تشهد جبهات اليمن تصعيدًا عسكريًا متسارعًا مع احتدام المعارك في محافظة مأرب بين القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية والحوثيين المدعومين من إيران، بالتزامن مع انتقال التصعيد مجددًا إلى داخل الأراضي السعودية عبر هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة وصلت إلى العاصمة الرياض.
وخلال الساعات الأخيرة، تركزت المواجهات في المناطق الواقعة جنوب مأرب، حيث أعلنت القوات الحكومية صد محاولات تقدم حوثية واستهداف تجمعات وتعزيزات ومواقع عسكرية للجماعة بواسطة المدفعية والطائرات المسيّرة والغارات الجوية.
وقال مسؤول عسكري يمني، الأحد 20 سبتمبر/أيلول 2026م، إن معارك عنيفة دارت خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة في مناطق حريب وملعاء وأم ريش جنوبي مأرب، بعد تكثيف الحوثيين هجماتهم على مواقع القوات الحكومية.
وبحسب العميد يحيى الحاتمي، مدير دائرة الإعلام العسكري في الجيش اليمني، قُتل أكثر من 80 من عناصر الحوثيين ودُمرت تسع آليات عسكرية خلال المعارك والغارات. وهذه الحصيلة صادرة عن الجيش اليمني ولم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.
محاولات تسلل جنوب وغرب مأرب
وأعلنت القوات الحكومية كذلك إحباط محاولتي تسلل للحوثيين باتجاه مواقعها في الجبهتين الجنوبية والغربية لمأرب.
وقالت مصادر عسكرية إن إحدى المحاولات وقعت في قطاع الفليحة جنوبي المحافظة، قبل أن تستهدف المدفعية والطائرات المسيّرة تجمعات للمهاجمين، ما أدى، وفق الرواية العسكرية الحكومية، إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف الحوثيين.
كما استهدفت الغارات والقصف المدفعي مواقع إسناد وتعزيزات حوثية في محيط معسكري أم ريش والخنيشة وعقبة ملعاء، ضمن العمليات الرامية إلى منع الجماعة من تحقيق تقدم جديد باتجاه مأرب.
وتكتسب مأرب أهمية عسكرية واقتصادية كبيرة لاحتوائها على حقول للنفط والغاز ومنشآت للطاقة، فضلًا عن كونها واحدة من أبرز معاقل الحكومة اليمنية في شمال البلاد ومركزًا لعدد كبير من النازحين.
وكان الحوثيون قد شنوا خلال السنوات الماضية حملات عسكرية متكررة للسيطرة على المحافظة، قبل أن تتراجع حدة المعارك بصورة كبيرة عقب الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022.
جبهة كهبوب وباب المندب

ولا يقتصر التصعيد على مأرب، إذ تتواصل المعارك على جبهات أخرى في تعز ولحج والبيضاء، في محاولة من القوات الحكومية لوقف التقدم الذي حققه الحوثيون مؤخرًا في غرب اليمن.
وقالت القوات الحكومية إنها صدت هجومًا حوثيًا جديدًا في جبهة كهبوب بمحافظة لحج، القريبة من مضيق باب المندب، وأسقطت طائرة مسيّرة تابعة للجماعة.
وتكتسب مرتفعات كهبوب أهمية خاصة بسبب موقعها المطل على المناطق المحيطة بباب المندب، بعد المكاسب التي حققها الحوثيون خلال الأسابيع الأخيرة في الساحل الغربي.
كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات ضد أفراد ومعدات عسكرية للحوثيين في محافظة البيضاء، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهات بالتزامن مع معارك مأرب والساحل الغربي.
صاروخ باليستي باتجاه الرياض
وبالتزامن مع المعارك داخل اليمن، اتسع التصعيد عبر الحدود بصورة لافتة.
فجر السبت 19 سبتمبر/أيلول 2026م (8 ربيع الآخر 1448هـ)، أعلنت السعودية اعتراض وتدمير صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه العاصمة الرياض.
وقال المتحدث باسم التحالف بقيادة السعودية، اللواء تركي المالكي، إن الدفاعات الجوية السعودية اعترضت الصاروخ، متهمًا الحوثيين بمحاولة استهداف المدنيين والأعيان المدنية في العاصمة.
كما قال التحالف إن الدفاعات السعودية أحبطت محاولات حوثية أخرى لاستهداف بيش والطائف وفرسان وينبع.
ويمثل استهداف الرياض تطورًا مهمًا في جولة التصعيد الحالية، إذ كان أول إعلان سعودي عن اعتراض صاروخ حوثي باتجاه العاصمة منذ تجدد المواجهات على نطاق واسع في يوليو/تموز الماضي.
الحوثيون: 28 غارة سعودية خلال 24 ساعة
في المقابل، قال المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع، الاثنين 21 سبتمبر/أيلول، إن القوات السعودية نفذت 28 غارة جوية خلال 24 ساعة على مواقع في اليمن.
وتبقى هذه الحصيلة رواية حوثية، ولم يتوفر حتى الآن تأكيد مستقل لعدد الغارات المعلن.
وفي مقابلة نشرتها وكالة أسوشيتد برس، حذر القيادي الحوثي محمد البخيتي الدول الأخرى من الانضمام إلى السعودية في القتال، في وقت تسعى فيه الجماعة إلى تثبيت المكاسب التي حققتها في غرب اليمن.
مواجهة تتجاوز حدود اليمن

ويشير تزامن القتال على جبهات مأرب ولحج وتعز والبيضاء مع إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه السعودية إلى انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر اتساعًا مقارنة بفترة الهدوء النسبي التي أعقبت هدنة 2022.
وفي الوقت نفسه، تبقى أجزاء من الصورة الميدانية محل تنازع بين الأطراف؛ إذ يصعب التحقق بصورة مستقلة من أعداد القتلى والخسائر العسكرية التي تعلنها القوات الحكومية أو الحوثيون، بينما يمكن تأكيد بعض التطورات، وفي مقدمتها اعتراض الصاروخ المتجه إلى الرياض، من البيانات السعودية الرسمية.
أما ميدانيًا، فتظل مأرب وباب المندب من أبرز الجبهات التي ينبغي مراقبتها خلال الأيام المقبلة: الأولى لما تمثله من ثقل عسكري واقتصادي للحكومة اليمنية، والثانية لما يحمله أي تغير في السيطرة حول المضيق من تداعيات تتجاوز اليمن إلى أمن الملاحة في البحر الأحمر.





اترك تعليقاً