بينما أفاد ناجون عادوا إلى القرية بعد المجزرة بأن منازلهم تعرضت للنهب والحرق.
وكشف تحليل الصور الفضائية أن معظم مباني القرية اختفت بعد الهجوم، ولم يبقَ في الموقع سوى عدد محدود من المنشآت.
وفي فبراير/شباط 2025، أمر جيش أراكان الناجين بالانتقال إلى موقع آخر، قال بعض سكانه إنهم تعرضوا فيه لقيود شديدة على الحركة وظروف معيشية قاسية.
ونفى الجناح السياسي لجيش أراكان مسؤوليته عن قتل المدنيين، وقال إن القتال كان يستهدف عناصر مسلحة وقوات مرتبطة بالجيش الحكومي.
لكن هيومن رايتس ووتش اعتبرت أن الأدلة التي جمعتها تشير إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني قد ترقى إلى جرائم حرب، وطالبت بإجراء تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين.
جيش أراكان.. من قتال الجيش إلى السيطرة على أرض الروهينجا
تأسس جيش أراكان عام 2009، بوصفه جماعة مسلحة تسعى إلى تحقيق الحكم الذاتي أو تقرير المصير لسكان أراكان من القومية الراخينية.
وخاضت الجماعة معارك متقطعة مع جيش ميانمار منذ عام 2018، قبل أن تتوسع المواجهات بصورة كبيرة عقب الانقلاب العسكري الذي شهدته البلاد في فبراير/شباط 2021.
ومع تجدد العمليات العسكرية أواخر عام 2023، تمكن جيش أراكان من السيطرة على مساحات واسعة من الولاية، بينها معظم مناطق شمال أراكان التي كانت تضم تجمعات كبيرة للروهينجا.
وكانت هذه التطورات قد أثارت لدى بعض السكان آمالًا في انتهاء سيطرة الجيش الحكومي، الذي ارتبط اسمه بحملات القتل والتهجير ضد الروهينجا.
لكن تقارير المنظمات الحقوقية توثق انتهاكات من جانب جيش أراكان نفسه، تشمل قتل مدنيين واحتجازهم ومصادرة ممتلكاتهم وإجبارهم على العمل أو التجنيد.
وفي الوقت ذاته، لا يزال الجيش الحكومي متهمًا بشن غارات جوية وهجمات عشوائية على المناطق المدنية في الولاية، فضلًا عن تجنيد روهينجا قسرًا خلال مراحل سابقة من القتال.
ويؤكد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن الروهينجا يتعرضون للانتهاكات على أيدي الطرفين، ما يضع السكان المدنيين بين قوتين مسلحتين تتنازعان السيطرة على أرضهم.
جيش أراكان ينفي.. وخلاف بشأن أسباب التدمير
رغم الأدلة المصورة والشهادات التي استند إليها التحقيق، لا تزال المسؤولية عن بعض عمليات تدمير القرى محل خلاف.
فقد نشرت شبكة «Global Arakan Network»، المقربة من وجهة النظر الراخينية، ردًا على تحقيق الغارديان، اعتبرت فيه أن التقرير لم يمنح السياق العسكري الاهتمام الكافي.
وقالت الشبكة إن قرى عديدة تعرضت للقصف والحرائق خلال الاشتباكات بين جيش أراكان والجيش الحكومي وجماعات روهينجية مسلحة، وإن من غير الممكن نسبة جميع عمليات التدمير إلى طرف واحد بالاعتماد على الصور وحدها.
كما أشارت إلى أن بعض مواقع إعادة التوطين أُنشئت بالتنسيق مع إدارات محلية، وأن الألغام والذخائر غير المنفجرة قد تعيق عودة السكان إلى مناطق القتال السابقة.
وفي هذا السياق، أوضح نيكولاس كومجيان، رئيس الآلية المستقلة للتحقيق في ميانمار التابعة للأمم المتحدة، أن الآلية لم تؤكد بعد مسؤولية جيش أراكان عن جميع عمليات تدمير أراضي الروهينجا الواردة في التحقيق.
لكن عدم حسم المسؤولية عن كل موقع لا يلغي الأدلة التي وثقتها هيومن رايتس ووتش بشأن انتهاكات محددة، ولا يبدد المخاوف المرتبطة بمصادرة الأراضي ومنع السكان من العودة إليها.
155 ألف لاجئ جديد.. والنزوح لا يتوقف
تزامن التغيير الواسع في السيطرة على أراضي الروهينجا مع موجة نزوح جديدة باتجاه بنغلاديش.
وبحسب البيانات التي استند إليها تحقيق الغارديان، وصل أكثر من 155 ألف روهينجي إلى بنغلاديش منذ عام 2024، وهو رقم يعادل نحو ربع عدد الروهينجا الذين قُدّر بقاؤهم داخل ميانمار بعد موجات النزوح السابقة.
وتستضيف بنغلاديش حاليًا نحو 1.2 مليون لاجئ روهينجي، يعيش معظمهم في مخيمات مكتظة بمنطقة كوكس بازار جنوب شرقي البلاد.
ويواجه اللاجئون أوضاعًا إنسانية صعبة، تشمل محدودية فرص العمل والتعليم، والاعتماد الواسع على المساعدات الغذائية والخدمات التي تقدمها المنظمات الإنسانية.
أما الذين بقوا في أراكان، فيواجه كثير منهم تهديدات متعددة، تشمل استمرار الغارات الجوية والنزوح الداخلي ونقص الغذاء والقيود المفروضة على الحركة.
وفي أحدث التطورات العسكرية، أفادت وكالة رويترز، في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بمقتل ثمانية أشخاص في غارات جوية شنها جيش ميانمار على مخيمات للنازحين في ولاية أراكان خلال يومين، وفق معلومات قدمتها جماعة مسلحة ومنظمة شبابية محلية.
وجاءت هذه الهجمات بعد ضربة جوية أخرى أوقعت عشرات القتلى في الولاية، ما يؤكد استمرار الخطر على السكان المدنيين رغم تغير موازين السيطرة على الأرض.
من تهجير 2017 إلى محو القرى في 2026

لفهم خطورة النتائج الجديدة، لا بد من العودة إلى أغسطس/آب 2017، عندما شن جيش ميانمار حملة عسكرية واسعة ضد الروهينجا في شمال أراكان.
وأسفرت العمليات عن مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، وإحراق مئات القرى، وفرار أكثر من 700 ألف روهينجي إلى بنغلاديش.
ووثقت منظمات حقوقية آنذاك استخدام الجيش عمليات الحرق والتدمير لدفع السكان إلى المغادرة، قبل أن تُزال بقايا قرى عديدة وتُقام منشآت حكومية وعسكرية في بعض مواقعها.
وفي عام 2025، كشفت الآلية المستقلة للتحقيق في ميانمار عن سبع قرى روهينجية دمرها الجيش خلال حملة 2017، وأُنشئت مواقع عسكرية على أراضيها لاحقًا.
ويثير التحقيق الجديد مخاوف من تكرار نمط مشابه، لكن هذه المرة في مناطق يسيطر عليها جيش أراكان بدلًا من الجيش الحكومي.
فالتدمير الذي يتبعه تغيير استخدام الأرض قد يحول النزوح إلى واقع دائم، خصوصًا إذا تعذر على المالكين الأصليين إثبات حقوقهم أو الوصول إلى قراهم.
وتمثل هذه القضية إحدى المسائل المهمة في ملف الروهينجا المطروح أمام محكمة العدل الدولية، التي تنظر في اتهامات الإبادة الجماعية الموجهة إلى ميانمار على خلفية حملة 2017.
هل يمكن أن ترقى عمليات التهجير ومصادرة الأراضي إلى جرائم حرب؟
يرى خبراء قانونيون أن تقييم ما يجري في أراكان لا ينبغي أن يقتصر على عدد المنازل المدمرة، بل يجب أن يشمل ظروف إجبار السكان على المغادرة، ومصير ممتلكاتهم، ومدى قدرتهم على العودة.
وقال توم داننباوم، أستاذ القانون الدولي في جامعة ستانفورد، إن الجمع بين الإكراه وتهجير السكان داخل البلاد أو خارجها يمكن أن يشكل جريمة حرب تتمثل في النقل القسري للسكان، بحسب الظروف والأدلة المتاحة.
ويحظر القانون الدولي الإنساني التهجير القسري للمدنيين، إلا في حالات استثنائية تقتضيها سلامتهم أو ضرورات عسكرية ملحة، مع وجوب احترام الضمانات المتعلقة بحمايتهم وإعادتهم عند زوال أسباب النزوح.
كما أن الاستيلاء على الممتلكات المدنية أو تدميرها دون ضرورة عسكرية مشروعة قد يشكل انتهاكًا للقانون الدولي.
لكن تحديد المسؤولية الجنائية عن كل واقعة يتطلب تحقيقًا مستقلًا يثبت هوية المنفذين وطبيعة الأوامر والظروف العسكرية المحيطة بها، ولا تكفي صور الأقمار الصناعية وحدها لإثبات جميع هذه العناصر.
حين تختفي القرية.. ماذا يبقى من حق العودة؟

يحذر التحقيق من أن ما يجري قد يفرض واقعًا جديدًا يصعب التراجع عنه، حتى لو توصلت الأطراف المسلحة في ميانمار إلى تسوية سياسية.
فعودة اللاجئين لا تتطلب وقف القتال وحده، بل ضمان وجود منازل وأراضٍ يمكنهم العودة إليها، والاعتراف بحقوقهم القانونية، وحمايتهم من الاعتقال والاعتداء والتمييز.
ويزداد الأمر تعقيدًا بالنسبة للروهينجا الذين حُرموا تاريخيًا من الجنسية والحقوق المرتبطة بها، وتعرضوا لقيود طويلة الأمد على الحركة والتملك والتعليم والعمل.
وقد حذر أونغ كياو مو، وهو مسؤول روهينجي سابق في حكومة الوحدة الوطنية المعارضة للمجلس العسكري، من أن الأزمة تدخل مرحلة جديدة تتعلق بإمكانية جعل اقتلاع الروهينجا من أرضهم وضعًا دائمًا.
فإذا اختفت القرى، وتغيرت ملكية الأراضي، وأُقيمت منشآت جديدة مكان المنازل القديمة، فإن العودة تصبح أكثر تعقيدًا، حتى بالنسبة إلى اللاجئين الذين لا يزالون يحتفظون بوثائق ملكيتهم أو يعرفون مواقع بيوتهم السابقة.
ولذلك لا تتعلق أهمية تحقيق الغارديان بالكشف عن الدمار المادي وحده، بل بتوثيق تحولات قد تمس الوجود التاريخي للروهينجا في أراكان.
وبعد نحو تسع سنوات من نزوح مئات الآلاف فرارًا من حملة الجيش الحكومي، يجد الروهينجا أنفسهم أمام خطر جديد: أن تنتهي الحرب يومًا ما، لكن تكون قراهم قد اختفت، وأراضيهم قد انتقلت إلى استخدامات أخرى، بينما يظل أصحابها في مخيمات اللجوء بعيدًا عن وطنهم.
وهكذا يصبح السؤال الذي تطرحه صور الأقمار الصناعية أشد إلحاحًا من مجرد معرفة عدد المنازل التي هُدمت: هل سيبقى للروهينجا مكان يستطيعون العودة إليه؟
المصادر الأساسية للمقال
- الغارديان — التحقيق الاستقصائي الأصلي وصور الأقمار الصناعية، 1 أكتوبر 2026.
The Guardian
- هيومن رايتس ووتش — التحقيق في مجزرة هويار سيري، 18 مايو 2026.
HRW
- الأمم المتحدة — تقرير أوضاع حقوق الإنسان للروهينجا والأقليات في ميانمار، سبتمبر 2026.
ecoi.net
- Global Arakan Network — الرد على تحقيق الغارديان، أكتوبر 2026.
Global Arakan Network
- رويترز — تقرير 5 أكتوبر 2026 حول الغارات الجوية على مخيمات النازحين في أراكان.
Reuters






اترك تعليقاً