من “الحملة الصليبية” إلى حظر اللحى.. كيف ظهرت عقيدة الجيش الأمريكي؟

1000259833

لم تعد أهداف الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية، تُقرأ فقط من خلال حاملات الطائرات والصواريخ العابرة للقارات، بل أصبحت ذات أيدلوجية معلنة ، عبر القرارات واللغة التي يستخدمها قادتها، وحتى في إظهار “الوشوم” التي يحملونها على أجسادهم ، بل والقواعد المفروضة على وجوه الجنود داخل الثكنات العسكرية.

المتابع لقرارات الجيش الأمريكي ، يجد أن وزارة الدفاع بقيادة وزيرها بيت هيغسيث، فرضت قيودا أكثر تشددا على الإعفاءات الدينية المتعلقة بإطلاق اللحى داخل الجيش، في قرار بدا للبعض إداريا، لكنه بالنسبة لمنتقديه حمل دلالات أعمق تتعلق بهوية المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها.

وبحسب تقرير نشره “ذا إنترسبت” ، فإن مذكرة أصدرها وزير الدفاع لم تكتفِ بإعادة تقييم الإعفاءات السابقة، بل فرضت على الجنود تقديم شروحات تفصيلية حول معتقداتهم الدينية وإثبات “صدقها”، مع منح القادة العسكريين سلطة تقييم القناعات الشخصية للعسكريين، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية ودينية أمريكية تجاوزا خطيرا نحو تسييس الهوية الدينية داخل الجيش الأمريكي.

اللحية ليست القضية

1000259837

القرار في ظاهره يتعلق بمعايير المظهر العسكري، لكنه فتح بابا أوسع للنقاش حول التحولات الفكرية داخل المؤسسة الدفاعية الأمريكية، خاصة مع وصول هيغسيث إلى وزارة الدفاع.

الرجل، القادم من خلفية عسكرية وإعلامية محافظة، لا يخفي توجهاته الأيديولوجية الحادة، ففي كتابه “الحملة الصليبية الأمريكية” الصادر عام 2020، قدّم رؤية تقوم على أن الولايات المتحدة تخوض معركة حضارية وأخلاقية تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية، داعيا إلى إعادة تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية بمنطق أكثر صدامية.

وتحولت بعض أفكاره لاحقا إلى مادة جدلية داخل واشنطن، خصوصا مع تداول صور لوشوم يحملها مرتبطة برموز الحروب الصليبية، وهي رموز أثارت قلق جماعات حقوقية رأت فيها إشارات إلى خطاب ديني متشدد يتسلل إلى قلب المؤسسة العسكرية.

الجيش والهوية الدينية داخل الولايات المتحدة

أثارت القيود الجديدة مخاوف الجاليات المسلمة والسيخية، وهي فئات تعتمد في معتقداتها الدينية على إطلاق اللحى، وأكدت منظمات مثل تحالف السيخ أن العسكريين المنتمين لهذه الفئات خدموا لعقود داخل الجيش الأمريكي دون أن تمثل ممارساتهم الدينية أي تهديد للكفاءة القتالية أو الانضباط العسكري.

لكن المنتقدين يرون أن ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد قواعد مهنية، ويتصل بمحاولة إعادة صياغة “الهوية الثقافية” للجيش الأمريكي في لحظة تشهد فيها الولايات المتحدة استقطابا سياسيا ودينيا غير مسبوق.

وتحدث أعضاء في الكونغرس الأمريكي عن مخاوف من أن تؤدي هذه السياسات إلى دفع عناصر دينية للخروج من الخدمة، بما يضعف التنوع داخل القوات المسلحة ويبعث برسائل سلبية للحلفاء والأقليات على حد سواء.

الحروب القديمة بوجوه جديدة

اللافت أن هذا الجدل يأتي بالتزامن مع تصاعد الخطاب الأمريكي تجاه ملفات الشرق الأوسط، خصوصا إيران، حيث عاد الخطاب العقائدي للظهور داخل بعض دوائر اليمين الأمريكي المحافظ.

ويرى مراقبون أن بعض الشخصيات المؤثرة داخل الإدارة الحالية باتت تنظر إلى الصراعات الدولية باعتبارها امتدادا لمعركة حضارية وثقافية، لا مجرد نزاعات جيوسياسية تقليدية.ولهذا، لم يعد النقاش داخل الولايات المتحدة يدور فقط حول سياسات الحرب، بل حول “الروح” التي تقود تلك الحروب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *