لسنوات، انتشرت على مواقع إخبارية وصفحات التواصل صور لوثيقة خضراء تحمل اسم «جواز سفر إلى الجنة»، وغالبًا ما قُدّمت باعتبارها واحدة من غرائب تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، وأن التنظيم كان يوزعها على مقاتليه ليقنعهم بأن موتهم في المعارك يضمن لهم دخول الجنة.
لكن العودة إلى أرشيف الحرب السورية تكشف مشكلة جوهرية في هذه الرواية:
صور ووثائق مشابهة ظهرت في سورية قبل سنوات من التقارير التي نسبت «جواز الجنة» إلى تنظيم الدولة، ووُثقت في مناطق كانت قوات النظام السوري ومقاتلون إيرانيون وميليشيات موالية له موجودين فيها.
بل إن أحد أقدم التسجيلات المعروفة المتداولة عن الوثيقة يعود إلى أبريل/نيسان 2013، حين عرض مقاتلون من المعارضة السورية في الرقة جوازًا قالوا إنهم عثروا عليه مع مقاتل إيراني يقاتل في صفوف الميليشيات الموالية لنظام بشار الأسد المخلوع.
الرقة 2013.. قبل اتهام «داعش»
في 8 أبريل/نيسان 2013، ظهر تسجيل مصور من الرقة عرض فيه قيادي من حركة أحرار الشام وثيقة خضراء كُتب عليها «جواز سفر إلى الجنة»، وقال إن مقاتلي المعارضة عثروا عليها بعد أسر عناصر من القوات الموالية للنظام، وإن النسخة التي عرضها كانت بحوزة مقاتل إيراني. وتناقلت وسائل إعلام عربية القصة في ذلك الوقت.

وهذا التاريخ مهم للغاية. ففي ربيع 2013 لم يكن تنظيم الدولة قد أعلن «الخلافة»، ولم يكن قد سيطر على الرقة بالصورة التي عُرفت لاحقًا. بل إن الدراسات التي راجعت قصة «جواز الجنة» لاحقًا أشارت إلى أن الوثيقة ظهرت بالفعل في الرقة عام 2013 قبل استيلاء التنظيم عليها، وأن مقاتلي المعارضة آنذاك نسبوها إلى مقاتلين إيرانيين وموالين للنظام.
ولهذا فإن القول ببساطة إن تنظيم الدولة هو الذي ابتكر هذه الوثيقة لا يتفق مع التسلسل الزمني المتاح ويكشف جانبا من التلاعب الإعلامي بالوقائع.
الوثيقة تظهر مجددًا في درعا
لم تختف القصة بعد الرقة. في أبريل/نيسان 2015، نشرت صحيفة عنب بلدي تقريرًا عن العثور على وثائق تحمل الاسم نفسه، «جواز سفر إلى الجنة»، بعد سيطرة فصائل معارضة على بلدة كفر شمس في ريف درعا.
وقالت الصحيفة إن الصور التي بثها ناشطون أظهرت الوثائق بحوزة مقاتلين تابعين لقوات الأسد وميليشيات أجنبية داعمة له، وإنها مشابهة لتلك التي ظهرت في الرقة قبل عامين.

هذه المرة أيضًا كان السياق مختلفًا تمامًا عن الرواية التي ستنتشر لاحقًا بشأن تنظيم الدولة.
فالوثيقة كانت مرتبطة في التقارير المحلية بمقاتلين موالين للأسد، بينهم مقاتلون شيعة وأجانب.
وماذا عن إيران؟

منذ ظهور الوثائق الأولى، قال مقاتلون سوريون ووسائل إعلام إنها مصنوعة في إيران وإنها امتداد لوسائل تعبئة معنوية استخدمت خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي.
بعض التقارير ربطتها بما اشتهر تاريخيًا عن توزيع «مفاتيح الجنة» على بعض المقاتلين الإيرانيين، وقالت إن «جوازات الجنة» كانت نسخة أخرى من الفكرة نفسها. وظهرت تقارير عربية وأوروبية منذ 2013 تنسب الوثيقة إلى إيران وتقول إنها استُخدمت لتحفيز مقاتلين إيرانيين وشيعة في سورية.
كيف أصبحت لاحقًا «جواز داعش»؟

في السنوات التالية، خصوصًا مع الحرب على تنظيم الدولة في الرقة، بدأت صور «جوازات إلى الجنة» تظهر مرة أخرى في وسائل إعلام دولية، لكن هذه المرة قُدمت باعتبارها وثائق يستخدمها تنظيم الدولة لتحفيز مقاتليه على العمليات الاستشهادية.
وفي 2017، نشرت وسائل إعلام تقارير عن العثور على كتيبات خضراء في الرقة عقب تقدم قوات سوريا الديمقراطية، ووصفتها بأنها جوازات سفر للجنة «Passports to Paradise» تابعة لتنظيم الدولة.

المشكلة أن بعض تلك التقارير لم تناقش التاريخ السابق للوثيقة.
وهناك دراسة أكاديمية تناولت المسألة صراحة، مشيرة إلى أن إسناد «جواز الجنة» إلى تنظيم الدولة وحده غير موثوق، لأن الوثيقة نفسها شوهدت في الرقة سنة 2013، قبل سيطرة التنظيم عليها، حين قال مقاتلو المعارضة إنهم عثروا عليها مع مقاتلين موالين للنظام وإيران.
وهذا يثبت شيئًا مهمًا: ظهور «جواز السفر إلى الجنة» في سورية أقدم من نسبته الإعلامية إلى تنظيم الدولة.
خلط آخر: «جواز داعش الرسمي»
وزادت الفوضى الإعلامية لأن قصة «جواز الجنة» اختلطت بقصة أخرى مختلفة تمامًا: صور ما قيل إنه «جواز سفر رسمي لدولة الخلافة» أصدره تنظيم الدولة بعد إعلان «الخلافة» عام 2014.
انتشرت آنذاك صور لجواز أسود يحمل علم التنظيم وعبارات بالإنجليزية، ونقلت وسائل إعلام عربية ودولية الخبر كما لو أنه إصدار رسمي.
لكن باحثين في إعلام تنظيم الدولة خلصوا لاحقًا إلى أن تلك الصور على الأرجح مزيفة وغير صادرة رسميًا عن التنظيم. ومن بين المؤشرات: الصياغة الإنجليزية الغريبة «Islamic State of Al Khilafah»، واستخدام تصميم ومواد لا تتفق مع وثائق رسمية، إضافة إلى أن بعض الصور ظهرت قبل إعلان «الخلافة» أصلًا.
وهذا يوضح كيف تراكمت خلال الحرب السورية عدة قصص مختلفة تحت عنوان واحد: “جواز رسمي مزعوم لداعش”، وجواز رمزي «إلى الجنة»، ووثائق حقيقية أو دعائية عُثر عليها مع أطراف مختلفة.
ثم أعادت وسائل الإعلام تدوير الصور من دون العودة إلى تاريخها الأصلي.
فهل نعرف «أول من أصدره»؟
إذا كان السؤال هو: من أول طرف موثق ظهرت معه وثيقة «جواز سفر إلى الجنة» في الحرب السورية؟
فالمصادر جميعها تعيدنا إلى الرقة في أبريل/نيسان 2013، حيث قال مقاتلو المعارضة إنهم عثروا عليها مع مقاتل إيراني وعناصر من القوات الموالية لنظام الأسد المخلوع.
ثم ظهرت وثائق مشابهة مع قوات وميليشيات موالية للنظام المخلوع في درعا عام 2015.
ويبدو أن إيران هي أول من ابتكر هذا الشكل من الجوازات في عصرنا الحديث، وهو يتسق مع رواية الرافضة الاثني عشرية العقائدية.
والمؤكد كذلك أن نسبة الوثيقة إلى تنظيم الدولة على أنها اختراع خاص بالتنظيم لا تستقيم زمنيًا؛ لأن النسخ المصورة كانت موجودة قبل المرحلة التي ارتبط فيها التنظيم بالرقة.
حرب الصور لا تقل أهمية عن حرب البنادق
قصة «جواز الجنة» مثال صغير على مشكلة أكبر رافقت الحرب السورية: الصورة قد تكون حقيقية، لكن التعليق عليها خاطئ. وقد تكون الوثيقة موجودة فعلًا، لكن تُنقل بعد سنوات إلى سياق آخر ويُنسى أصلها.
وفي صراع شاركت فيه دول، وأجهزة أمن، وميليشيات، وتنظيمات مسلحة، وآلاف الحسابات الإعلامية، أصبح تحديد من التقط الصورة؟ ومتى؟ وأين ظهرت أول مرة؟ جزءًا من فهم الحدث نفسه.
ولهذا فإن السؤال في قضية «جواز السفر إلى الجنة» ليس فقط: هل الوثيقة موجودة؟
بل: متى ظهرت؟ ومع من ظهرت أول مرة؟ ومن الذي أعاد نسبتها لاحقًا إلى خصمه؟
والأرشيف يعطي إجابة أكثر تعقيدًا من الرواية الشائعة:
الوثيقة لم تبدأ قصتها مع تنظيم الدولة كما يزعمون؛ بل ظهرت في الحرب السورية قبل ذلك، مرتبطة في أقدم التسجيلات المتاحة بالميليشيات الموالية لنظام الأسد وإيران، ثم انتقلت لاحقًا عبر دورة الدعاية والحرب الإعلامية لتصبح في تقارير كثيرة «جواز داعش إلى الجنة» كتهمة ملفقة يروج لها الإعلام بدون مصداقية.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه: كم من التهم الملفقة ألصقت بالجماعات الجهادية والإسلامية بشكل عام في صراعات العالم الإسلامي؟ وكم وظف الإعلام الروايات الكاذبة لصالح أجندات أربابه!
هذا ما يستوجب التقصي والبحث، لنقل الحقيقة كما هي، لا كما تملي المصالح والعداوات بلا مصداقية.





اترك تعليقاً