تتسع التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل جنوب سوريا، مع تسجيل سلسلة متلاحقة من التوغلات وعمليات التفتيش وإقامة الحواجز وأعمال التجريف في القنيطرة، بالتوازي مع حوادث امتدت إلى ريف دمشق ودرعا، وسط اعتراضات سورية وإقليمية متزايدة على ما يجري قرب خط فصل القوات في الجولان المحتل.
وفي أحدث التطورات، الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، الموافق 25 ربيع الآخر 1448هـ، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بتقدم رتل إسرائيلي يضم دبابات وآليات عسكرية فجرًا إلى منطقة في ريف القنيطرة الجنوبي، بالتزامن مع تحليق طائرات استطلاع إسرائيلية فوق غربي درعا.
كما أفادت مصادر سورية بتوغل قوة أخرى تضم آليات وعناصر مشاة باتجاه محيط سد كودنة في جنوب القنيطرة وإقامتها حاجزًا مؤقتًا.
وقال المرصد إنه وثق ثمانية توغلات إسرائيلية خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة في مناطق مختلفة من جنوب سوريا، إلى جانب إطلاق نار وتفجيرات وتحركات عسكرية أخرى.
حرائق قرب الحميدية ومنع الدفاع المدني
من أبرز الحوادث التي شهدتها القنيطرة خلال التصعيد الأخير اندلاع حريق في أراضٍ قرب بلدة الحميدية.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، اندلع الحريق بعدما أطلقت القوات الإسرائيلية قنابل مضيئة فوق المنطقة، فيما منعت فرق الدفاع المدني من الوصول إلى موقع الحريق، بالتزامن مع تحليق طائرات استطلاع.
وفي الوقت نفسه، قال المرصد إن قوات إسرائيلية فتشت عددًا من منازل المدنيين غربي قرية الأصبح خلال توغل آخر.
وتأتي الحادثة ضمن تحركات عسكرية متكررة باتت تمتد إلى القرى والأراضي الزراعية والطرق المحلية في المحافظة.
تفجير منزل وإطلاق النار قرب مزارعين في بيت جن
ولم تقتصر التحركات على القنيطرة. ففي منطقة بيت جن بريف دمشق الغربي، أفاد المرصد السوري بأن قوة إسرائيلية توغلت في منطقة الكروم بين بلدة بيت جن ومزرعتها، ثم فجرت مبنى مهجورًا وسط الأراضي الزراعية، دون تسجيل خسائر بشرية، فيما لم تتضح أسباب تفجيره.
وفي حادثة أخرى في المنطقة نفسها، قال المرصد إن القوات الإسرائيلية أطلقت النار باتجاه سيارة كانت تقل مزارعين، ما أدى إلى إصابة المركبة من دون ورود أنباء عن إصابات بشرية.
حواجز وتفتيش للمارة.. ومنع دورية أممية
وفي القنيطرة، لم تعد التحركات مقتصرة على المرور العسكري؛ إذ وثق المرصد إقامة حواجز مؤقتة وتفتيش سيارات والتدقيق في هويات المارة خلال عدد من التوغلات.
وفي حادثة لافتة يوم 5 أكتوبر، قال المرصد إن قوة إسرائيلية اعترضت دورية تابعة لقوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف» (UNDOF) مؤلفة من أربع مركبات أثناء تحركها في ريف درعا، ما اضطر الدورية إلى العودة باتجاه منطقة عين ذكر.
وفي اليوم نفسه، أقامت دورية إسرائيلية حاجزًا مؤقتًا بين قرية صيدا في جنوب القنيطرة وعين ذكر في غرب درعا، وفتشت المركبات ودققت في هويات المارة قبل انسحابها.
طائرات مسيّرة تعرقل توثيق أعمال التجريف
ومع اتساع أعمال الحفر والتجريف، قال المرصد السوري إن طائرات مسيّرة إسرائيلية حلقت على ارتفاع منخفض فوق صحفيين كانوا يحاولون تصوير الأعمال قرب خط وقف إطلاق النار في جنوب القنيطرة في 4 أكتوبر، ما دفعهم إلى مغادرة الموقع خشية على سلامتهم.
ووصف المرصد الواقعة بأنها الثالثة من نوعها.
«Sufa 53».. ماذا يجري على الأرض؟
في قلب التصعيد الحالي تظهر أعمال تعرف باسم «Sufa 53».
ففي 4 أكتوبر بدأت آليات وجرافات عسكرية إسرائيلية أعمال تجريف وحفر واسعة قرب قرية العشة في ريف القنيطرة الجنوبي، فيما تحدثت المصادر السورية عن دخول أكثر من سبع جرافات وآليات عسكرية إلى المنطقة جنوب غربي الرفيد وحفر خندق عميق قرب خط الفصل.
وتتحدث التقارير عن منظومة من الطرق العسكرية والسواتر الترابية والخنادق ونقاط المراقبة الممتدة بمحاذاة مناطق خط الفصل.
لكن من المهم التمييز بين ما هو قائم على الأرض وما يُستنتج منه سياسيًا: أعمال الحفر والتحصين موثقة، أما القول إن المشروع يمثل خطة معلنة لضم أجزاء جديدة من القنيطرة إلى الجولان المحتل فليس ثابتًا حتى الآن بإعلان إسرائيلي رسمي.
دمشق ترى في المشروع محاولة لفرض وقائع جديدة داخل الأراضي السورية وانتهاكًا لاتفاق فصل القوات لعام 1974.
لماذا يمثل اتفاق 1974 جوهر الخلاف؟
وُقّع اتفاق فصل القوات بين سوريا وإسرائيل في 31 مايو/أيار 1974، ونص على فصل القوات وإنشاء منطقة فصل تنتشر فيها قوة الأمم المتحدة «أندوف».
وينص الاتفاق على أن تكون الأراضي الواقعة شرقي الخط الإسرائيلي المحدد فيه تحت الإدارة السورية، بينما تتولى القوة الأممية مراقبة منطقة الفصل.
ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، دخلت القوات الإسرائيلية منطقة الفصل ومواقع مجاورة لها، وقالت تل أبيب إن تحركاتها تهدف إلى منع تهديدات أمنية على حدودها.
أما دمشق فتطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي دخلتها وتقول إن استمرار وجودها وتوغلاتها ينتهكان سيادة سوريا واتفاق 1974.
إدانات تتسع إقليميًا
لم تعد الاعتراضات على التحركات الأخيرة سورية فقط. فقد أدانت تركيا في 5 أكتوبر استئناف الأعمال على ما يسمى «Sufa 53»، وقالت وزارة الخارجية التركية إنها ترى فيها تقويضًا لاتفاق فصل القوات لعام 1974 ومحاولة لإحداث «وقائع جديدة» داخل سوريا، ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات لإنهاء ما وصفته بالسياسات التوسعية الإسرائيلية وضمان الانسحاب من الأراضي السورية المحتلة.
كما صدرت إدانات من الأردن وقطر والكويت، أكدت احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها ورفض الإجراءات التي اعتبرتها مخالفة لاتفاق 1974 والقانون الدولي.
جنوب سوريا أمام واقع يتغير تدريجيًا
تكمن أهمية التطورات الأخيرة في أنها لم تعد حادثة حدودية منفردة؛ فالمشهد يتكون من توغلات متكررة، وحواجز مؤقتة، وتفتيش منازل، وأعمال تجريف وحفر خنادق، وتحركات قرب الأراضي الزراعية، وانتشار عسكري داخل مناطق سورية.
ومع تسجيل ثمانية توغلات خلال يوم واحد بحسب المرصد السوري، ثم دخول دبابات وآليات جديدة إلى جنوب القنيطرة صباح 6 أكتوبر، يبدو أن التحركات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة مستمرة وليست مجرد عملية عابرة.
وبينما تقول ما يسمى “إسرائيل” إن وجودها وتحركاتها في جنوب سوريا مرتبطة باعتبارات أمنية وحماية حدودها، ترى دمشق أن ما يجري يمثل احتلالًا وانتهاكًا لسيادتها، فيما يتزايد القلق الإقليمي من أن تتحول التحركات الميدانية والتحصينات العسكرية إلى واقع طويل الأمد يصعب التراجع عنه لاحقًا.
وهنا تكمن المسألة الأساسية: ليست القصة حريقًا قرب الحميدية أو منزلًا فُجّر في بيت جن فحسب، بل ما إذا كانت سلسلة التحركات المتفرقة ترسم تدريجيًا واقعًا أمنيًا وعسكريًا جديدًا في جنوب سوريا. فكيف سيتعامل السوريون مع رسائل الاحتلال الواضحة؟





اترك تعليقاً