لم يكن الشاب الذي قاطع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، خلال تجمع انتخابي في ولاية كارولاينا الشمالية، مطالبًا بسياسة اقتصادية أو بتغيير موقف من الحرب أو الهجرة. لقد هتف ببساطة: «انشروا ملفات إبستين!». وبينما أخرجه رجال الأمن، اختار فانس الرد بسخرية، دون الإجابة عن مطلبه.
هذا المشهد، الذي تكرر بصور مختلفة خلال فعاليات سياسية أمريكية، يختصر واحدة من أكثر القضايا إحراجًا للمؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة: كيف تحولت فضيحة اعتداءات جنسية واتجار بقاصرات، ارتبط صاحبها بشبكة من أصحاب النفوذ السياسي والمالي، إلى معركة طويلة حول نشر الوثائق، دون أن تقابلها محاسبة جنائية تتناسب مع حجم الأسئلة التي أثارتها؟
فجيفري إبستين لم يكن مجرد رجل ثري ارتكب جرائم جنسية. لقد استطاع لسنوات بناء علاقات مع شخصيات من أعلى مستويات السياسة والمال والأعمال والمجتمع، بينما استمر استغلال فتيات قاصرات، رغم ظهور مؤشرات مبكرة على جرائمه.
وفي عام 2008، حصل إبستين على اتفاق قضائي استثنائي جنّبه الملاحقة الفيدرالية، قبل أن يُعتقل مجددًا عام 2019 ويموت في محبسه قبل محاكمته. أما شريكته غيسلين ماكسويل، فقد أُدينت عام 2021 بجرائم مرتبطة باستدراج القاصرات والاتجار بهن لأغراض الاستغلال الجنسي، وحُكم عليها بالسجن عشرين عامًا.
لكن السؤال الذي بقي مفتوحًا هو: كيف أمكن لهذه الجرائم أن تستمر كل تلك السنوات، ومن سهّل وقوعها، ومن علم بها ولم يتحرك؟
لقد كشفت الوثائق عن شبكة علاقات امتدت إلى شخصيات بارزة، بينها الرئيسان دونالد ترامب وبيل كلينتون، والأمير البريطاني أندرو، ورجال أعمال ومليارديرات. وتختلف طبيعة صلات هؤلاء بإبستين اختلافًا كبيرًا؛ فظهور اسم شخص في الوثائق أو سجلات الاتصال لا يثبت مشاركته في الجرائم. وقد واجه الأمير أندرو دعوى مدنية انتهت بتسوية دون إقرار بالمسؤولية، بينما لا تعني العلاقات الموثقة مع إبستين، بذاتها، ثبوت جرم على بقية الأسماء.
ومع ذلك، فإن اتساع هذه العلاقات يطرح أسئلة مشروعة عن دور النفوذ والثروة في توفير الحماية الاجتماعية والمالية لإبستين، وعن أسباب إخفاق المؤسسات في وقف جرائمه مبكرًا.
ولم تقتصر القضية على الأفراد؛ فقد وافق مصرف «جيه بي مورغان» على دفع 290 مليون دولار لتسوية دعوى رفعتها ضحايا إبستين، فيما وافق «دويتشه بنك» على تسوية بقيمة 75 مليون دولار، دون أن تعني التسويتان إقرارًا بالمسؤولية القانونية.
وهنا تتجاوز القضية فضيحة رجل واحد إلى سؤال عن مسؤولية المؤسسات التي تعاملت معه رغم المؤشرات التحذيرية المتعلقة بنشاطه.
أما المفارقة الكبرى، فهي أن نشر ملايين الوثائق لم يحسم الجدل حول الشفافية.
ففي يناير 2026، أعلنت وزارة العدل الأمريكية نشر ما مجموعه نحو 3.5 ملايين صفحة من ملفات إبستين، مؤكدة أنها أوفت بالتزاماتها القانونية. غير أن الوزارة كانت قد حددت أكثر من ستة ملايين صفحة خلال مراجعتها، وهو ما أثار اعتراضات بشأن الوثائق التي لم تُنشر، رغم تأكيد الوزارة أن المواد المستثناة تشمل وثائق مكررة أو غير ذات صلة أو محمية قانونيًا.
وفي 15 أكتوبر الجاري، طالب تحالف من 17 مدعيًا عامًا على مستوى الولايات الكونغرس بإقرار تشريع جديد يسمح للضحايا والسلطات المحلية بمقاضاة وزارة العدل لإلزامها بالشفافية. وهذه الخطوة وحدها تكشف أن القضية لم تُغلق مؤسسيًا، رغم كل ما نُشر عنها.
لقد أصبحت معركة إبستين، في جانب منها، معركة على إدارة الفضيحة بدلًا من استكمال كشف المسؤوليات. فكل دفعة من الوثائق تثير ضجة إعلامية جديدة حول أسماء المشاهير والسياسيين، ثم يتراجع الاهتمام تدريجيًا، بينما تتوارى خلف الصراع الحزبي القضية الأصلية: حقوق الضحايا، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وكشف أوجه التقصير التي سمحت باستمرار الجرائم.
وهذا هو الخلل الأعمق؛ إذ تتحول الجرائم التي تعرضت لها فتيات قاصرات إلى مادة للتراشق بين الجمهوريين والديمقراطيين، ويصبح السؤال عما إذا كان اسم ترامب أو كلينتون حاضرًا في الوثائق أكثر تداولًا من السؤال عن العدالة التي لم تحصل عليها الضحايا كاملة.
ولذلك فإن استمرار الهتاف للمطالبة بملفات إبستين لا يعكس فضولًا جماهيريًا بشأن أسرار المشاهير فحسب، بل يعكس أيضًا أزمة ثقة في قدرة المؤسسات الأمريكية على التحقيق بشفافية عندما تمس القضايا دوائر النفوذ.
فالاختبار الحقيقي ليس عدد الصفحات التي تنشرها وزارة العدل، ولا عدد الشخصيات التي تظهر أسماؤها فيها، بل ما إذا كانت الأدلة ستقود إلى محاسبة فعلية، بصرف النظر عن ثروة المتورط أو منصبه أو علاقاته السياسية.
وإلى أن يُجاب عن هذا السؤال، ستظل فضيحة إبستين أكبر من ملف جنائي أُغلق بموت صاحبه؛ إنها اختبار مفتوح للمساواة أمام القانون الأمريكي، ولمدى قدرة النظام القضائي والسياسي على إخضاع أصحاب النفوذ للمساءلة نفسها التي يواجهها سائر المواطنين الأمريكيين.





